عبيد السيدة الأولى

مقال اليوم || أيمن الشوفي 2022-09-20 08:17:30

أسماء الأسد
أسماء الأسد

"أنتم لا تدرون، كم نحن فخورون بكم".. لا تزال تلك الجملة الوصفية التي نطقتها أسماء الأسد ذات يوم مخاطبةً فيها جمهورها الموالي، تفيضُ بلا انقطاع داخل المراسم والطقوس اليومية لدفن السوريين، متخففةً من قوانين الجاذبية واللغة، ذلك أنه من الصعب تحريف رمزيّتها المتقنة، ودلالاتها العميقة!

إذ إن الذين تقصدهم سيدة النظام الأولى بعبارتها تلك هم جموع الموالين الصامتين حين أربكوا العالم بصمتهم، وغالباً ما يُفضّل نظام دمشق استبدال مصطلح الصامتين بالصامدين في أدبيات تواصله العامة، وهو لا يجازف بهذا الاستبدال، بل إنه يمنحه مفهوماً عقائدياً جديدَ الدلالة يناسب مرحلة "الصمت والتردي" والمعروفة أيضاً لديه باسم أكثر تشويقاً، وهو مرحلة "الصمود والتصدي" فيصير السوريون الصامتون لغةً هم أنفسهم السوريون الصامدون عند أسماء الأسد، ويبدو من الصعوبة بمكان تخيّل جنسٍ بشري قادرٍ على إتقان صناعة الصمت وتخزينه كالسوريين الموالين، وهم على أي حال جنسٌ بشري قائمٌ بذاته، فريدُ النوع، وصعبُ التقليد، وهذا ما تعيه جيداً سيدة النظام الأولى، وتشكر الله عليه كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

الناقلات التي لا تصل!

ناقلاتٌ عديدة رست في ميناء بانياس خلال شهر آب/ أغسطس المنصرم، جاءت محملةً بالمشتقات النفطية بواسطة خطوط ائتمان هي مكافآتٌ رمزية من الاحتلال الإيراني لنظام دمشق، لكن حمولاتها ذهبت مباشرةً إلى السوق السوداء، هناك حيث يصل سعر برميل المازوت إلى أكثر من 1.4 مليون ليرة، ونحن لا نزال غاطسين في مياه الصيف، ولم نلج مسرّاتِ الشتاء بعد، وهذا بالضبط ما جعل نجوى كرم تصيح قبل حفلتها الغنائية الأخيرة في سوريا: "السوريون شعبٌ مرفّه"، وهذا أيضاً من الأسباب الوجيهة التي تجعل أسماء الأسد تُفضّل الموالين السوريين على غيرهم من شعوب الكوكب، ولا ترضى سواهم بديلاً.

فلا هاجس لدى النظام أقوى من هاجس بقائه سوى هاجسهِ في السطو على السيولة النقدية وجرّها إليه من بين أيدي الموالين له، يفعل ذلك مراراً وبلا ضجر، ويعلم الموالون ذلك، ولا يضجرون بدورهم من مواصلة الدفع، إذ زودتهم متوالية رفع أسعار الاتصالات وخدمة الإنترنت بأرقام فلكية تستخرجها الدائرة الضيقة المكوِنة لرأس هرم السلطة من جيوبهم كل شهر دون أن تتحسن تلك الخدمات، ثم يدفع الناس ما يُؤمرون بدفعه لأنهم صامتون سياسياً، فيكرمهم النظام على ذلك بتدوينهم داخل نسبِ الصامدين سياسياً، وتستمر الحكايةُ منسوجةً على النول نفسه، فإيرادات شركتي الاتصالات في سوريا انتقل مصبُّهما من جيوب رامي مخلوف إلى جيوب السيدة الأولى، حيث يلاقيهما هناك مصبُّ الإيرادات القادمة من سوق المحروقات السوداء، بدليل اختناق تطبيق "وين" وموته سريرياً قبل بث أي رسالة سعيدة تنبئ صاحبها بالحصول على بعض الليترات من مازوت التدفئة للشتاء القريب، فعلى ماذا سيتدفأ شعبُ أسماء الموالي إذاً؟! على الصمود طبعاً!! ومن لا يقوى على الصمود، يستطيع شراءه من السوق السوداء، ولا حرج في ذلك. فقد وصلت دفعةٌ جديدة من ناقلات النفط إلى ميناء بانياس مطلع شهر أيلول/ سبتمبر، وابتهجت لها سيدة السوق السوداء، مثلما ابتهج لها الشعب الموالي وهو يستقبل واردات جديدة من وقود الصمت والصمود، إذ لا يصاب أحدٌ بالبرد هنا، ولا يُصاب بغيره أيضاً.

العبيد المفلسون جداً

أنفق الممثل الموالي معن عبد الحق بلا رأفة أسطوانة غاز منزلي فقط ليشمت بالأوربيين واللاجئين السوريين في أوروبا المقبلين على شتاء قاسٍ بلا صحبة الغاز الروسي هذه المرّة، ذاك الممثل لا يعلم بأن عبيد السيدة -وهو جزءٌ منهم- يحلمون بعناق رسالة الغاز المنزلي، التي قد تصلهم بعد تسعين يوماً عبر تطبيق "وين"، حيث يحاصر به بشار ونظامه العبيدَ في مناطق سيطرته بلا رأفةٍ أيضاً. في وقتٍ غابت فيه حذلقة وعبقرية النائب السوري خالد العبود عن تسجيل انطباعاته المضحكة، سواء المتعلقة بقصف مطار دمشق مرّةً، أو مطار حلب مرتين حتى الآن، وتلك المتعلقة بمصير عبيد السيدة في رحلة الشتاء الوشيكة بعدما أتمّوا طقوس ومناسك رحلة الصيف دون ثورةٍ تذكر، فهم أحوج اليوم إلى بصيرة "العبود" الثاقبة وحججه التي لا تُقهر ولا تُدحض بأخرى ليستمدوا منها زاداً دسماً في مشوارهم المضني، مشوار "الصمت والتردّي" دون الاكتراث بتعاقب الفصول وبزوغها المضطرب داخل أحوالهم المتردّية.

تنتظر سيدة النظام موسم الشتاء مثلما ينتظر فلاحو البعل موسم الأمطار السنوي ليفتحوا خزائنهم باطمئنان، فالحوالات الخارجية التي تهبط للحظاتٍ أو ربما لأيام قليلة في جيوبهم يجب أن تعود إلى أسماء وإلى زوجها في نهاية المطاف، وكأن السوريين المغتربين واللاجئين على حد سواء إنما يُرسلون حوالاتهم الشهرية إلى جيب بشار وزوجته لا إلى جيوب ذويهم، وما ذووهم هنا سوى مسلك طارئ تعبره حمولات تلك الحوالات باتجاهها النهائي نحو أعلى هرم التسلّط في البلاد.

كلُّ هذا والنظام السوري يواصل تطبيق سياسة الحصار الممنهج على القاطنين في مناطقه بغرض التضييق عليهم وتهجيرهم الممنهج أيضاً، وهذا يتطابق مع أهواء الإيرانيين الراغبين بإفراغ سوريا من سكانها الأصليين، وقد أتمَّ النظام بنجاح تطبيق الفصل الأول والأصعب من سياسة "التهجير والتدمير" بقيادة بشار ضد المناطق السنّية التي ثارت عليه بعد العام 2011، والآن تجري تصفية مناطق الأقليات والعاصمة وإنما بسياسة أقل دموية وأكثر افتراءً من سياسة البراميل المتفجرة، فعبيدُ السيدة مطلوبٌ منهم ملء جيوبها بلا تردد، أو الرحيل بلا تردد قبل خروج مطار دمشق عن الخدمة كلياً هذه المرّة.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات