مثقّف الوسخ التاريخي والإنسان

مقال اليوم || د. أحمد برقاوي 2022-09-18 13:08:50

كاريكاتير تعبيري برشية الفنان علي فرزات
كاريكاتير تعبيري برشية الفنان علي فرزات

حين صغنا مقولة الوسخ التاريخي كتبنا بحثاً طويلاً عن مثقّف الوسخ التاريخي وتسعيناته الواقعية، وهذه المقولة الهدف منها تحديد مرحلة تاريخية منحطّة بكل ممارساتها وشخوصها.

ونحن إذ نستخدم الآن مثقف الوسخ التاريخي فإنما نقصد به فئة من الذين عملوا في حقل الثقافة بمعزل عن مرتبتهم المتوسطة وما دون، وتحوّلوا بعد الربيع العربي إلى لسان حال الوسخ التاريخي بكل تعيناته. ولا نقصد الذباب الإلكتروني الذي تمتلئ به وسائل التواصل الاجتماعي بأسماء مستعارة، فهؤلا آلة من آلات الوسخ التاريخي الواقعي وليس الثقافي.

ما هي غاية مثقف الوسخ التاريخي؟ يسعى مثقف الوسخ التاريخي لنفي موقع اﻹنسان- اﻷنا من الغايات النبيلة لكفاح الربيع العربي بكل ما يعج به من اختلافات. وذلك عبر نزع مفاهيم الحداثة والتنوير والديمقراطية والعقل والتاريخ من الغايات النبيلة للربيع العربي.

مع إن العكس هو الصحيح. إن انتصار الدكتاتوريات بكل أشكالها هي التي هزمت الخطاب الداعي لمركزية الإنسان عبر انتصار إرثها الثقافي التقليدي-الديني المتكئ على فكرة الواحدية والعبودية للواحد.

كيف يمكن لخطاب الديمقراطية الداعي إلى حق الاختلاف والتعبير عنه وحق الاختيار أن يولّد ديكتاتوريات. بل على العكس لقد واجه الحاكم العربي ويواجه خطاب الديمقراطية بمفهوم الخصوصية، أي بفكرة الركود ضد التاريخ، وهذا هو جوهر خطاب مثقف الوسخ التاريخي.

وإلغاء مفهوم التاريخ من الوعي لا يعني سوى جعل الوعي مسخرة بتشبثه بلحظة من التاريخ واعتبار هوية الأوطان قد أُنجزت وإلى الأبد.

يجب ألا يغيب عن بالنا أن الثورات العربية - أو التمرد العربي لمن لا يحب مفهوم الثورة- لم تنفجر دفاعاً عن اﻹله. فليس اﻹله هو الذي عذّب الإنسان وسجنه ومنعه من حق الكلام وأفقر وأعدم وهجَّر بل هي أنظمة الوسخ التاريخي، ولهذا فجوهر الربيع العربي هو الدفاع عن الإنسان وحرية اﻹنسان.. أي دفاعاً عن التاريخ ضد من أرادوا أن يُجمّدوا التاريخ ويريدون تثبيته في لحظة وسخه الحاضر، أو يريدون عودة التاريخ إلى زمن مضى من حياته. كان معيار الربيع العربي ومازال الدفاع عن حرية اﻹرادة التي عبّرت عن نفسها بذاك النداء: الشعب يريد.

والمدقق في خطاب الدكتاتور العربي وأعوانه لا يجد فيه أي فكرة من أفكار الحداثة والتنوير والتاريخ، بل نجد كلمات المعجم القديم كـ: الراعي والرعية والبيعة والقائد والحكيم والعظيم. وليس هذا فحسب، بل وخلعت الصفات الإلهية عليه. هل كل ما سبق هو ثمرة خطاب التنوير والعقل والتاريخ والحداثة والديمقراطية؟؟؟!

وإن الوعي الإقصائي الذي يختفي وراء نقد خطاب الحرية والحداثة والديمقراطية يريد أن يستبدل ديكتاتورية بدشداشة ولحى بدكتاتورية بربطة عنق وبزة.

ولهذا فإن مثقف الوسخ التاريخي نوعان: نوع يدافع عن حاضر الوسخ التاريخ بحجة الخوف على الواقع من الأصولية ومظاهرها، ونوع يهاجم الحداثة والعقلانية والديمقراطية باسم العودة إلى تاريخ قديم، وذم الدكتاتوريات على أنها ثمرة التغرب والحداثة الأوربية.

إن روح الربيع العربي التي ستستمر وفق منطق التاريخ الذي تشهد تحوّلاته تناقضات تدعو بعض المنتمين إلى هذه الروح، روح العودة إلى الإنسان ومكانته الأساسية في بلاد حطمت فيها أنظمة الوسخ التاريخي الإنسان وأعلنت موته.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات