من أجل البقاء في السلطة.. هل يسعى النظام للتقسيم؟

مقال اليوم || مصطفى المصطفى 2022-09-17 10:36:31

بشار الأسد مع عدد من ضباط ميليشياته
بشار الأسد مع عدد من ضباط ميليشياته

تعلّم القادة منذ فجر التاريخ أن عليهم أن يسحقوا من يخشونهم من الأعداء، وبعضهم تعلّم هذا الدرس بالتجارب المريرة. الجمرة التي تظل متّقدة مهما كانت خافتة سوف تشعل النار في النهاية، والخسائر التي تأتيك من الضربات التي ترحم عدوك أكبر بكثير من خسائر الضربات التي تسحقه لأنك لو لم تنه عليه سيتعافى ويعود للانتقام منك. امحق أعداءك ليس مادياً فحسب بل معنوياً أيضا. (روبرت غرين، قواعد السطوة ص10)

منذ بداية الثورة السورية اتضح للجميع أن تلك المعتقدات كانت تشكّل جوهر الاستراتيجية التي اتبعها النظام السوري في مواجهة الثوار، ويتذكر الجميع أن النظام السوري رفض كل الاقتراحات والنصائح بالإصلاح والمهادنة التي جاءته من كل حدب وصوب منطلقاً من فكرة مفادها: إن السلام الدائم لا يتحقق إلا بعد تحقيق نصر حاسم. ومن أجل الوصول إلى ذلك؛ لم يتوان النظام السوري عن استخدام كافة الوسائل وكافة الأسلحة؛ المحظور منها وغير المحظور. كما استعان بقوى عظمى وقوى إقليمية وبشذاذ الآفاق لكي يصل إلى مبتغاه. إلا أن توقعات النظام بتحقيق النصر الحاسم في فترة زمنية معقولة لم تتحقق، وتبين له أن الوضع الراهن متجذر بصورة تفوق ما كان متوقعاً.

لقد أصبح النظام السوري يدرك أنه لا مجال لتحقيق النصر الحاسم، وأن مكاسب حربه الشعواء على الشعب آخذة بالتناقص في حين بدأت التكاليف بالارتفاع منذ آخر محاولة لاجتياح مدينة إدلب وما حولها، والتي يُعتقد أن الهدف منها كان ممارسة الضغط على المجتمع الدولي من خلال ضخ ملايين اللاجئين دفعة واحدة وفي فترة زمنية قصيرة أكثر من هدف احتلال تلك المناطق. فالعاجز عن تأمين أدنى متطلبات الحياة للسكان القاطنين في مناطق نفوذه لا يُتوقع منه أن يخطط لإضافة ما يقارب الثلاثة أو الأربعة ملايين نسمة إلى هؤلاء، كما لا يتوقع منه أن يتجرأ على إبادة هذا العدد من البشر رغم أنه يمتلك الرغبة الشديدة في مثل هذا الفعل.

في الوقت الراهن – باستثناء مواقع الثروات البترولية – لا يرغب النظام السوري بالسيطرة على أي منطقة من المناطق الخارجة عن سيطرته دون تهجير أهلها إلا من خلال شروط؛ على رأسها إزالة العقوبات المفروضة عليه، والاستسلام غير المشروط للقوى الموجودة في تلك المناطق، وهي شروط تبدو شبه مستحيلة في المدى المنظور. لذلك، فالنظام الآن يتجه نحو الحفاظ على الوضع القائم بانتظار تغيرات جذرية في البيئتين الدولية والإقليمية، وهو خيار حمّال أوجه، فقد يأتي بالمفاجآت السارة بالنسبة له، كما قد يأتي بالمفاجآت غير السارة. ولعل المراقب للآلة الإعلامية للنظام السوري يلاحظ أن الترويج لعمليات اجتياح للمناطق الخارجة عن سيطرته قد تراجعت، وأن الطابور الخامس التابع للنظام قد خفت صوته في الترويج لمثل هذه الأقاويل، بالإضافة إلى ذلك، بتاريخ 27/8/2022 رأس النظام يصدر أمراً إدارياً بإنهاء الاحتفاظ والاستدعاء والتسريح للضباط المجندين الاحتياطيين وصف الضباط والأفراد الاحتياطيين من ميليشياته. وهذان مؤشران جيدان على أن النظام السوري اتخذ قراره بتجميد الجبهات – باستثناء التحرشات التي لا بد منها - والتفرغ لإدارة أزماته الداخلية. 

من جهة أخرى، يبدو أن النظام أصبح في حيرة من أمره فيما يخص نظرته تجاه حليفتيه الاستراتيجيتين: إيران وروسيا. فلا هو وصل إلى مرحلة الشعور بالأمان التام ليطلب منهما التخفيف من وجودهما العسكري وضبطه، ولا هو يشعر بالراحة من خلال وجودهما على الأرض والتحكم بمعظم قراراته وتحجيم صلاحياته في آن معا، فالميليشيات الإيرانية بالإضافة إلى استحواذها على السلطة بشكل شبه كامل في المناطق التي تتواجد فيها، تضع مناطق سيطرة النظام تحت ضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية هائلة نتيجة التحرشات الإسرائيلية التي ارتفعت وتيرتها في الآونة الأخيرة، وهو ما جعل تلك المناطق ساحة لحرب مفتوحة لا ناقة للنظام السوري فيها ولا جمل. أما الجانب الروسي الذي احتكر تمثيل النظام السوري في المحافل الدولية، فلديه طروحات من أجل الحل في سوريا – رغم أنها مرفوضة من قبل الشارع الثوري – لا تتماشى مع رؤية النظام للحل الذي لا بد أن يأتي عن طريق النصر الحاسم الذي يمحق الأعداء (المعارضين) مادياً ومعنوياً، ويجتثهم من الحاضر والمستقبل حسب عقيدته الراسخة. من هنا بدأ البعض يلاحظ تململاً يصل لمستوى الامتعاض أحياناً من سلوك الحلفاء الاستراتيجيين.

ضمن هذه البيئة، وفي ظل عجز النظام عن إيجاد مقاربةٍ لإخراج نفسه من المأزق وانسداد الأفق أمامه؛ قيل إنه بات يُرحّب بفكرة تقسيم سوريا التي أصبحت مطروحة على نطاق ضيق في بعض الدوائر السياسية والفكرية الأمريكية كحل أمثل للقضية السورية. ورغم أن هذه المقولة لم تظهر للعلن بشكل رسمي، إلا أنها تبدو قريبة جداً من طريقة تفكير النظام السوري ورموزه الذين تلطّخت أيديهم بدماء السوريين. إذ كما يقول "نويل كالهون": "يظهر الزعماء السياسيون الذين تمرّغ عهدهم بتاريخ طويل من الجرائم غيرة استثنائية على السلطة؛ لأنها الضامن الأوحد لأمنهم المادي". من هنا، من المتوقع أن لسان حال رموز النظام يقول: إذا كان التقسيم ثمناً للبقاء في السلطة ووسيلة للتخلص من ضغوط القرارات الدولية الخاصة بالشأن السوري، وخاصة تلك التي تتحدث عن حكومة انتقالية أو إصلاحات دستورية؛ فأهلاً به.

هل يستعيض النظام السوري عن رغبته باجتثاث وسحق من ثاروا عليه بعزلهم في دولة شريطية لا تمتلك أدنى مقومات الدولة كعقاب بديل؟ أم أن الفشل سوف يلاحقه في مثل هذا المسعى أيضاً لوجود معارضة شديدة لتقسيم سوريا من قبل بعض القوى الدولية والإقليمية الوازنة، والتي لها حساباتها الخاصة؟

أغلب الظن أن الفشل سوف يبقى يُلاحقه إلى أن يلقى حتفه جزاء لما اقترفت يداه.

 

 

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات