إصلاحات النظام السوري وما يشبهها

مقال اليوم || مصطفى المصطفى 2022-11-23 08:31:27

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في مقال سابق يحمل عنوان "بين الإصلاح الأسدي والإصلاح البوتيني" تم التطرق إلى فكرة رئيسية تتمحور حول الخلاف في النظرة نحو الإصلاحات المنتظرة من النظام السوري فيما لو تمكن من التشبث بحكم سوريا، فبينما يرى الروس أنه لا بد من بعض الإصلاحات الشكلية لتسهيل مهمة تعويم النظام، يرى النظام السوري أن بعض الإصلاحات الشكلية التي كان قد لجأ إليها سابقا هي السبب في تمرد الشعب السوري. لذلك، فالإصلاحات المطلوبة هي العودة خطوة أو خطوتين نحو الخلف.
في خطوة تندرج ضمن هذا السياق، وافقت حكومة النظام السوري منذ أيام على مشروع "قانون الإعلام الجديد"، زاعمة أنه يستجيب لمتطلبات العصر، ويهدف القانون الجديد إلى إحكام قبضة النظام على الإعلام موسعاً صلاحيات وزارته الجديدة لتطال مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي التي لم يشملها القانون المعمول به حتى تاريخه. 
من المدهش حقاً، أن ما تضمنه قانون الإعلام الجديد من توسعة في صلاحيات القمع وكم الأفواه جاء تحت مسمى قانون عصري يتماشى مع التطورات الحاصلة في مجال الإعلام والاتصال، ليكون متكاملاً ويناسب بيئة العمل الإعلامي المعاصر بمختلف جوانبه، بحسب ما ذكرته الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة.
ورغم أن القانون قوبل بكثير من النقد حتى من قبل صحافيين موالين تركزت في مجملها حول الطريقة المغلقة التي نوقش بها القانون، وحول اللجنة المكلفة بصياغة القانون، إلا أن ما ورد في أحد البنود ضمن إطار المحظورات ملفت للانتباه بمدى وقاحته وفجوره، إذ احتوت تلك المادة على ما يلي: أي مواد مباشرة، أو تسجيل، أو إعادة بث، أو توصيل للجمهور بأي وسيلة كانت؛ سواء أخذت شكل مقالات، أو أخبار، أو برامج، أو ملاحظات، أو تعليقات، أو "ما يشبهها".
جرت العادة عند النظام السوري أن تصدر القوانين، ثم بعد ذلك تصدر التعليمات التنفيذية لهذه القوانين، فهل ننتظر تلك التعليمات لتفسر لنا المقصود بعبارة "ما يشبهها"، فهل المقصود هو وضع شارة الإعجاب أو الدعم أو الحب على المنشورات التي تتضمن مادة محظورة؟ أم المقصود حظر التفاعل حتى برمز يعبّر عن الامتعاض؟ 
لا شك أن المقصود هو الابتعاد بشكل كامل عن مصادقة أو متابعة كل الأفراد والمؤسسات والمواقع التي تحتوي على مادة محظورة، والسوريون سيفهمون ذلك بكل تأكيد؛ متّبعين حكمتهم الشهيرة: الباب الذي تأتيك منه الريح أغلقه واسترح". إن الإصلاحات المتمثلة بمضاعفة التغول الأمني قادمة، وما إصدار هذا القانون إلا مقدمة لما هو آت، إنهم من خلال هذا القانون يريدون القول: إننا سنلقي الإبرة ونود سماع صوت ارتطامها بالأرض فليخرس الجميع، إنها السيطرة على المحيط التي تحدّث عنها "روبرت ليفتون"، وهي محاولة للهيمنة ليس على اتصال الفرد مع الخارج فحسب (كل ما يرى ويسمع، ويقرأ ويكتب، ويشعر به ويعبر عنه)، وإنما أيضاً في اختراقها لحياته الداخلية، أو ما يمكن أن نسميه تواصله مع نفسه.
قد يستغرب البعض أن وطأة تلك الإصلاحات و"ما يشبهها" وقعت وستقع على البيئة الحاضنة للنظام، أو ما نسميه اعتباطا "المؤيدين"، وهو استغراب ينم عن قلة معرفة بطبيعة النظام السوري وعقليته، فالنظام السوري لا يؤمن بوجود المؤيدين، وهو محق في ذلك، فالنظام ينظر إلى كل من رفض التمرد على سلطته بأنهم مزيج من أصحاب المصالح والخائفين الذين دفعهم خوفهم المركّب إلى الانحياز له، والقفز إلى قاطرته على اعتبار أنها قاطرة المنتصر حسب تقديراتهم المبنية على سوء الظن بحجم إجرامه وطبيعة علاقاته المشبوهة، لذلك، فمجرد اعتقاد هؤلاء بأنهم أصحاب فضل على النظام، وهو ما بدأت تظهر بعض ملامحه، يعتبر تجاوزاً للحدود لا يمكن السكوت عنه. 
من أجل ذلك، ولأولئك جاءت الإصلاحات و"ما يشبهها"، ولكن على هؤلاء أن يعلموا أن ما قبل الإصلاحات ليس كما بعدها، فقبل الإصلاحات كان السوريون "الأذكياء جداً" عندما يسألون عن رأيهم بقرار مجلس الأمن بنقل خط الاستواء ليصبح ماراً من سوريا؛ يجيبون: إنها مؤامرة على سورية! أما بعد الإصلاحات، في حال إعادة التجربة لا أحد يعلم ما الذي ستكون عليه الإجابة.
أخيرا، لا يمكن القول للخائفين وأصحاب المصالح سوى: يداك أوكتا وفوك نفخ، وإلى مزيد من الإصلاحات و"ما يشبهها".

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات