من تيوس الشعر والأدب إلى تيس الملكة إليزابيث: ثقافة الارتهان للغريب

من تيوس الشعر والأدب إلى تيس الملكة إليزابيث: ثقافة الارتهان للغريب

ربما لم يحظَ تيسٌ عبر التاريخ بما حظي به تيس الملكة الراحلة إليزابيث، فقد فاق تيسها كلّ التيوس مكانةً ومنزلةً، ولا سيما في القصر الملكي في ويلز.

التيس ويليام كما يُسمّى من سلالة إنكليزية عريقة، ويحمل رتبة "كولونيل" عقيد في الحرس الملكي البريطاني، ويقوم على خدمته ضابطٌ برتبة مقدّم، ويزاول نشاطه ومهامه في تفقد الوحدات العسكرية، ويصطفّ الجنود لأداء التحية له كلّ صباح.

والتيس ويليام يحمل لقب "دوق" وله حصانة دبلوماسية، وجواز سفر دولي يستطيع الدخول والسفر إلى أية دولة في العالم، وله أملاك في كندا وأستراليا، وكذلك خُصص له راتبٌ شهريٌّ مُجزٍ يُصرَف على زِيّه العسكري، وطعامه، ومكان إقامته الجميل، إذ يملك منزلاً فخماً يحيط به مرعًى في نواحي باكنغهام.

تعود تربية الماعز، والاهتمام الكبير بالتيوس لدى أسرة ويلز المالكة إلى عام 1775 خلال حرب الاستقلال الأمريكية، إذ كان الماعز يُستخدم كتمائمَ على مدى قرون.

تيس “علي بن الجهم”

ذكّرني تيس الملكة المدلل بحكاية طريفة وردت في كتب الأدب، والتي نسبَها بعضهم إلى الشاعر علي بن الجهم، حين وقف الشاعر لأول مرة بين يدي الخليفة العباسي المتوكل مادحاً، وهو الشاعر البدوي الفصيح المطبوع، فلم تسعفه قريحته بأجملَ من هذا الكلام يقوله للخليفة:

أنت كالكلب في حفاظك للود

وكالتيس في قراع الخطوبِ

وأثار ابن الجهم بتشبيهه المتوكل بالتيس والكلب حفيظة الحاضرين، لكن الخليفة المتوكل لم يغضب، ولم تصبه الدهشة، لأنه يدرك أن الشاعر ابن البادية، وما فيها من خشونة وقسوة، فهذه الصور والتشبيهات استقاها من بيئته، لذلك أمر للشاعر بدارٍ جميلةٍ على شاطئ دجلة، وتقوم أجمل الجواري على خدمته، ليسكن فيها بضعة شهور، ويستدعيه الخليفة بعدها، لينشد رائعته التي يقول فيها:

عيونُ المها بين الرُّصافة والجسر 

جَلَبْنَ الهوى مِن حَيثُ أدري ولا أدرِي

تبدلتْ حال علي بن الجهم بعد هذه الإقامة، وأصبح يذوب رِقةً وعذوبة، وابتعد عن صور وتراكيب وتشابيه البادية القاسية.

تيس البوكمال

خلافاً للمثل "نقول تيس يقولون احلبوه" فقد حُلبَ التيسُ في البوكمال، ودرّ حليباً في ثمانينيات القرن الماضي، فقد استيقظ صاحب التيس يوماً، ووجد أن تيسه له ضرع، ويخرج منه الحليب، واعتقد أن هذا الأمر معجزةٌ ساقها الله له ليستثمرها، ويصبح غنياً، وسرعان ما تناقل الناس أخبار التيس الحلوب، وإن حليبه يشفي من الأمراض والعلل، وخاصة العقم، وساهمتِ الصحافة في سوريا في ذلك الوقت بالترويج للمعجزة، بما نشرت عنه، فأصبحت البوكمال مقصداً للناس، تزدحم شوارعها بهم، وشهدت انتعاشاً اقتصادياً، فافتُتحَتْ مطاعمُ وفنادقُ، وخُصصت حافلات لنقل الزوار، وليس غريباً أن تسمع الوشّيشة، وأصحاب الحافلات والسيارات ينادون الركّاب "عالتيس عالتيس" بدلاً من "عالبوكمال عالبوكمال" ليذهبوا لرؤية هذا التيس العجيب، وأخذ ولو رشفة من حليبه السحري الشافي!

يبدو أن صاحب التيس استفاد مادياً، ولكن لم يدم ذلك طويلاً، فما لبثت أجهزة الدولة أن وضعت يدها على التيس وصادرته، لتشريحه، ومعرفة حقيقة الأمر، بعد أن ساهمت صحافة الدولة بنشر ما سُمّي بمعجزة التيس، والترويج لها.

تيـــس الشاعر أحمد مطر

للشاعر العراقي البارز أحمد مطر قصيدة معبرة عن التيس، عالج فيها رمزية التيس وعلاقته بصورة الديكتاتور الذي يستولي على الرئاسة، يقول فيها:

"ﻛﺎﻥ ﺗﻴﺴﺎً ﻣﻨﺬُ ﺃﻳﺎﻡِ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔْ

ﻛﺎﻥ ﺗﻠﻤﻴﺬﺍً ﻏﺒﻴﺎً ﻓﻲ ﻋﻠﻮﻡِ ﺍﻟﺒﺤﺚ ِﻟﻜﻦ

ﻓﻲ ﻋﻠﻮﻡِ ﺍﻟﺨُﺒْﺚِ ﺑﺤﺮٌ ﻣﻦ ﻧﺠﺎﺳﺔ

ﻛﺎﻥ ﻳﻬﻮﻯ ﺳﺮﻗﺔ الأﻗﻼﻡِ منّا

ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﻓﻘﺮٍ ﻭﻟﻜﻦ

ﻫﻮ ﺣﺐٌّ ﻓﻲ ﺍﻟﺨَﺴﺎﺳﺔ

ﻛﺎﻥ ﺗﻴﺴﺎً ﺫﺍ ﻗﺮﻭﻥ

ﻭﺗﺮﻗّﻰ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝِ ﺍﻟﻠّﺆﻡ ﺣﺘﻰ

ﺻﺎﺭَ ﺃهلاً ﻟﻠﺘﻴﺎﺳﺔ

ﻭﺭﺁﻩ ﺍﻟﻘﻮﻡُ ﺫﺍ ﻗﺮﻥٍ ﻗﻮﻱٍّ ﻭﺧﺒﻴﺚٍ 

ﻓﺘﺒﻨّﻮﻩ ﻛﻜﻠﺐٍ ﻟﻠﺤﺮﺍﺳﺔ

ﻭﻫﻮَ ﻣﺎ ﻳﻌﻨﻲ ﺍﻣﺘﻴﺎﺯﺍً  ﻓﻲ ﻣﻴﺎﺩﻳﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ

ﺛﻢَّ ﻓﻲ ﻏﻔﻠﺔِ ﺷﻌﺐٍ ﺃﺟﻠﺴﻮﻩ

ﻓﻮﻕَ ﻛﺮﺳﻲِّ ﺍﻟﺮﺋﺎﺳﺔ"

يُشبّه أحمد مطر في هذا النص الحاكم الذي استولى على الرئاسة بالتيس، وهناك كُتّابٌ وشعراءُ آخرون عمدوا إلى تشبيه الحاكم بالتيس أيضاً، وليس بسبب بَداوتهم كابن الجهم، بل ربما لأنهم وجدوا أن تشبيه الرئيس بالتيس الشديد النتانة يليق به.

حفلة التيس لماريو بارغاس يوسا

ماريو بارغاس يوسا كاتبٌ وسياسيٌّ بيروفي، يُعتبر واحداً من أهم روائيّي وصحفيي أمريكا اللاتينية، حاز عدة جوائز عالمية، وآخرها كانت جائزة نوبل.

يفضح ماريو الدكتاتورية وممارساتها، في روايته "حفلة التيس" التي ترجمها للعربية صالح علماني، وفيها يُشبّه الرئيس بالتيس منذ الصفحة الأولى، حيث يقول:

"الشعب يحتفل 

بحماس كبير

بعيد التيس

في الثلاثين من أيار

قتلوا التيس"

يوثّق يوسا في هذه الرواية فترة حكم الجنرال رافائيل تروخييو لجمهورية الدومنيكان من عام 1930 وحتى مقتله عام 1961 واستطاع الروائي بمهارة رسم صورة مرعبة لهذا الطاغية.

تيوس فيكتور يروفييف

لو انتقلنا إلى الأديب الروسي فيكتور يروفييف، وإلى قصته "التيوس" لوجدنا أنه كذلك يصف الرئيس بالتيس الرئيسي، ولكنه يُعمم هذا التشبيه على جميع فئات المجتمع من عمالٍ وفلاحين وعلماء، فكلّهم عنده تيوس، حيث يقول:

"حدث، وأن أصبح الجميعُ، عندنَا في رُوسيا، على نحوٍ مَا تُيوساً 

رؤساء العمل تيوس

المرؤوسون تيوس

الديمقراطيون تيوس

الشيوعيون تيوس

الأنتلجنسيا تيوس

الشباب تيوس

العمال تيوس

الروس الجدد تيوس

المحالون على المعاش تيوس

العلماء تيوس 

الفلاحون بالطبع أيضاً تيوس 

فى الجيش كلهم تيوس من الجنود إلى الجنرالات 

ومن البديهي أن يكون الرئيس أيضاً التيس الرئيسي"

فيكتور يروفييف بسخريته اللاذعة لم يترك أحداً، ولم يُلحقه بزمرة التيوس، حتى لينين:

"من جهةٍ أخرى، فالكثير من الشخصيات الروسية التاريخية التى رحلت عنا، من أمثال لينين دخلت فى زمرة التيوس. لدينا ماضٍ تيسي، وتَشَكَّل لدينا وضعٌ تَيسي، حتى على الجبهة الجنسية. وإذا أخذنا فى اعتبارنا أن كميةً غيرَ قليلة من النساء الروسيات ترى أن الرجال الروس تيوس، فالوضع يصبح أشدّ خطراً، وبالتالي فكلُّ ما يجري فى روسيا أمرٌ بديهي".

كُتبت قصة التيوس في تسعينيات القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ونقلَها إلى العربية المترجم أشرف الصباغ، ويوضح كاتبها يروفييف بأن كلمة التيس كريهة في روسيا، وهي سُباب حاد أشدّ من كلمات السُّباب بالأم، ولعله أشهر سُباب في روسيا اليوم، كما يقول.

تيس قبيلة مُزينة "مُزينة التيس"

في كتب التراث حكاية طريفة عن قبيلة مُزينة التي عُرفت بمُزينة التيس، لأنها أسرت ثابت بن المنذر الخزرجي والد حسان الشاعر، وقالوا لقومه: لا نأخذ فداءه إلا تيساً، وذلك إمعاناً في إذلاله، وإذلال قومه، فغضب قوم ثابت، إذ كيف يُقيّمونه بتيس.

وقالوا: لا نفعل هذا، فأرسل ثابت إلى قومه، وقال لهم:

أعطوا مُزينة ما طلبوا، فلما جاء قومه بالتيس، قال لهم: 

أعطوهم أخاهم، وخذوا أخاكم. 

فسُمّوا مُزينة التيس، وصار التيس لهم لقباً وعيباً.

ثقافة التيس الغريب

انشغل العرب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بجنازة وتشييع الملكة إليزابيث، وبتيسها ويليام المدلل، ووضعوا صورهما على حساباتهم، وكأنهما من أفراد العائلة، وهذا طبعاً على الصعيد الشعبي، وأما على الصعيد الرسمي، فتمثل بذهاب أكثر من أحد عشر زعيماً عربياً إلى لندن للمشاركة بالتشييع المَهيب، وقد يستغرب بعضنا ذلك، ويتساءل: لمَ نحن دائماً نتسابق إلى الغرب، ونُزيّن أعمالهم، ونعجب بها، حتى وإن كانت قبيحة، على نحوٍ يُذكّر بالمثل العامي الشهير "عنز الشعيب ما يحب إلا التّيس الغريب".

ختاماً نعود إلى تيس الملكة إليزابيث المدلل الذي حسده على حياته، وجوازه الدبلوماسي كثيرون، ولا سيما من كان يعيش لاجئاً، ولا يملك جواز سفرٍ عادياً، وليس دبلوماسياً كاللاجئين السوريين.

 

التعليقات (1)

    د . حكمت نوايسة

    ·منذ سنة 9 أشهر
    رائع هذا الاستقصاء
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات