الثورةُ من صنع العقل والهزائم نتيجة الدين الموازي

مقال اليوم || نبيل أدهم المحمّد 2022-11-22 09:45:21

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

إن بحثنا في التاريخ بشكل مبسّط عن أكثر القضايا سطحيّةً، فإنّنا سنجد شيئاً واحداً ثابتاً: عدم اتّفاق رجالات الدين على رأي فيها.

فمنذ "معبد الجهني و غيلان الدمشقي" حتّى الآن لم يتّفق رجالات الدين على قضيّة، وكانت النهايات دائماً متشابهة، ألا وهي تحكيم السيف، على الرغم من أنّه لا يوجد نصٌّ قرآنيّ صريح يبيحُ هذه النهاية الّتي انتهجوها، ولذلك فإنّ مصطلح "رجال الدين" أوّل ما شاع في أوروبا حينما كانت تخضع لحكم الكنيسة التي جعلت من نفسها مشرّعاً، واحتكرت الرأي وخصّته في القائمين عليها، وهم الّذين يدّعون معرفة الدين ولهم مكانةٌ بين المؤمن والإله، الوساطة، وهؤلاء من عهد بعيد وانتقالاً إلى العالم المسلم ما زالوا منبع الخرافةِ والتطرّف في شتّى الأديان…

ولم يكن موقفهم على مرّ التاريخ سوى ما وافق الموقف والقوّة والسائد، وإلى الآن فإنّ مواقفهم وتصريحاتهم تثير الألم على خلفيّة الثورات العربيّة، ففي الوقت الّذي ينصّبون أنفسهم مسؤولين أمام الإله، فإنّ أكثر ما فعلوه هو تشويه اسم الإله وصورته، عبرَ تطويع فكرة الإله ودفعها في أتون السياسة وتطويعها مرّةً أُخرى لصالح القوّة والاستبداد والتسلّط والدكتاتوريّة، فبديهيّاً على رجل الدين أن يتّخذ موقفاً من الظلم على أقلّ تقدير، لكن اللافت للنظر والغريب هو أن يقف رجل الدين مع الظلم والاستبداد وضدّه في آنٍ، عبر الوقوف مع الاستبداد في زمن والوقوف ضدّه في زمن أو مكان آخر، والسؤال الّذي يقدّم نفسه هو: هل الاستبداد متغيّر أم إنّ له صورةً واحدة على مرّ الزمن؟

في ازدواجيّةٍ فاضحةٍ بين تحليل الثورة وتحريمها، إن لم يكن في ذات الزمان والمكان والحالة، فبالمتغيّر منها، وكلّه قائم على مصالح الحكم الّذي يعملون لديه، وهذا يوصلنا إلى نتيجةٍ منطقيّةٍ هي أنّ (رجال الدين لا علاقة لهم بالدين بقدر ما لهم علاقة بالحكم، إذ يصبح الدين مجرّد فكرةٍ قابلة للتوظيف والإقصاء وفق الحاجة).

ولعلّ أوّل ما قامت بهِ الثورات هي تعرية السلطات الدينيّة وكشفت وظيفتها في تثبيت قوائم الاستبداد، وتوظيف الدين كفكرةٍ لخداع المؤمنين البسطاء الّذين يمثّل الدين لديهم رأسمالهم الرمزي والمعنوي لمواجهة تعب الحياة وثقل السلطة المستبدّة، وهذا ما فعلته الثورات في أوّل جولة من جولاتها…. حينما نادت بالحريّة والمساواة والعدالة واحترام الإنسان كإنسان فقط.

لكنّ هذه المنظومة أعادت رصّ صفوفها وتوجيه حربتها مجدّداً إليهم، على صورتين واضحتين جدّاً:

الأولى كانت عبر إعادةِ تلميع صورة النظام ومسح الدم عن يديهِ بمنديلٍ مقدّس، وهذا ما كان في سوريا، والفئة الّتي صنعها النظام الأسدي على عينهِ وبيديه، فكانوا بعد ذلك قادرين على إضفاء صفة القداسة الّتي تقنّعَ بها الإجرام، إن كان بالفَتاوى الّتي أصدَروها باسم الإله، ووقّعوها باسم الإله، أو بالخطاب الديني الّذي يعزف على وتر الضعف البشري، ذلك الخطاب القائم على أبستملوجيا غايتها تخدير الإنسان، وتطويعه وانقياده، وترويضه تحت سقف الاستبداد الواطئ، ليصبح أداةَ قتل وإجرام، أو على الأقل تهجينه وتدجينه ليكون مسالماً باحثاً في الهوامش عمّا لا يمكن إيجاده، وقد نتجت هذه الفئة من تزواجٍ بينَ دينٍ موازٍ وحكمٍ جبري، هذا التزاوج أنجب هؤلاء الفئة من الدينيّين ممسُوخي الأخلاق والأرواح، الّذين صنعوا ديناً موازياً وفكراً متناقضاً مع الإسلام كدين، سوى الاسم… وهم كثر، فمن أحمد حسّون الّذي ميّع الدين ليكون سائلاً في بوتقة الإجرام باسم السلام، إلى محمود عكّام ومحمود الحوت إلى آلافٍ من المعتمّين والملتحفين بالعباءات، وصولاً إلى كبيرهم البوطي، الّذي أوّل ما فعله هو نزع صفةِ الإنسانيّة عن السوريين الثائرين بقوله: إنّ أغلبهم لا يعرفُ جبينه السجود، يوم الجمعة الفائت وقبل أن ننهي الصلاة كان الجو داخل المسجد طبيعيّاً، ولمّا خرجت من المسجد، وإذ بي أمام أناسٍ كانوا في باحة المسجد لكن لم يصلّوا، وكأنّهم ينتظرون الساعة الّتي ينفّذون بها الأمر، وليست تصرفاتهم تصرفات أناس يتعاملون مع المسجد….. إلخ" هم متآمرون، فما حكم المتآمر على بلده؟؟؟  وقد اتهمهم أنّهم ليسوا أناس مساجد، لكنّ الغريب في الأمر أنّ رفقة المشايخ اتّهموا الثائرين أنّهم "سلفيّون ووهابيون وإخوان" وأنّهم أصحاب مساجد. ثمّ يظهر أحمد حسّون مهدّداً بإرسال الانتحاريين إلى أوروبا…

وهكذا خلطوا الدين بالسياسة بالجريمة بالعهر بالكذب بالتجارة ليقدّموا بعد ذلك للناس هذا المزيج المسمّى ديناً، ويسوقونهم بعصاه.

أمّا الفئة الثانية منهم فهي على النقيض تماماً: فقد انخرطت هذه الفئةُ في صفوف الثورات، وبدأت ممارسةَ براعتها في التسلّق والوصوليّة، معتمدين على بساطةِ المؤمنين، وعلى قوّة الكلمة، وعلى الضعف الّذي يظهر جليّاً أمامَ فكرةِ الدين بما تتضمّنه من إلهٍ وعقابٍ وثوابٍ وقدرةٍ وميتافيزيقا، وكان أوّل ظهورٍ لها عبر تغيّر الشعارات، إلى شعارات تحمل نفَساً دينيّاً جاء على أكتاف شعار الحريّة الأوّل، ثمّ استخدام المنابر لتأجيج مشاعر الجماهير المؤمنة بالفطرة، وضخّ خطابٍ مليء بالأسطوريّة بعيداً عن الواقعيّة الّتي بدأت تندحر أمام هجمات التهويمات الدينيّة (الأبعد ما تكون عن دين السوريّين)

فقد دفعوا الشباب إلى الموت، ومزّقوا حلم السوريين بالحريّة وبغدٍ أفضل، وجعلوا من الدين مِزقاً لا تعدّ ولا تحصى، كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون، وبعد ذلك راحوا يبحثون عن منصبٍ ومنبرٍ وحصّة من الركام السوري، هذا بالمختصر.

فبينما كانت الحربُ على أشدّها، وشلّال الدم السوريّ يزدادُ غزارةً، وأصواتُ رجال الدين بنسخها القديمة والمغبرّةِ تتعالى، والنظام المجرمُ يحرقُ السوريين بما فيهم بلا تمييز، لم يجدِ السوريّونَ الإلهَ الّذي وعدهم بهِ رجالات الدين بخطابهم الميتافيزيقي، ولم يحرّك الإله يده ليصدّق أقوال هؤلاء الذين يدّعون أنّهم على صلة مع الله، وهذا يوحي: أنّ "هناك شيئاً خاطئاً إذن"  فعلى مرّ مراحل الثورة، كان السؤال الملحّ هو ما سبب الهزائم المتكرّرة أمام نظام مجرمٍ سماويّاً وبشريّاً؟ ولكن في النهاية فإنّ المنطق وحده من يبقى، ويثبتُ أنّ الخطاب الديني كان له دوره في انتكاسات الثورة، ذلك الخطاب الّذي شَحنه رجالاته بالخرافات والأساطير عن قتال الملائكة مع السوريين….! 

فهل يعقل أن الله -الّذي أرسل ملائكته للقتال مع السوريين- "انهزم" أمام آلةِ الإجرام والظلم؟

هذا السؤال الّذي يقود المجتمع السوري المؤمن إيماناً وسطيّاً بسيطاً إلى سؤال آخر يقودهم إلى سؤال آخر وهكذا… وجميعها يؤكّد بؤس عقليّة رجال الدين وعدم جدوى أفكارهم وصيغها المهترئة البعيدة كلّ البعد عن إيمان السوريين باختلاف إيمانهم.. فما يعرفه الكثيرون أنّ الثورة في بداياتها لم تقم لسبب دينيّ أبداً، ولا حتّى من أجل مكاسب أخرويّة، وإنّما ثارت على الاستبداد والإجرام ومن أجل نيل الحريّة الّتي بذاتها تضمن بناء دولة محترمة، فالمشاعر الشعبيّة الّتي انفجرت مع الثورة استغلّها رجال الدين ليصعدوا على سلّمها، وتحويلها إلى مشاعر دينيّة وبذاتها جعلت من حامليها وقوداً لا مثيل له في الاشتعال في كلا المعركتين "السلميّة والحربيّة" ليجد السوريّون أنّ السماء الّتي أوهمهم رجال الدين أنّهم اقتربوا منها ولامسوها ما هي إلّا محض وهم وسحرٍ سحروهم بها، ليسقطوا بعد ذلك في الجحيم الّذي اشتعل في كلّ مكان ويشتعل، وهو ما أدى إلى انهيار إيمان الكثيرين منهم بالإله الّذي علّقوا الأماني عليه.

ربّما الأمر متعلّق في الخطأ في اختيار الإله الّذي كان يجب أن يعلّقوا آمالهم عليهم، فالإله الّذي يمثّله رجال الدين في شتّى الأديان لا يشبه الإله الّذي يؤمن به الناس البسطاء، فالإله الحقيقي في قلوب المؤمنين البسطاء به، لا يحتاج إلى عباءة وعمامةٍ ولحى طويلة، ووجوه عابسة وأصوات جهوريّة.

وفي النهاية نحن أمام دينٍ مغرق في السياسة، والمصلحة، والغاية والمنفعة والخرافة والساديّة، يحلّل ويحرّم وفق ما تأمر به القوّة وقرارات القصر الجمهوري أو الملكي أو الأميري، ووفق ما تقتضيه الحاجة والمصلحة والمنفعة، ووفق رؤيا رجال يصنعون أدياناً ممسوخةً ويقدّمونها للأمم، إن كانت تحتاج فإنّها أحوج ما تكون للنسف واللاعودة… بل المضيّ قدماً في إحياء روح الأديان الداعية إلى العلم والمعرفة والثقافة والسلام والمحبّة، لا الّتي تدعو إلى العودة، "فلا قيامة للعائدين إلى الوراء" …. 

رجال الدين بشتّى ملابسهم جميعهم ما زالَت تحكمه عقليّة "تحت الهودج" من غبارٍ واقتتال وصراخٍ عبثي لا يمتُ للمنطق ولا للإنسانيّة أو حتى جوهر الدين في شيء….

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات