القضية السورية ومحدّدات الحل

مقال اليوم || علي صالح الجاسم 2022-09-22 10:03:23

تعبيرية
تعبيرية

كثير من السوريين تجدهم في مجالسهم الخاصة أو العامة يطرحون قضيتهم على الطاولة للنقاش حول سبل الحل والخروج من المأزق الذي وصلت إليه بعد دخولها في نفق المصالح الدولية.

وعندما تعاين عن قرب محاور النقاش تجد أنها لا تخرج عن ثلاث نقاط في غالب الأحيان .. فتجد كل فريق منهم يحاول تأييد رأيه أو ميوله بالأدلة والبراهين، فالمؤيدون لنظام الأسد ولا أريد هنا استخدام مصطلح الشبيحة؛ لأن هذا المصطلح برأيي خاص بمن يستخدم يده وقوته منتصراً لرأيه، أما من لا يتعدى الأمر معه عن قول رأيه ودعمه بالحجة والمنطق من وجهة نظره، فهذا هو المؤيّد، وهو رأي ألهمتني إياه كثرة مخالطتي للناس من كافة المشارب في بلد أكلت الحرب كبده وقطعت أنفاسه وفرقت ناسه شيعاً.

أعود إلى ما بدأت به حول محاور النقاش في مجالس السوريين، وقد قلت لا تخرج عن ثلاث نقاط:  

أولها: الحل السياسي السوري وأهميته

وهنا تتضارب الآراء بين الفريقين، فتجد كل طرف ينتصر لرأيه ويؤيّده بما يمتلك من حجج، وهنا أقول إنّ الحل الأمثل الذي يُعدّ بداية وضع أرجلنا على الطريق الصحيحة في الحل يبدأ برحيل رموز النظام في الصف الأول والثاني، بالخصوص من كان منهم يتحمل مسؤولية مباشرة عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري، وتشكيل هيئة حكم انتقالي تمثل كل القوى المتصارعة بما فيهم النظام ممن لم تتلطخ يداه بدم السوريين، وإن أي بحث عن حل دون البدء بهذه الخطوة هو مراوحة في المكان، ومن ينتظر من النظام أن يعطيه شيئاً أو يتنازل قيد أنملة عن شيء دون قوة تدفعه إلى ذلك، فهو حالم ويعيش خارج الواقع.

ثانيها: الهوية الوطنية الجامعة

وهنا أقول إنه لا هوية جامعة في بلد مثل سورية متعدد الانتماءات إلا الهوية السورية .. لنضع قومياتنا وانتماءاتنا الضيقة في حقائبنا وجيوبنا ونخرج فقط الهوية الوطنية السورية ونشتغل على هذا الأساس، لنبني بلداً يحتوينا جميعاً ويحترمنا جميعاً ويحقق كرامتنا جميعاً، فعمل كل مجموعة لقوميتها العرقية أو لانتمائها الديني، سيدفع الآخرين بالضرورة إلى العمل من أجل قوميتهم وانتمائهم الديني؛ لأن لكل فعل ردة فعل، وهنا ينقسم المجتمع انقساماً حاداً يصعب مع الزمن جمعه وردم الهوّة بين مكوناته، أما تبني نظام الأسد البعثي للقومية العربية شعاراً ظل يتاجر به أكثر من نصف قرن من حكم سورية لا يجب أن يدفع ثمنه السوريون العرب؛ لأن هذا النظام كان عادلاً إلى أبعد الحدود في ظلمه لكل السوريين.

ثالثها: مفهوم اللامركزية

وهنا علينا أن نفرّق بين نوعين من اللامركزية، أولاهما اللامركزية السياسية، وهذه مرفوضة شكلاً ومضموناً بالنسبة لغالبية السوريين الوطنيين ومن كافة المشارب وعلى رأسها قوى الثورة؛ لأن الثورة بالأساس كانت ضد نظام قمعي دكتاتوري استبدادي .. ولبناء دولة المواطنة والمساواة لكل السوريين .. ولم تكن ثورة ضد كيان الدولة السورية المختطف الآن من العصابة الحاكمة، فهذا النوع من اللامركزية مقدمة للانفصال وتشكيل دول داخل الدولة السورية، وهذا ما يرفضه غالبية السوريين، بل ويرفضون الدخول في نقاشٍ حوله.

أما النوع الثاني من اللامركزية، فهو اللامركزية الإدارية، وهذا النوع ليس محطّة خلاف بين السوريين، بل تجد أغلبهم يتفهّم ضرورة تطبيقه في المرحلة المقبلة ذلك لحاجة المجتمع السوري إلى الشعور بكونه مجتمعاً فعّالاً له رأيه المحترم في قضية بلده وإعادة بنائه وإدارته، وقد دعت قوى الثورة منذ البداية إلى هذا النوع من اللامركزية، ولم تأل جهداً في شرح محاسن ذلك لشارع الثورة وانعكاساته الإيجابية على حياة السوريين، لكن الموج كان عالياً، وطموحات بعض شركاء الوطن كانت أيضاً عالية، ولذلك لم تجد تلك الدعوة آذاناً صاغية.

أخيراً قد يقول قائل إن هذه النقاط الثلاث نقاط حالمة جداً بعد كل ما حدث خاصة بعدما استطاع نظام الأسد استرجاع كثيرٍ من الجغرافية السورية بدعم مزدوج روسي إيراني.

أقول: إن أنصاف الحلول لا تسمن ولا تغني من جوع، وإن كان لابد من حلّ في النهاية، فلابد أن يكون هذا الحل قائماً على أسس صحيحة حتى يتخذ صفة الديمومة.

إن ترقيع الثوب المهترئ لا يصنع منه ثوباً جديداً تستطيع ارتداءه دون الخوف من تمزّقه من هنا أو هناك، فضلاً عن أن يُظهرك بمظهر لائق، فلا بدّ إذاً من ثوبٍ جديد يستر عورتك ويظهرك بمظهر لائق. 

إن الحلول الترقيعية لا تبني وطناً صالحاً للعيش فيه، بل تصنع بؤرة فاسدة ملغومة لا تعرف متى تنفجر فتودي بحياتك.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات