آخر ظهور لعبد الله.. الساعة 5:42

مقال اليوم || العميد الركن أحمد رحال 2022-09-27 10:15:11

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

الوقت يفزعني بكل حين، تارة أبكي فيه إن كنت مستيقظة، وتارة أخرى أدعو له، وقت أصبح وسواساً لمخيلتي، أحاول مع اقتراب هذا الوقت في كل يوم أن أبعد عينيّ عن النظر إلى الساعة لكن عبثاً أفعل!

تجبرني وتغصبني أن أنظري إليّ فقد اقترب الموعد، أخي عبد الله كان قدَره أن يدرس في جامعة دمشق، وكان قدره ألا يشاركنا حصار حمص الكرامة ولا مرارة الحصار، ولا جمال الحصار، ولا عفة الحصار، ولا مجاعة الحصار ولا رؤية الدمار، ولا دفن أبيه ولا أخيه، بعد أن أُغلقت جميع منافذ المدينة للداخلين والخارجين، نحن داخل مدينة حمص نعاني ألم مرارة الحصار، ومشاهد القصف المميت نعاني من سياسة همجية إجرامية طائفية، نظام أسد أراد أن يبيدنا إبادة جماعية لكنه فشل، أراد أن يحرق الأرض تحت أقدامنا وأيضاً فشل، كان صمود ثوارنا أقوى وأصلب من كل إرادة القتل لديه.

أخي عبد الله ما طاق عيش الرخاء في جامعته بدمشق، وأهله وناسه وجيرانه في حمص العدية يُقصفون بالدبابات والمدفعية، عبد الله ترك دمشق وحمل السلاح وتوجه إلى جانب إخوانه ورفاقه على جبهات مدينة “القصير”، كانت تأتي من عبد الله البشائر في البدايات تهل علينا لترسم بسمة الانتصار وتخلق الأمل بالغد المشرق المفعم بالحرية، تُبشرنا أنهم سيكسرون الطوق ويفكون الحصار المفروض عليهم، ويمرغون أنوف أعدائهم من حزب الشيطان وأتباعه، ويخففون الضغط عن حمص، وكان يبشرنا قائلاً: لعيونك يا حمص، قادمون لفك الحصار.

عبد الله لم يرضَ الذل والهوان لحمص، كنت أخبره باتصالاتنا أننا بخير لا تقلق، علماً ما كان حالنا بخير، اشتدت وتيرة المعركة في القصير، لم تعد اتصالاتي على عبد الله تلقى رداً، ورسائلي باتت دون إجابات، كان آخر ظهور لعبد الله هو الساعة 5:42 ولم يتغير منذ ذلك الوقت.

عبد الله أرجوك بالله أجبني بشيء يطمئن قلبي وقلب أمك، منذ الصباح كذبت على أمي مرتين وقلت إنك بخير وعلى ما يرام، عبد الله لا تجبرني على الاتصال بصديقك الذي تحدثنا من هاتفه بعض الأحيان، لكني سأفعل وسأتصل بصديقك، قلبي بدأ يغلي ولست مطمئنة، كذلك صديقك اتصلت به خمس مرات ولا يردّ علي، يا الله .... ما الذي يحدث؟ ما الذي يجري؟ أمي اكتشفت كذبي من تغير ملامح وجهي وبدأت بالانهيار: "عبد الله أجبني بجاه نبينا "محمد"، أمي لن ترتاح ولن يهنأ لها بال حتى سماع صوتك يا عبد الله، عبد الله أخي وصديقي وشريك همومي، لم أعد أطيق الانتظار يا عبد الله، رد على أختك لو لثواني وقل لأمنا إنك بخير".

أذكر أني أجريت اتصالات متعددة حتى استجاب صديق أخي في السلاح, كان صوت أزيز الرصاص من حوله كأنه بأذني وما زال, قال لي بشجاعة ابن البلد الأصيل والنشمي: "أختي نحن بحرب لا يعلم شدتها إلا الله, أما عبد الله فهو بخير، أصيب أنما بجروح طفيفة، نحاول إخراجه من ساحة المعركة وبعض الشبان لأنهم عالقون في مكان خطير، ونكثف المعركة لفتح طريق ولو عشرات الأمتار من أجل إخراجهم قبل أن تتقدم عليهم ميليشيات حزب الله وتقتلهم"!

كانت أسئلتي ودموعي على عبد الله تخنق أنفاسي، أغلق المكالمة وبقيت أنتظر ولم أغلقها، وعدني برسالة نصية، قال: “استبشروا خيراً وانتظروا اتصالي”، لم أُطق الانتظار، اتصلت بعد ذلك بنصف ساعة، وكررت الاتصال به لكنه أغلق هاتفه، لم أهدأ وأنا أكرر الاتصال به حتى المساء حتى رن هاتفه لكنه لم يجبني من المكالمة الأولى، أما الثانية فأجاب ونبرة صوته المتلعثمة وكلماته المرتجفة لن أنساها ما حييت، كلمات كانت كسهم قاتل اخترق كبدي, قال: "أختاه لا أعلم ماذا أقول لكِ" وسكت.

قل لي كل ما حدث؟ أين عبد الله؟

قال: ادعوا الله أن يفك أسره، لم نستطع الوصول إليه، هم من وصلوا، هم من أخذوه.

تحجرت الكلمات في حلقي، ضاقت أنفاسي، عبد الله أخي وحبيبي أين أنت الآن يا عبد الله، هل ما زلت حياً بين أيديهم؟ هل أنت مقيد اليدين منزوف الجراح، أم أصبحت شهيد التعذيب؟

وصلتنا أخبار أنك في سجن صيدنايا, كنت أجلس ورأسي على الوسادة وأحدثه, عبد الله يا قلب أختك، يا بسمتها، يا كل أوجاعها وآمالها، عبد الله سأخبرك بخبر فجعني يا أخي، أمي الحبيبة تركتنا وذهبت إلى أبي في الجنة يا عبد الله، والدك استُشهد أيضاً ولحقت به والدتك وأخوك عادل وأخوك وليد كلهم استُشهدوا واجتمعوا هناك بالجنة، وتركونا هنا في دار الفناء، عبد الله قل لي هل أنت معهم في دار البقاء أم ما زلت معنا، خذوني معكم اشتقت لأبي، اشتقت لأمي، اشتقت لك ولعادل ووليد، اشتقت لأيام جمعتنا وللذكريات، اشتقت لأجمل وأروع أيام عشتها في حياتي، ما لقلبكم القاسي تتركونا ونحن بأمس الحاجة لكم, ليست عدالة يا عبد الله أن تتركونا.

أتذكر عندما كنت أتغلب عليك بلعبة الشطرنج، ووجهك يتلون، تريد الغش علي، ولم تستطع لأن أبي كان يراقبك، كم كانت جميلة تلك الأيام؟

سأخبرك يا عبد الله ولا أعلم إن كنت تسمعني، أمي دفناها بعيداً عن والدي وإخواني لست أنا السبب والله يا عبد الله، لقد هجرونا من بيوتنا وأحيائنا ومقابرنا حتى أصبحنا في ديار العجم في تركيا.

عبد الله أنا أنتظرك كل يوم, قرأت مند ثلاث سنوات اسمك على أنك شهيد تحت التعذيب, بكيت كثيراً, لكني ما زلت أنتظرك, أنت قلبي وفي قلبي يا عبد الله، فراقكم قاسٍ يا روح أختك, فراقكم دامٍ وقاسٍ ومرير, فراقكم موجع ومؤلم وقاتل, أرهقتني سنوات فقدكم, أتعبتني يا عبد الله, والله أتعبتني, أناجي ربي بلقياكم, لقد تعبت ومللت الانتظار, لم تعد أمنياتي التي كنت أقصها عليك أن أكون وأكون وأصبح وأعمل وأنافس، أصبحت كل أمنياتي اليوم أن أجمع قبوركم, وأبكي فوقها, وأقبل شواهدها, أمنيتي أن أضع خدي على قبر أبي, وأحتضن شاهد قبر أمي, وأجلس عند رأسك, وأنظر لقبر عدنان ووليد, حتى أمنياتي أصبحت محال.

رحمكم الله يا طهور القلوب رحمكم الرحمن الرحيم

التوقيع:

رسالة من بنت شهيد وشهيدة وأخت لثلاثة شهداء

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات