العنصرية من أروقة الحياة إلى الأدب: مسرحية (المومس الفاضلة) نموذجاً ومثالاً

ثقافة وفنون || أورينت نت - عيسى الصيادي 2022-09-30 10:27:38

العنصرية من أورقة الحياة إلى الأدب: مسرحية (المومس الفاضلة) نموذجاً ومثالاً
العنصرية من أورقة الحياة إلى الأدب: مسرحية (المومس الفاضلة) نموذجاً ومثالاً

السوري المهجّر الذي عانى من عنصرية أبناء بلده الطائفيين، ورخّص به مثقّفوه مثل "نبيل فياض وأدونيس" واعتبروه إرهابياً أو مشروع داعشي، السوري الذي تم تسليعه من قبل وزارة الخارجية باعتباره مصدر دخل، حيث ترفع أسعار جواز سفره وتخفض من قيمته ليُعامل كالحيوان في مؤسسات النظام الخارجية، السوري هذا منبته وتلك قيادته "الفاضلة"، السوري الُمحاصص والمساوم عليه لدى قيادات وهمية تدّعي تمثيله، لا تعنى به ولا بمعتقليه ولا بتحقيق جزء يسير من العدالة! كيف يستغرب من يقوم باستنساخ تجربة العنصرية عليه؟ كما يحدث في لبنان وتركيا؟

طالما بقي المجرم طليقاً ويمارس إلى الآن فظائع من قتل تحت التعذيب وإجرام منقطع النظير، فكيف سيكون محميّاً هذا الكائن الذي ترك كل شيء وراءه ليخذله العالم أمامه… وعلى ضوء ما يشهده السوريون في بلدان الاغتراب، سأقوم بعمل مقاربة لمسرحية (المومس الفاضلة) لجان بول سارتر لفهم العنف بدافع الكراهية، والتحريض والتمييز ونبش جذور العنصرية.

جان بول سارتر والعنصرية الأمريكية

يندّد العمل المسرحي لـ سارتر بشكل قاطع بالعنصرية الأمريكية، حيث يجعل من "المومس الفاضلة" مثالاً صارخاً للظلم في نظام قضائي متحيّز عنصرياً على مر العصور. وقد استوحي العمل من واقعة حدثت في مطلع الثلاثينات في الجنوب الأمريكي، حيث اتَّهمت فتاتا ليل أمريكيتان من البشرة البيضاء تسعة مراهقين من أصول إفريقية بالاعتداء الجنسي، وحوكم المراهقون بعقوبات جائرة تتراوح بين الإعدام والسجن لمدة 75 عاماً، دون أدلة قاطعة تثبت الواقعة، وسميت القضية باسم قضية "فتية سكوتسبورو". لينهل منها الأديب الفرنسي مسرحيته الشهيرة "المومس الفاضلة" لتصدر في عام 1946. لتثير الكثير من الجدل حولها، موضوعها العنصرية في الجنوب الأمريكي في الأربعينيات، حيث يحاول سيناتور وابنه إقناع مومس باتهام "زنجي" بمحاولة اغتصاب، لتبرئة ابنه الذي حاول الاعتداء عليها، واتهام الزنجي الذي قُتل صديقه في الدفاع عن المومس والذي دفع ثمن محاولته انقاذها، لا شيء؛ فقط لأنه "زنجي" ليس من السكّان الأصليين! يتمحور العمل حول الشخصيتين الرئيسيتين "ليزي": المومس البيضاء الساذجة، والتي ينعتها زبونها "فريد" بالشيطان، و"فريد" الشخصية المحورية الثانية وهو أحد زبائن المومس والذي "لا يكف عن الاقتباس من الكتاب المقدّس" إشارة من الكاتب إلى أنه ثمّة عنصرية بدافع التديّن، وعنصرية بدافع العرق.

أشكال مختلفة من الاضطهاد 

تبدأ القصة في غرفة نوم "ليزي"، بين زبونها "فريد" الذي يساومها على أجرتها، ليأخذ الجدل بينهما عن حادثة الأمس، حين كانت "ليزي" تستقل قطاراً، أقدم نجل السيناتور على الاعتداء عليها في القطار وصادف وجوده مع شابين من الزنوج في المقصورة، فتدخّلا لإنفاذها وتخليصها منه، ليطلق الشاب الأبيض الرصاص على أحدهما ليرديه قتيلاً، ويهرب الزنجي الآخر. يحاول "فريد" مع "ليزي" لتشهد ضد الزنجي بوقوع الاعتداء عليها، ويهددها بالزج بها في السجن بتهمة البغاء، وبعد فترة يفتح الباب لأسرة الشاب الأبيض ابن السيناتور الذي يحاول معها بعقد المقارنات بين ابنه "خريج هارفارد" والزنجي الذي "لا يعرف الله ولم يعرف سوى الشوارع". في النهاية يجبر السيناتور الفتاة على التوقيع بالشهادة ضد الزنجي ويرحل السيناتور.

فكيف يمكن لأشكال مختلفة من الاضطهاد أن تتداخل وتتفاعل، لتصب في النهاية ضد رجل أسود ضعيف، ذنبه الوحيد أنه ليس من السكّان الأصليين، تواجه ليزي الاستخفاف والإساءة والاستهزاء من قبل السيناتور وفريد، ولو كانت عاملة فقيرة لكانت على الأقل تحظى ببعض الاحترام، تستخدم شرفها لتعزيز وضعها الاجتماعي والاقتصادي وتلبية حاجتها إلى أن تكون مرغوبة على حساب حياة شخصين، أحدهما قتيل والثاني مهدّد بالقتل.

" فريد: ما الذي بينك وبين هذا الزنجي لماذا تحميه؟

ليزي: أنا لا أعرفه!

فريد: إذاً ماذا؟

ليزي: أريد أن أقول الحقيقة فقط!

فريد: الحقيقة! مومس بعشر دولارات تريد أن تقول الحقيقة! لا يوجد شيء اسمه حقيقة! يوجد بيض وسود، ولا يوجد إلا هذا!"

وبعد فترة تفاجأ ليزي بالزنجي وهو يدخل غرفتها من النافذة يطلب منها الحماية، فتخبره بحقيقتها وكيف أنها شهدت عليه، ثم تعده بتصحيح الخطأ، وتتعهّد له بالحماية في شقّتها ريثما تهدأ الأوضاع. لتبلغ المسرحية ذروتها الأولى حين يخرج الزنجي من مخبئه في الحمّام وتظهر ليزي مرتبكة؛ فالبلدة بأكملها تقرّر أنه المذنب، كل الرجال الذين قابلتهم الشرطة، والسيناتور، وأنها تعرّضت للاغتصاب! بدأت تشكك في تجربتها الخاصة وكذلك الرجل الأسود أيضاً، بدأ يعترف بأنه يشعر بالذنب! رغم أنه لم يفعل شيئاً، لماذا؟ لأنهم على حد تعبيره؛ "أناس بيض" وهكذا يظهر على أنه ليس مجرد ضحية جسدية؛ بل الأسوأ؛ ضحية نفسية للعنصرية البيضاء، التي تستخدم كل مؤسسة وتنفذ في قوتها لإقناعه بأنه أدنى منزلة.   

"ليزي: هل تعرف لماذا يطاردونك؟ 

الزنجي: لأنهم يعتقدون أنني آذيتك.

ليزي: هل تعرف من الذي أخبرهم بذلك، أنا ما رأيك؟

الزنجي: لماذا فعلت ذلك يا سيدتي؟

ليزي: إنني أسأل نفسي هذا السؤال أيضاً!

الزنجي: لن يرحموني، سيجلدونني على عيني، سيصبّون عليّ صفائح البترول...

ليزي: ألا تريد أن تخنقني؟

الزنجي: هؤلاء الناس كثيراً ما يجبرون الآخرين على قول ما لا يعتقدون."

القيم الأمريكية

وبينما يلاحقها "فريد" ويراقبها عن كثب، ليكتشف الزنجي، يحاول الزنجي الهرب من فريد، الذي يتبعه ويطلق النار فيهرب الزنجي، فتصوّب "ليزي" المسدس عليه وتهدده بالموت، فيهرب الزنجي بينما يتفاخر أمامها "فريد" بأصوله الأمريكية البيضاء وأجداده الذين قتلوا الهنود وأسسوا المدن فتترك "ليزي" المسدس من يدها وتصمت.

" ليزي: اخرس لن تضحكوا علي مرة أخرى بأسطورة أمك!

فريد: لقد صنعنا هذا البلد، وتاريخنا هو تاريخها... 

هل تجرئين أن تطلقي النار على كل أمريكا.!"

لا تستطيع إطلاق النار عليه لأنه من عائلة" كلارك "التي جاء منها هي تجسيد للتاريخ الأمريكي والقيم الأمريكية! حيث نجده يسرد بطولات العائلة فيذكر مناقب جده الأول الذي  "طهّر الغابة وقتل جميع الهنود"، وجدّه الآخر كان صديقاً لجورج واشنطن، وبنى هذه المدينة ومات وهو يقاتل من أجل الاستقلال الأمريكي، أنقذ جده الأكبر مجموعة من الناس خلال حريق "سان فرانسيسكو" العظيم، وبنى جدّه الآخر قناة المسيسيبي... بعبارة أخرى، يجعل سارتر هذا العنصري المنافق، المتسلّط والمضطرب نفسياً في نموذج المفاخر بتاريخ وثقافة الأمريكيين، ويضع شخصيته المثيرة للاشمئزاز في قلب الرواية الأمريكية، اختزلت الشخصية القومية الأميركية كلها بشخصه، واعتبر أن هذا الزنجي الأسود لا أصل له بل وجوده ينافي انتماءه القومي! وتلك نقطة جوهرية في العمل المسرحي، إذ إن التفاخر بحب الأوطان والتعصب لها يجعل من الفرد لا يفرّق بين انتمائه وولائه لوطنه وبين ما يعتبره نباتات متطفلة، بحيث يتم تعشيب الحشائش داخل الحديقة باعتبارها "ضارة"! لأنها تقع داخل نطاق أسوارها فقط. فبالنسبة للعنصري؛ لا توجد لديه مسألة بناء مجتمع أو حوار ثقافات وإغناء وتبادل خبرات، بل تطهير المجتمع من الوافدين عليه من الخارج. فمن يضع القوانين هم الأقوياء، ليتمكنوا من قيادة الضعفاء، بما يحقّق لهم مصلحهم أولاً، ومن هنا ننبش  الجذر الغليظ لتلك العنصرية التي تمارس على اللاجئين الضعفاء الذين أجبروا على ترك أوطانهم، فالتمييز العنصري وخطاب الكراهية والتحريض على اللاجئين بدوافع سياسية، أقذر أنواع العنصرية، حسب ما أراده العمل المسرحي إيصاله لنا، من التحالف بين السيناتور وبين المومس البيضاء ضد "الزنوج" لتحقيق مكاسب ومنفعة فقط، ليكون الفعل ذاته ما يقوم به أحد قادة التيارات السياسية من أجل معاداة أحزاب أخرى تقدّم الدعم الإنساني أو ترأف لأحوالهم، على حساب جراحات وآلام الآخرين اللاجئين الذين أجبرتهم ظروف الحياة للبقاء على هذه الأرض.

أسلحة سياسية

 الكراهية والعنصرية ليسا مجرد معتقدات أو حالات نفسية، بل أسلحة سياسية يتم نشرها واستخدامها لتعود بعواقب وخيمة، كما يحدث للسوريين في بلدان اللجوء، من ممارسات تكاد تكون يومية، وفي هذا السياق نشير أن سارتر قد رفض جائزة نوبل، لما عرف عن هذه الجائزة من ميول طائفية وإجناسية ودعاوى رأسمالية. كذلك نشير إلى أن المسرحية قد حظيت بجدل واسع واتهم سارتر بمعاداة أمريكا، وتم تحويلها إلى فيلم فرنسي، ولقد دافع الكثير من المفكّرين والأدباء عن تلك المومس التي رغم أن عملها خطيئة لكن كان لديها فضيلة فاقت العاملين بالسياسة.   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

1. نشير إلى أن اختيار سارتر لموضوع مهنة البغاء ليس من باب الترويج للإباحية؛ بل لأنه أسوأ ما يمكن أن يُبتلى المجتمع به أو تمتهنه المرأة.

2. تم عرض المسرحية في مصر بالستينيات حيث قامت الفنانة "سميحة أيوب" بتقديم دور المومس.

3. المومس الفاضلة، جان بول سارتر، ترجمة د. عبد المنعم الحنفي، ط.1 مكتبة مدبولي

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات