أهم الأخبار

مقتل 3 جنود أتراك شمال العراق وأنقرة تعلن تحييد 7 عناصر من تنظيم "بي كي كي" .

روسيا الإمبراطورية والحلم القديم الجديد - أورينت نت

روسيا الإمبراطورية والحلم القديم الجديد

مقال اليوم || علي صالح الجاسم 2022-11-24 09:30:00

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لعلّه من النافل من القول عندما نتحدث عن زعبرات الدب الروسي هنا وهناك، وكأنه وحشٌ كاسر يضرب خبط عشواء يميناً ويساراً وفي كل الاتجاهات ليقول لمن حوله إنه هنا، وله كلمته ومكانته التي يجب على كل من يهمه الأمر من الدول العظمى أن يحسب حسابها، وألا يغفل عن ذلك قاصداً أو ساهياً.

منذ أشهر وحرب روسيا على أوكرانيا قائمة على قدمٍ وساق، وقد كان الهدف منها السيطرة على أوكرانيا خلال فترة وجيزة واستبدال حكومتها الموالية للغرب بحكومة موالية لروسيا، ويا دار ما دخلك شر، لكن هذا الهدف ارتطم بصخرة الدعم الأوروبي الأمريكي الهائل لأوكرانيا ما جعل هذا الهدف بعيد المنال، فتراجع سقف الأهداف إلى الاستيلاء على بعض المقاطعات ذات الأغلبية الروسية والموالية لها وإعلان استقلالها عن أوكرانيا مثل دونيتسك ولوغانسك، لكن زيادة الدعم الأوروبي لأوكرانيا أيضاً قلّص هذه الأهداف وجعل تنفيذها صعباً أو مستحيلاً، ما يدفع المتابع والمحلل لمجريات هذه الحرب إلى الحكم بأن ما أقدم عليه الروس ورطة بكل المقاييس وأن أوكرانيا هي المستنقع الذي أراد الغرب إيقاع روسيا فيه لتقليم أظافرها بعد أن طالت زيادة عن المقبول أو المسموح به.

لو عدنا إلى التاريخ قليلاً لوجدنا أنه في كلّ مرة تحاول فيها روسيا التوسع وفرض نفسها كقوة عظمى لها الكلمة العليا في العالم، نجد أن الغرب يتكاتف رغم خلافاته البينية ويوقفها عند حدِّها.

هذا ما حصل تماماً في حربها التي أعلنتها على الدولة العثمانية سنة 1877م بحجة حماية المسيحيين الأرثوذوكس، وقد سكت الغرب يومها وغض الطرف رغم أن معاهدة باريس سنة 1856م تفرض عليهم أي الغرب التدخّل لحل النزاع إلا أنهم لم يفعلوا؛ لأن مصالحهم في ذلك الوقت كانت تدفعهم إلى هذا الموقف، لكنهم عندما وجدوا أن روسيا لن تكتفي بالحصول فقط على الولايات ذات الأكثرية المسيحية، وأنها بدأت تجهّز للزحف إلى الأستانة "إسطنبول" وقد اقتربت جحافلها منها، بدؤوا بالتحرّك مباشرة لإيقاف روسيا عند حدّها ليس حباً بالدولة العثمانية، ولكن لأن روسيا تعدّت الخط المسموح به، وحصولها على الأستانة يعني تهديداً مباشراً لمصالح الغرب.

ولإيقاف روسيا ومنعها من الاستيلاء على إسطنبول قامت إنكلترا بتوقيع معاهدة دفاع مشترك مع الدولة العثمانية سمحت بموجبها الأخيرة بدخول بعض المراكب من الأسطول الإنكليزي إلى مياه البوسفور أمام إسطنبول للتدخّل فوراً ومنع الروس من الاقتراب منها، وهكذا ركنت روسيا للصلح وأوقفت الحرب وتم عقد معاهدة سُمّيت بمعاهدة برلين لم تستفد منها الدولة العثمانية يومها سوى أنها أوقفت روسيا عن الزحف باتجاه عاصمتها والاستيلاء عليها.

لم تكن العودة إلى التاريخ قليلاً فيما سبق إلا للتدليل على حلم روسيا الإمبراطوري القديم الجديد واصطدامه دائماً بالمصالح الغربية، وتحطيمه قبل أن يقف على رجليه، وكما تزعّمت إنكلترا الجبهة في وجه أطماع الروس قديماً نجد الأمريكان الآن يقومون بالدور نفسه في مواجهتهم في أوكرانيا.

إن أخبار هزائم الجيش الروسي التي تسوقها وسائل الإعلام يومياً أو ساعة بساعة، وآخرها من خيرسون لأمرٌ يدعو إلى الحيرة، ليس لضعف هذا الجيش، فهو جيش قويٌّ فقط على المستضعفين من السوريين وأمثالهم، أما أمام الغرب وآلته العسكرية العملاقة، فهو جيش قزم، إنّما الحيرة من غباء هذا الدبّ الذي لم يتعلم من دروس التاريخ التي مرّ بها وعاناها درساً درساً، وملخّصها أنّ الغرب مثلما لم يسمح له في الماضي بالتمدد أكثر من المسموح به، فلن يسمح له بذلك الآن، ولا في المستقبل إن استطاع، وأن من الحكمة بعد كل هذه التجارب المريرة أن يلتفت إلى أمور دولته الداخلية، فيبني إنساناً روسيّاً يكون له مساهمة في الحضارة الإنسانية وتطورها وإعمارها بدلاً من تدميرها، وعليه أن يدرك أن وصايا بطرس الأكبر ممدّن الدولة الروسية وباني نهضتها لتكون دولة عظمى سنة 1682م لا يمكن تحقيقها ما دام الغرب يمتلك القوة التي تفوق قوته بمئات المرات، وبها سيوقفه عند حدِّه في كلّ مرة يحاول فيها أن يتجاوز هذا الحد. 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات