بعد خطوة مقابل خطوة.. الأردن يعلن مبادرة عربية للحل: "حزمة بحزمة" والنظام يفاضل بينها وبين تركيا

أخبار سوريا || أورينت نت - عقيل حسين 2022-09-29 10:37:19

وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي
وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي

كان مفاجئاً للجميع "التفهّم" الذي أظهره نظام ميليشيا أسد لقرار جامعة الدول العربية الاستمرار في منعه من العودة لشغل عضوية الجامعة، وبالتالي حسم الجدل حول إمكانية حضور رئيسه بشار للقمة القادمة المقرر عقدها في الجزائر، مطلع تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٢، حيث أعلن فيصل المقداد وزير الخارجية، في الرابع من أيلول/سبتمبر الجاري، تفهّمه لهذا القرار!

المقداد قال وقتها إن حكومته تفضّل عدم طرح موضوع استئناف شغل مقعدها بجامعة الدول العربية خلال قمة الجزائر، "حرصاً منها على المساهمة في توحيد الكلمة والصف العربي في مواجهة التحديات التي تفرضها الأوضاع الراهنة على الصعيدين الإقليمي والدولي"، كما نقل عنه بيان للخارجية الجزائرية.

كما لفت البيان إلى "أن الجزائر وسوريا أعربتا عن تطلعهما لأن تُكلّلَ القمة العربية بمخرجات بنّاءة، من شأنها أن تسهم في تنقية الأجواء وتعزيز العلاقات العربية-العربية للدفع قدماً بالعمل العربي المشترك".

لغة غير معتادة من قبل النظام حيال الجامعة العربية ودولها منذ طرده منها عام ٢٠١١، حيث دأب مسؤولوه ووسائل إعلامه على مهاجمتها بقوة والاستخفاف بها باستمرار، الأمر الذي خلّف تساؤلات كبيرة حول السبب الذي يمكن أن يجعل رد فعل وزير خارجيته تجاه قرار حاسم ضده على هذا النحو!

تفسير أوّلي

لكن إعلان وزير خارجية الأردن قبل يومين عن "مبادرة عربية لحل الأزمة في سوريا" فسّر للبعض، وإن بشكل أولي، سبب الهدوء والتفهم الذي قابل به النظام الموقف العربي الأخير، في وقت يُبدي فيه تردداً واضحاً حيال التطبيع مع تركيا، فهل كان النظام على اطلاع مسبق بهذه المبادرة؟، وهل تبدو محفّزاتها أفضل بالنسبة له من تلك التي يمكن أن يحصل عليها من عودة العلاقات بينه وبين أنقرة؟

سؤال يبدو مُلحّاً على الرغم من عدم وضوح المبادرة التي أعلن عنها وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي يوم الإثنين، حيث اكتفى الأخير بالقول إن دولاً عربية في مقدمتها السعودية بحثت مع الولايات المتحدة ودول غربية خطة شاملة للحل السياسي في سوريا، يقوم على تطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخاصة القرارين ٢٢٥٤ و ٢٦٤٢.

وأضاف في لقاء مع موقع “ذا ناشيونال”، أن السعودية ودولاً شقيقة وصديقة توافقوا مبدئياً على طرح هذه المبادرة التي تعتمد صيغة الخطوة مقابل خطوة، "ضمن خطة شاملة لإنهاء التوترات في الشرق الأوسط، يشمل ذلك تمديد الهدنة في اليمن والتي ستنتهي يوم الأحد المقبل".

غموض وغياب للمعلومات

ومنذ نشر كلام الوزير الأردني تواصلت "أورينت" مع العديد من السياسيين المقربين من دوائر صنع القرار في الأردن والسعودية من أجل الحصول على معلومات حول هذه المبادرة، إلا أن الجميع أكد عدم توفر أي معلومات حولها، بينما استبعد البعض وجود مبادرة بالمعنى الحرفي للكلمة.

لكن بسام العموش، وهو وزير أردني سابق، أكد أنه لا يمكن لوزير خارجية أي دولة أن يتحدث عن مبادرة ما لم تكن موجودة بالفعل، وأن الصفدي لا يتحدث من تلقاء نفسه بل يعبر عن موقف رسمي للدولة التي يمثلها.

وأضاف في لقاء مع برنامج "تفاصيل" الذي يُبثّ على شاشة "أورينت": “الطرح الذي عبّر عنه وزير خارجية الأردن بهذا الخصوص يعبّر عن عدم رضا المملكة عن استمرار الوضع الراهن في سوريا، لأن الأردن متأثر بشكل مباشر جراء هذا الوضع، والجميع انتظر ما ستسفر عنه الأمور، لكن في ظل عدم تمكن النظام أو المعارضة من الحسم فلا بد من التحرك لإنهاء الأزمة وإيجاد حل يضع حداً لمعاناة الشعب السوري ودول الجوار، وعلى النظام والمعارضة تقديم التنازلات من أجل ذلك”.

تصريحات العموش لم تكشف شيئاً من الغموض الذي خلفته تصريحات وزير خارجية الأردن، والتي كان من الواضح أنها أربكت المعارضة السورية التي أكد عدد كبير من الشخصيات البارزة فيها تفاجُؤهم بها وعدم علمهم بأي شيء حولها حتى الآن.

أمين سر الهيئة السياسية للائتلاف الوطني عبد المجيد بركات قال لـ"أورينت نت" إنه ليس هناك أي معلومات لديهم حول طرح الوزير الصفدي، وإن أيّاً من الأصدقاء لم يبلغهم بالمبادرة التي تحدث عنها.

بركات الذي انتقل من نيويورك إلى واشنطن مع وفد من المعارضة السورية يزور الولايات المتحدة حالياً، أكد في تصريح مقتضب أن "الوفد الذي التقى مسؤولين في عدة دول، بينهم مسؤولون في الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض، لم يسمع أي حديث حول الطرح الأردني"، مكتفياً بالقول إن "الجميع عبّر عن موقفه الثابت من القضية السورية دون أن يكون هناك جديد يمكن الحديث عنه".

مبادرة وآمال عربية

الاتفاق على أن تصريحات الصفدي تأتي خارج أي سياق أو تمهيد كان القاسم المشترك لغالبية المطّلعين على الشأن السوري، لكن سياسياً معارضاً من خارج الائتلاف أكد لـ"أورينت نت" وجود مبادرة عربية للحل في سوريا بالفعل، وأن هذه المبادرة متبلورة بشكل كبير، وعلى أساسها تم التوافق داخل جامعة الدول العربية لتأجيل عودة النظام إليها.

وأضاف: “موقف الدول التي عارضت هذه العودة يقوم على أنه لا يمكن منح النظام هذه المكافأة دون مقابل، ولذلك فقد قدمت لدمشق حزمة من العروض مقابل حزمة من المطالب التي يتوجب تلبيتها، وأن النظام وافق من حيث المبدأ على التعاطي الإيجابي معها على مبدأ الخطوة مقابل خطوة”.

وحول طبيعة هذه الحوافز والمطالب، وفيما إذا كان ذلك تطبيقاً لخطة الخطوة مقابل خطوة التي سبق للمبعوث الدولي إلى سوريا "غير بيدرسون" أن أعلن عنها، يقول المصد: “لا علاقة لتصوّر بيدرسون بهذه المبادرة من حيث التفاصيل، لكن المبدأ هو نفسه، حيث تطلب الخطة العربية من النظام البدء أولاً بمكافحة عمليات تهريب المخدرات، وإظهار خطوات جدّية وملموسة لمعالجة الوجود العسكري الإيراني في سوريا، مقابل انخراط عربي محدود في البداية بتقديم المساعدات المالية والإنسانية وفق برنامج الإنعاش المبكر، على أن يبدأ بعد ذلك في تنفيذ خطوات بناء الثقة مع المعارضة، وعلى رأسها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والكشف عن مصير المفقودين وتوفير ضمانات جدّية لعودة من يرغب من اللاجئين والنازحين إلى دياره، من أجل الشروع بمفاوضات جدّية مع المعارضة للوصول إلى حل سياسي شامل على أساس القرار الدولي ٢٢٥٤”.

ورداً على سؤال حول الأسباب التي تجعل الدول العربية تعتقد أن نظام أسد يمكن أن يشرع في القيام بذلك فعلاً، خاصة أنه رفض باستمرار تنفيذ أي من هذه المطالب رغم كل العروض التي قُدمت له خلال السنوات الماضية، يقول السياسي السوري المعارض الذي طلب عدم الكشف عن هويته: "لا شك أن هناك تفاصيل مهمة تتضمنها المبادرة التي أفصح عنها أخيراً وزير خارجية الأردن، لكن يبدو أن الجميع يفضّل عدم الكشف عن هذه التفاصيل حالياً بسبب توقعات قوية بأن النظام يمكن أن يُفشل هذه المبادرة، لكن أستطيع القول إن المتحمّسين لها يعوّلون على الموقف الصعب لحليفي النظام الرئيسيين (إيران وروسيا) سياسياً واقتصادياً من ناحية، ومن ناحية أخرى على تقديم ضمانات للنظام بعدم التطرق لمصير بشار الأسد أو الحديث مجدداً عن إسقاط النظام، كمحفزات من أجل قبوله بها.

آمال النظام

قد لا تكون المعلومات هذه مفيدة في كشف الغموض الذي يلفّ المبادرة العربية التي أعلنها الأردن، لكنها تقدم خطوطاً عريضة يمكن الانطلاق منها، إلا أن اللافت فيها، إن صحّت، عدم وجود أفكار جديدة يمكن القول إنها تميز المطروح اليوم عما سبق وتم طرحه قبل ذلك.

لكن المصدر يقول إنه ليس المهم أن يكون هناك جديد في هذه المبادرة بالنسبة لنظام أسد بقدر ما هو مهم له الجهة التي تصدر عنها هذه المبادرة.

ويتابع: “الفارق هنا أن قبول النظام بهذه المبادرة يمنحه آفاقاً واسعة وغير مسبوقة منذ ١١ عاماً للعودة إلى المجتمع الدولي من بوابة ٢٢ دولة يمكن أن تعيد تطبيع العلاقات معه بشكل جماعي ودفعة واحدة، وبالتالي فتح أبواب عشرات الدول الأخرى المغلقة أمامه بسبب الفيتو الذي تضعه الدول العربية المؤثرة، مسنودة بفيتو الولايات المتحدة الكبير بطبيعة الحال، على عكس ما يمكن أن يحصل عليه من تطبيع العلاقات مع تركيا، التي لا تبدو مرتاحة في الوقت الحالي وليس لدى حكومتها الوقت أو الرغبة في مساعدته على الخروج من عزلته وشعوره المستمر بالتهديد رغم كل ما يظهر من أنه تجاوز مرحلة الخطر”.

تنافس تركي عربي؟

النقطة الأخيرة يوافق عليها من حيث المبدأ الكاتب السوري المعارض وائل السواح، الذي يعتقد أنه عند الموازنة بين العرب وتركيا فإن "النظام سيذهب مع من يمنحه أكثر".

ويقول في تصريح لـ"أورينت نت" تعليقاً على تصريحات وزير خارجية الأردن والمبادرة التي أعلن عنها: "يجب أن نتذكر أمرين عند تناول المبادرة التي تحدث عنها الوزير الصفدي ولم يرشَح حولها أي تفاصيل حتى الآن، وهما مكان التصريحات وزمانها. فهذه التصريحات جاءت من نيويورك، وقد أتت بعد لقاء طويل جرى بينه وبين وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن في 13 ايلول/سبتمبر الجاري، وقتها وبعد الاجتماع صدر بيان من وزارة الخارجية الأمريكية جاء فيه أن "الوزير بلينكن جدد التأكيد على التزام الولايات المتحدة باستقرار المنطقة من خلال دعم الحل السياسي في سوريا وحل الدولتين فيما يخص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني"، كما تضمّن شكر الوزير بلينكن نظيره على "ريادة الأردن في المنطقة، لا سيما لناحية استضافة اللاجئين". 

السواح المقيم في الولايات المتحدة والمطّلع على السياسية الأمريكية، نبّه أيضاً إلى ما قاله بلينكن في مؤتمر صحفي بعد اللقاء، حيث أكد أن بلاده "مثل الأردن، ملتزمة أيضاً بإيجاد نهاية للصراع، ونريد أن نتأكد من أن العمل جارٍ لمحاولة دفع تسوية سياسية في سوريا تتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 2254، وفي الوقت نفسه، نعمل على نطاق أوسع لمحاولة توسيع وصول المساعدات الإنسانية في سوريا".

ومن حيث التوقيت أيضاً، لا يمكن إغفال أن هذه التصريحات، كما يقول السواح، تأتي في أعقاب التغيّر في سياسة أنقرة تجاه نظام الأسد بتشجيع من موسكو، لكن الجميع يعلم، بمن فيهم النظام، أن أي حل لا يمكن أن يتم في سوريا بدون موافقة أمريكية، ولذلك فإن الأردن يحاول أن يقوم بدورٍ في هذا الصدد، مستفيداً من الصمت الأمريكي في سوريا، والهدير الروسي-التركي فيها، كما يحاول إيجاد دور يقف في وجه الدور التركي-الروسي-الإيراني، ويكون بقيادة عربية (سعودية-أردنية) ومباركة أمريكية صامتة. 

وحول الموقف المتوقع من قبل روسيا وتركيا في حال صحّ الحديث عن هذه المبادرة، يقول السواح: “إذا صحّ ذلك، فسيكون الروس والأتراك مزعوجين وسوف نرى قريباً تصريحات ومواقف تعكس هذا الانزعاج، لكن قد يحاول العرب من ناحية، وتركيا وروسيا من ناحية مقابلة، إيجاد قواسم مشتركة بين المشروعين، ولكن المؤكد أن أي حل سينتج عن أي من المشروعين أو كليهما لن يكون الحل الذي يطمح إليه معظم السوريين، بل سيكون نوعاً هزيلاً من الانتقال، يُبقي على جزء كبير من النظام كما هو، بينما المطلوب دولة ديمقراطية مستقلة وذات سيادة، بعيداً عن سلطة الطغمة القاتلة التي تحكم دمشق الآن”.

تعليق السواح الذي يمكن القول إنه يعبر عن وجهة نظر الغالبية العظمى من المعارضة السورية لا يبدو أنه مطمئن لهذا الحراك الذي يدور في فلك القضية السورية، على الرغم من أن وزير خارجية الأردن قد أكد في لقائه الأخير مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، قبل أربعة أيام في نيويورك، أن التوصل لحل سياسي للأزمة السورية "يجب أن يلبي طموحات الشعب السوري ويحفظ حقوقه" حسبما نقلته عنه وكالة الأنباء الأردنية.

فالحديث عن "تطلعات الشعب السوري" اليوم من قبل الدول الأخرى، لم يعد في تفاصيله كما كان عليه الحال قبل سنوات عندما كانت قوى الثورة في توهجها، ولذلك فإن المعارضة التي تقول إنها تمثل الثورة، تشعر بالقلق أكثر كلما مر الوقت بالنظر إلى اقتناع المزيد من هذه الدول بأنه لم يعد ممكناً الحديث عن إسقاط النظام أو تغييره، لكن من دون أن تمتلك المعارضة أي أوراق تستطيع من خلالها إعادة خلط الأوراق، باستثناء التعويل على الموقف الأمريكي الغربي، والسعودي-القطري عربياً، الرافض حتى الآن إعادة تعويم النظام أو التطبيع معه، وهو موقف تهدد تماسكه المبادرة التي أعلنت عنها عمّان مؤخراً.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة