يقتل القتيل ويرقص بعرس ابنه

يقتل القتيل ويرقص بعرس ابنه

لم يكن المثل القائل "يقتل القتيل ويمشي بجنازته" إلا واحداً من الأمثال الكثيرة في موروثنا الشعبي، الذي يعبّر من خلالها مجتمعنا عن مدى تفاعله مع محيطه سلباً وإيجاباً، وهذه الأمثال لاشك هي انعكاس لثقافة المجتمع في واقعه الملموس بل المعاش بكل تفاصيله.
كثيرةٌ هي مآسي السوريين منذ عقود من الزمن، لكنها في العقد الأخير وصلت حمم براكينها إلى درجة الانفجار الكبير، فكانت كل المآسي التي عاشها السوريون خلال عقود طويلة من حكم عائلة الأسد، ترفاً مقارنة بما عاشه هذا الشعب المنكوب في هذا العقد الأخير.
ربما لا تسعف معاجم اللغة مهما كانت غنيّة أيّ كاتب ليعبّر عن حالة الخذلان التي عاشها ويعيشها الشعب السوري المنكوب، ذلك أن هذا الخذلان تعدّى حدود المعقول واللا معقول من القريب والبعيد.
إذ كيف بعد كل هذه الجرائم المرتكبة بحقِّه من طغمة حاكمة آلت على نفسها إلا أن تمضي إلى نهاية المشوار في قتله وتشريده وإهانته، ثم يعمل الكل القريب والبعيد من المجتمع الدولي على محاولة تلميع صورته وإبرازه بصورة المخلّص للبلاد من نار الإرهاب، ليبرز بصورة البطل والإنسان ذي القلب الكبير الذي يسع البلاد والعباد في تلافيف شرايينه، فهو الخصم والحكم، وهو العادل عندما قتل، وهو صاحب القلب الكبير عندما عفا عمّن قتله، وراح يربّت على كتف أولاد القتيل بحنان أب وعطف أم، وكأنه فيما فعل وارتكب إنما قام بمهمة مقدّسة لا تقلّ قداسةً عما فعله الخضر عليه السلام عندما قتل الغلام ليستبدله الله عز وجل بغلام آخر يكون صالحاً وعطوفاً على والديه.
لم تكن الطفلة السورية شام بكور الأولى ولن تكون الأخيرة ممن ينطبق عليهم المثل أعلاه من شعبنا السوري، فهي التي قُتِل والدها بقصفٍ للنظام على خان طومان، وكانت يومها رضيعة، لتمر السنوات وتكبر وتصبح مميزة في دراستها بسبب ذكائها الخارق واهتمام والدتها بها، فتحصل على المركز الأول في مسابقة تحدي القراءة العربي الذي تنظمه إمارة دبي في الإمارات العربية المتحدة، ليأتي النظام الذي قتل والدها ممثلاً بسفارته في الإمارات ليستثمر إنجاز الطفلة اليتيمة لتلميع صورته أمام الإعلام على أنه راعي الطفولة، وحامي حمى الإنسانية في وجه قوى الظلام، فحوّل بذلك المثل الشائع "يقتل القتيل ويمشي بجنازته" إلى "يقتل القتيل ويرقص بعرس ابنه"، فأي عهر وسقوط هذا؟! 
طبعاً من الإنصاف ألا يُوجَّه اللوم إلى والدة شام، فهي لن تستطيع أن تتخذ موقفاً يؤدي إلى ضررها وضرر ابنتها، فقالت إن زوجها مات في انفجار قنبلة، لكن من الذي ألقى هذه القنبلة، فهذا ما لا يمكن أن تبوح به على الإعلام، وهي التي ستعود إلى دمشق بعد نهاية المسابقة، هذا إن لم تكن من شريحة المؤيدين الذين يبررون كل ما قام ويقوم به النظام من جرائم، ملقين اللوم على من ثار عليه، فلولاهم لما فعل ما فعل، وقد قالها أحد الذين أعرفهم في منطقة مسكنة حيث قُتِل ابنه أمام عينه في غارة للنظام على السوق، ثم راح يلقي اللوم على طلاب الحرية، فهم السبب في موت ابنه.  
إذاً اللوم على من؟ هل على النظام المستثمر لشام وأمثالها؟ باعتقادي أيضاً لا؛ لأنه ببساطة وبعد أن فعل كل شيء أمام مرأى ومسمع العالم، ثم رأى غضّ الطرف عنه، فمن حقِّه أن يعمل ما يشاء لتلميع صورته البشعة وتنظيفها من آثار الدم.
إن اللوم باعتقادي على أولئك الذين لم يحملوا الأمانة بأمانة، عسكريين وسياسيين ممن تصدروا الواجهة في قضية الشعب السوري، وضيّعوها وضيّعوا الشعب وثورته، فمتى كانت الحروب الحديثة تتمتع بقدرٍ من الأخلاق، وهي القائمة بالأساس على تدمير الخصم وتحطيمه حتى لو استسلم؟ 
إن النظام المجرم بنظرنا نظامٌ شرعي بنظر المجتمع الدولي، وما ذاك إلا لعجزنا عن تقديم مؤسسات منظّمة تتمتع بتراتبية مهنية تقنع بصفتها هذا المجتمع الدولي بأنها بديل يمكن الاعتماد عليه لإدارة الدولة، ولعلم النظام بعجزنا هذا راح يعمل بكل ما أوتيَ من قوة ودهاء على تقديم نفسه على أنه الوحيد في الساحة ولا بديل له في الوقت الراهن.
هل فات الأوان لذلك؟
باعتقادي لم يفت الأوان رغم كل ما مرّ بنا من طعنات غادرة من القريب والبعيد على حد سواء، لكن ذلك يحتاج إلى استفاقة خلاقة من أولئك الذين أحرقوا كل السفن ولم يعد أمامهم سوى المتابعة إلى آخر المشوار مهما كان الثمن، استفاقة تعيد للثورة رونقها الأول، وتستعيد القرار الوطني السوري إلى يد السوريين الأحرار بعد أن تغرّب سنوات في أيدي الدول التي لا يهمها إلا مصالحها

التعليقات (6)

    اي

    ·منذ سنة 3 أشهر
    مقالك حلو و صحيح مية بالمية ، بس العنوان كان من الممكن ما يكون هيك لان ما الو علاقة بالمقال ، شو يعني يرقص بعرس ابنو ما فهمت ؟!! ههه المفروض العنوان يكون بكل بساطة " يقتل القتيل ويمشي بجنازتو" او يكون بعرس ابنته بدل ابنه ، طالما عم تحكي عن الطفلة شام بكور ، تحياتي ...

    محمد ابو هاسم

    ·منذ سنة 3 أشهر
    سورية قبل عام 2011كانت الاولى في العالم من ناحية الامان عشنا ايام جميلة بحكم السيد الرئيس بشار الأسد

    يحيى الحمد

    ·منذ سنة 3 أشهر
    كلامك صحيح مية بالمية يريدون تعويم النظام وتبييض صفحته من كل الجرائم وأعمال القتل والتهجير الممنهج وللأسف يوجد كثيرون داخل سوريا يعيشون تحت كنف هذا النظام المجرم ولديهم أقارب وأبناء ممن قتلهم النظام ويضعون اللوم على طالبي الحرية اللذين قدموا الغالي والنفيس حتى أرواحهم للتخلص من هذه الطغمة الحاكمة التي تتوارث حكم البلاد وكأنها مزرعة يلي خلفهم ولكن الحق على من أغمض عينيه عن أفعالهم القذرة وكأن شيئا لم يكن ولكن الله عز وجل يمهل ولايهمل

    سامر العلي

    ·منذ سنة 3 أشهر
    واضح ان الام هي من المؤيدين ،من حقها ان تختار الطرف الذي تؤيده لكن هل من حقها ان تخون دماء زوجها ،أما الطفلة شام فاتوقع لها ان تحتل موقع" الفيلسوف" خالد العبود مستقبلا .

    سامر العلي

    ·منذ سنة 3 أشهر
    واضح ان الام هي من المؤيدين ،من حقها ان تختار الطرف الذي تؤيده لكن هل من حقها ان تخون دماء زوجها ،أما الطفلة شام فاتوقع لها ان تحتل موقع" الفيلسوف" خالد العبود مستقبلا .

    عابر سبيل

    ·منذ سنة 3 أشهر
    و أنت عوض أن تحث الشعب على التاخي و نسيان الماضي انك ما زلت ىتحرض على الثورة الم يكفيك تدمير السوريا و تشريد شعبها اتقي الله في نفسك كفاكم من الفتنة و اتركوا الاجيال القادمة تعيش في أمان و انضر إلى نتيجة تلك الفتنة التي زرعتها أعداء سوريا من جيرانها أولا و من الغرب ثانيا ترى من كان المستفيد .
6

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات