عندما تفوق آل الأسد على آل تل أبيب

مقال اليوم || د. علي حافظ 2022-09-24 10:40:45

حافظ الأسد أعلن الهزيمة في الجولان قبل أن تحدث
حافظ الأسد أعلن الهزيمة في الجولان قبل أن تحدث

في صباح اليوم الأخير من حرب النكسة (10 حزيران 1967) أعلنت إذاعة دمشق "بيان سقوط القنيطرة" رغم عدم سقوطها بعد؛ ليهرب ضباط وأفراد الوحدات والتشكيلات العسكرية السورية بشكل فوضوي غير منسق، تاركين آلياتهم ومعداتهم وأسلحتهم وذخائرهم وكل شيء يلوذ بهم.. هربوا رغم أنهم لم يروا حتى جندياً إسرائيلياً واحداً قادماً نحوهم، وكانت أقرب دبابة معادية تبعد زهاء 4 كيلومترات عن مواقعهم المتقدمة!

حافظ الأسد وبيان الهزيمة الغامض

وضع هذا الهروب المخزي وغير المبرر سكان المنطقة، الذين تجمعوا بداية الحرب وطافوا الشوارع وهم يهتفون "بدنا نحارب.. بدنا نحارب"؛ أمام مأزق صعب محرج ومصير خطير… 

لم تدخل القوات الإسرائيلية المدرعة المدينة، التي كانت مركز قيادة القوات السورية في مرتفعات الجولان، إلا بعد ظهر ذلك اليوم المشؤوم؛ وعندما دخلوا وجدوها مهجورة والمعدات العسكرية السورية متناثرة في كل مكان. صرح قائد فرقة الاقتحام حينها العقيد ألبرت ماندلر: "وصلنا للقنيطرة دون أي عائق تقريباً... سيطرنا على المدينة دون قتال، والغنائم حولنا في كل مكان...".

وقع وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد بيان الهزيمة الغامض؛ حيث قام بعد ثلاث سنوات بانقلابه الشهير "الحركة التصحيحية" على نور الدين الأتاسي، وأصبح رئيساً لسورية!

خلال حوار أجرته "قناة العربية" عام 2017 مع وزير الإعلام السوري أثناء حرب النكسة محمد الزعبي، أكد أنه رفض إذاعة "البيان 66" الذي وصله حول سقوط مدينة القنيطرة، وأرسله إلى قيادة "حزب البعث" حينذاك، إلا أنه اضطر لاحقاً لإذاعته بناء على طلب من رئيس الوزراء يوسف زعيّن. وأضاف أن حافظ الأسد اتصل به، وقال له: "ربما تسرعنا في إذاعة البلاغ 66، ليعمل تالياً على صياغة البلاغ 67، الذي عرف بالبلاغ الترقيعي، موضحاً أنه حاول ترقيع ما ورد في البلاغ الذي سبقه عن احتلال القنيطرة".

تحرير مدينة مدمرة!

فعلياً المأفون حافظ الأسد هو من أعلن سقوط القُنيطرة قبل أن تسقط فعلياً، وهذا يعني أنه أوقف القتال ومنع المقاومة، وهو المسؤول عن تلك الهزيمة الشنعاء؛ لذلك ليس عبثاً أن يتهمه الكثيرون بالخيانة وتسليم المنطقة، ويطلقون عليه لقب "بائع الجولان"!

تمت استعادة المدينة خلال "حرب تشرين" أو "يوم الغفران" لفترة قصيرة، لكنها ما لبثت أن سقطت مرة أخرى في أيدي الإسرائيليين الذين احتفظوا بها حتى عام 1974، ثم تركوها مقابل استرجاع أسراهم من دمشق - حسب بنود اتفاقية هدنة رعتها الولايات المتحدة الأمريكية. 

كذلك تنازلت إسرائيل عن قطاع صغير من الأرض في الجولان لنشر قوة أممية لمراقبة فض الاشتباك المعروفة اختصاراً بـ "أندوف"، وهي قوة دولية تابعة للأمم المتحدة تأسست بموجب قرار مجلس الأمن رقم 350 في 31 مايو 1974 لتنفيذ قرار 338 لعام 1973، وقرار رقم 242 الداعي لوقف فوري لإطلاق النار. 

عاد بعض الناس إلى بيوتهم وأراضيهم في المنطقة باستثناء سكان القنيطرة؛ حيث احتفظ نظام الأسد بها كما تركها المحتل، ليستخدم "رمزية دمارها" بنشاط في دعايته المناهضة والممانعة لإسرائيل، محاولاً إثبات إجرامها للعالم بالأدلة الملموسة. بينما سارع بكل ما لديه من إمكانات لإعادة بناء وترميم ما دمره في مدينة حماه خلال ثمانينيات القرن الماضي!

بقيت القنيطرة فارغة وأصبحت بمثابة "مدينة أشباح"؛ لأن الأسد الأب لم يرض بإعادة إعمارها، ومنع سكانها من العودة والعيش فيها، رغم تعهده بالمساعدة على بناء المدينة واستعادة الأراضي المحتلة، عندما زارها في 26 حزيران 1974 ورفع علم سورية فيها، معتبراً نفسه "البطل المحرر" لها!

حاجز القنيطرة ورحلات البروباغندا السياحية

لم تقم السلطات السورية سوى ببناء متحف باسم "القنيطرة المحررة" في موقع الخان القديم وسط المدينة لعرض بعض المقتنيات والتحف عن تاريخها القديم والحديث نسبياً.. كذلك قامت وزارة السياحة بإجراء زيارات ورحلات بروباغندية نحوها لعدد من الوفود الأجنبية والعربية الصديقة. 

هي الآن منطقة شبه عسكرية مغلقة، ولا يمكن لأحد العبور إليها إلا بتصريح خاص من وزارة الدفاع، وتنسيق كل خطوة مع الأشخاص المرافقين الذين يكونون في الغالب من المخابرات العسكرية، وعن طريق مكان واحد فقط يعرف بـ "حاجز القنيطرة" الذي أعاد الروس بناءه وتجهيزه، حيث تبدو خلفه حواضر الجولان مرئية بالعين المجردة.. يسمح الدخول في ثلاث حالات: إذا كنت تخدم في وحدات قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، أو إذا كنت من دروز مرتفعات الجولان، أو إذا كنت ابن أنيسة الحقيقي.

كانت المدينة القنيطرة الرئيسية في المنطقة قبل حرب 1967، وعرفت بـ "زهرة الجولان" حيث قطنها شعوب مختلفة وتوسطت الطرق التي ربطت بين فلسطين وسوريا. وحسبما كتب شلومو مين في دراسته عن "طرد السوريين من الجولان" وترجمها أيمن أبو جبل ونشرها موقع "مركز حرمون للدراسات المعاصرة": "ازدهرت مرتفعات الجولان وتطورت بعد عام 1948؛ حيث وصل إليها آلاف الفلسطينيين، بعضهم من قرى الجليل الأعلى، بعد أن طردتهم القوات الإسرائيلية. لم تكن الزيادة في عدد السكان بسبب الزيادة الطبيعية، ولكن بسبب الهجرة إلى الجولان من المحافظات السورية، بسبب نموها وتطورها الاقتصادي. وأصبحت مرتفعات الجولان مكاناً مهماً، من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، لقربها من فلسطين. عشية حرب حزيران/ يونيو 1967، كان حوالي 153 ألف ساكن يعيشون في مرتفعات الجولان... وحوالى 128 ألف نسمة في مدينة القنيطرة، وتضم 222 قرية ريفية أخرى".

استكمال مخطط التدمير السوري 

لقد دمر اليهود المدينة تماماً بالجرافات قبل مغادرتهم، ولم يتركوا حجراً فوق حجر. لكن لم يُعرف حتى الآن كيف ولماذا دمر الإسرائيليون هذه المدينة فقط؟ ولم يتم توضيح الظروف الحقيقية المرافقة لتلك الجريمة التاريخية بشكل كامل؟

هنا يمكن أن نسوق ما قاله أفيشاي كاتز الذي خدم في سلاح الهندسة 602 التابع لجيش الدفاع الإسرائيلي، في مقابلة مع موقع "نعموش" عام 2015، كبرهان على ذلك: "نعم، تلقّيت أوامر عديدة بعد الحرب، أولاً قبل كل شيء أوامر بتدمير هضبة الجولان فوراً. كانت الفرق التابعة لسلاح الهندسة تخرج يومياً لتدمير المنازل وجمع الألغام الأرضية التي تركها السوريون وراءهم. كان هناك عمليات تدمير شامل لقرى بأكملها، لم ندع أي منزل.. كنا نأتي إلى القرية في الصباح ونضع 10 كغ من المتفجرات داخل المنزل ونفجّره. كل صباح، كنا نخرج من حورشات التل إلى قرية بانياس والقرى المحيطة، لنفجر المنازل ونعود مساءً". وأضاف: "في إحدى المرات، قام المهندسون بتفجير منزل على ساكنيه، وقتل جميع السوريين الذين كانوا في المبنى، وبصرف النظر عن نشاط سلاح الهندسة، في تموز/ يوليو 1967، أصبحت القرى السورية مناطق تدريب لوحدات المشاة والمدرعات في قصرين والقلع وزعورة وجباثا الزيت وغيرها من القرى، واستمر هذا الوضع خمس سنوات تقريباً، وفي النهاية لم يبق أي منزل سوري سليماً".

من المعالم البارزة التي بقيت هناك: المستشفى الواقع بالقرب من قاعدة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، وهيكل عارٍ لكنيسة الروم الأرثوذكس التي انتهوا من تشييدها قبل النزوح. يوجد في المستشفى نقطة مراقبة للجيش الأسدي، لكن ضباطه وعناصره ممنوعون من حمل الأسلحة، لأنهم يقعون في "المنطقة البنفسجية" التي تتكون فعلياً من خطي "ألفا" و"برافو"، وتتراوح أبعادها من 500 متر إلى 10 كيلومترات بين أنقاض القنيطرة. لا يوجد لدى هؤلاء الحمقى سوى مناظير قديمة من صناعة جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة موضوعة على سطح المستشفى، حيث يسترقون النظر من خلالها إلى مواقع الجيش الإسرائيلي بين الحين والحين، لا سيما عندما تكون الجنديات مناوبات في الطرف الآخر.

هناك أيضاً قريتان متبقيتان، بئر عجم وبريقة، حيث عاش أحفاد الشركس القوقازيين الذين فروا من التوسع الروسي في أراضيهم. وتقع هاتان القريتان على بعد 12 كيلومتراً فقط من القنيطرة. إضافة إلى وجود مكان خلاب للغاية على بعد خمسة كيلومترات إلى الغرب من قرية خضر الدرزية المحاذية للحدود، والتي تقع على بعد حوالي 4 كم شرق مجدل شمس.

بعد أعوام طويلة على تدمير الإسرائيليين للقنيطرة، استكمل آل الأسد مخطط تدمير سورية المرسوم لهم بعناية، ليثبتوا تفوق المحتلين المحلين على أقرانهم من آل تل أبيب بالقتل والتدمير والتهجير والتنكيل، رغم رفع أصواتهم ونبرة خطاباتهم باستمرار حول تحرير الأراضي المغتصبة.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات