فيلم (متمرد): الغوص الأوروبي السطحي في الظاهرة الداعشية وتجاهل الثورة السورية

ثقافة وفنون || أورينت نت - أحمد صلال 2022-09-19 10:25:05

بوستر فيلم (المتمرد)
بوستر فيلم (المتمرد)

يُعرَض في صالات السينما الفرنسية منذ أواخر الشهر المنصرم فيلم “عودة الأولاد السيئين إلى الحياة” (المتمرد) للمخرجين البلجيكيين من أصول مغاربية عادل العربي وبلال فلاح، بعد عرضه الخاص خارج المنافسات في مهرجان (كان) الأخير، والفيلم هو إنتاج أوروبي مشترك يضم فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ، ويعالج ظاهرة الجهاديين الأوروبيين في سوريا من منظور أحادي الرؤية وغير جذري الغوص في الثورة السورية.

رحلة من دون عودة

تدور أحداث الفيلم حول مغنّي الراب (كمال) الذي يقرر الذهاب إلى سوريا لمساعدة ضحايا الحرب، لكن عندما يصل، يضطر للانضمام إلى جماعة مسلحة ويجد نفسه عالقاً في مدينة (الرقة)، بينما شقيقه الأصغر(نسيم)، الذي بقي في مدينة (مولينبيك) مع والدته ليلى، ويحلم بالانضمام إلى شقيقه  بعد أن غدا فريسة سهلة للمجندين الجهاديين. 

الجماعة الإرهابية (داعش) تجبر كمال على تصوير المعارك وعمليات الإعدام والحياة اليومية في المناطق التي تسيطر عليها،  لتجلعه في خدمة الدعاية الجهادية إلى الدرجة التي يتكفل الشحن الإيديولوجي المفرط الذي يتعرض له شقيقه الطفل (نسيم) في اعتبار شقيقه (كمال)  قدوة وبطلاً.

بداية مسيرة الثنائي المخرجين البلجيكيين عادل العربي وبلال فلاح، حيث ولدا أعمالاً اجتماعية قاسية تعتمد على تجارة المخدرات وحرب المافيات في بلدهما بلجيكا، نذكر منها على سبيل المثال (بلاك وباتسر)، ولفتوا نظر المنتج الأمريكي جيمي بروكهايمر وأنتجوا (Top Gun, Rock, la saga Pirates des Caraïbes)، مع فيلم عودة الأولاد السيئين إلى الحياة(المتمرد)، الفيلم الذي عرض في مهرجان (كان) خارج إطار المنافسات، لم يحرز أي نجاح نقدي أو تجاري.

تلصص من ثقب الباب

المخرجان البلجيكيان من أصول مغاربية، محكومان بالعودة إلى مشاكل الوطن، نشاهد هذه العودة في فيلم (المتمرد)، وهو فيلم روائي غير طموح حول موضوع "مشتعل" ليس في فرنسا فحسب بل أوروبا وسائر العالم.

يمكننا بشيء من التأمل الإقرار بالفشل، نعم الفشل السينمائي الأسود، طالما كان النتاج الإبداعي بكل أطيافه، يتلصص على الجهاديين في أوروبا من ثقب الباب، لا شيء عن صعوبة العيش في الضواحي التي تعاني من شتى صنوف الإهمال، الضواحي الساخنة التي يدير فيها الأولاد السيّئون حرب عصابات تقوم على الترويج والاتجار بالمخدرات والقيام بالكثير من البلطجة، الضواحي حيث التعليم في مدراس أحياء السكان الأصليين تفرق عنها بالضواحي، وهذه العنصرية الأوروبية التي تتدفع المهاجرين إلى أطراف المدن التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة العادية التي يتمتع فيها نظيره من سكان البلد الأصليين، وغياب العمل عن سكان هذه الأحياء التي تعرف معايير جد عالية للبطالة، ودعارة منظمة، يبدو الوقوف طويلاً أمام الكاميرا لا ينيط اللثام عن النضوج البصري. إذاً؛ الفشل اجتماعي حيث تمكنت الفصائل الجهادية من استقطاب الشباب الصغار من دوائرهم الاجتماعية الضيقة، وهذا يكشف ليس ضعف الأسر والمجال الاجتماعي الضيق فحسب بل المجال السياسي العنصري الذي يجعلهم يلهثون وراء أي شيء يعادي النظم العنصرية في فرنسا وأوروبا، وخير مثال على ذلك كمال البلطجي مغني الراب، الذي يرغب في مساعدة ضحايا الحرب في سوريا.

حربنا ليست حربهم! 

"حربنا ليست حربهم" هكذا يحاول السرد البصري قول كل شيء عن لا شيء؛ الثورة السورية ليست كتلاً جهادية سوداء، على العكس تماماً، القادمون من أوروبا وتحديداً مدينة الرقة التي ذكرت "اللموند ديبلوماتيك" الفرنسية ذائعة الصيت، أن عدد الجهاديين الفرنسيين لوحدهم وصل في المدينة لما يقارب 950 جهادياً فرنسياً بعضهم مع أسرهم؛ هؤلاء هم من شاركوا في دعاية النظام للبقاء على قيد الحياة، من الحدقية إلى المركزية، هكذا فشل بصري ذريع يضاف لنظيره الاجتماعي.

الطابع التقليدي في فيلم (المتمرد) ليس نموذجاً للبحث في العمق والجدة، بمقدار ما هو استهلاك مهترئ ومعروف وشبيه للسينما الأمريكية في ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم. مثلما يقول المثل الدمشقي "العرس في توما والطبل في حرستا"، هكذا تماماً، يخوض الفيلم حرباً ضد الإسلام "الراديكالي" حسب لغة الفيلم لا حرب اجتماعية ولا سياسية لذلك تبقى الدراما في الفيلم تنحو نحو إكمال النغمة المشابهة لنغمة النظام، بفضل التدقيق في تفصيلات هامشية لا تقارب كاميرا المخرجين ما قام به نظام طائفي فاق النازية بشاعةً وتنكيلاً، هنا الآن؛ تغمرني كمتلقّ نوبة من عدم التدقيق والتحرير والشعور بالتوازن غائب، ويعد هذا إخفاقاً مدوّياً للفيلم. لأن الاقتصار على نغمة واحدة معروفة ومهترئة لا يحقق نجاحاً سوى نجاحه في إبقاء هكذا أنظمة قمعية تعيث فساداً بالبشر والحجر والشجر، لذلك تشعر أمام الشاشة في السينما، بقوة تسلسل تحركات متفجرة يشعر بها المتلقي. 

مرة واحدة اثنتين ثلاثة مرات تشعر بتأثير المخرجين بشكل كبير بنماذج سينمائية عالمية مثل ميشيل باي في فيلمه (13ساعة) ورديلي سكوت في أفلامه بالعموم، يحاول المخرجان وضع بطلهما كمال في معارك لا يخسر فيها تحت الشمس، ويلعب كمال تجسيد هذه الفوضى الجهادية. الرقة؛ مدينة حربية فاضلة للجهاديين معركة زرقاء يجب أن يخلد الموت الجهاديين الباذلين لها، ولكن لنتوقف هنا، من حول الرقة المدينة الفاضلة مدنياً إلى مدينة فاضلة حربية؛ هما النظام وعملاؤه من هذه الحركات الأصولية، هنا لا تحتاج لبذل الكثير من البحث والاستدلال النقدي البصري، المقاربة تحيل على أن حامل الكاميرا ممكن أن يكون حامل كلاشينكوف، هو أيضاً، شريك لمواطنيه في الأصل والعرق.

وجهة نظر واحدة!

عمل مكتظ يمشي على إيقاع وجهة نظر واحدة، لا تحتمل تعدد زوايا الرؤية من أجل اكتشاف حقيقة ما يجري، ومصائر أبطاله في ما ينيف على ساعتين، واستخلاص الأفضل من نماذجها التقليدية يصور الفيلم الأم الشجاعة والولد المتبرأ منه، مروراً بنزول الأخ الأصغر إلى الجحيم بحثاً عن عالم خاص. المخرجان يعطيان قلبهما لأبطال غير معذبين مقابل سلب بطولة آخرين. فصولاً من النكسات السينمائية في الغرب، يأخذ الفيلم شكلاً مهترئاً ومعروفاً لا يمكن مقارنته بألف ليلة وليلة؛ كمال شخصية بائسة وليس بداخلها العديد من الأعاجيب، و تفشل أيضاً، من خلال الموسيقى التي تجعل من بطله كمال نموذجاً يلوذ للسلام في نهاية المطاف، نموذج فاشل.

فيلم (المتمرد) فيلم روائي طويل قاتم ولا يتحلى بالجرأة الحقيقية في تحليل الظاهرة، وقد حقق إخفاقاً وفشلاً ذريعين، فتورط المخرجان البلجيكيان من أصول مغاربية (عادل العربي) و(بلال فلاح)، في صناعة أكثر الأفلام خيانة لروح الفن الإنسانية في الانتصار لقيم الحرية لا خلطها والافتراء عليها، ولم تفلح القصائد الغنائية والعاطفة والتوتر الشديد في كسب أي تعاطف ولو حتى ضئيل، اختيار خطأ للرموز لا تفرح العينين وتكسر القلب، ولا يمكن تفويتها من قبل المشاهد الأوروبي، الذي يجلس على مقعد في سينما بباريس ويتناول "البوب كورن" وهو يقول في سره: تحيا سينمانا في تخليد موت الشرق.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات