أرواد ذاكرة المكان والإنسان- 7: حلاق أرواد الذي أغضب النظام.. وطقوس العزاء القاسية.. وعبقريات الجزيرة المجهولة

ثقافة وفنون || أحمد عسيلي 2022-09-17 10:25:43

أحداث وشخصيات مثيرة يستحضرها د.عسيلي في الحلقة الأخيرة من (أرواد ذاكرة المكان والإنسان)
أحداث وشخصيات مثيرة يستحضرها د.عسيلي في الحلقة الأخيرة من (أرواد ذاكرة المكان والإنسان)

هل سأرى أرواد مرة أخرى؟

أتمنى ذلك، لكن بالتأكيد لن أعود للسكن فيها، بل ستكون عودتي للزيارة فقط. فرغم محبتي بل وعشقي لها، لكنني أدرك أن هذا العشق هو تعلّق بذكرى، أصبحت غير موجودة. أتشبث بها من أجل طفولة ذهبت ولن تعود، ولأجل أناس رحلوا عنها، وبعضهم رحل نهائياً عن عالمنا. أنا واعٍ تماماً للفرق بين الحنين والواقع، فأرواد أصبحت للكثير من الأرواديين أشبه باليوتوبيا أو الجنة المفقودة. نتمسك بها كارتباط رمزي، لكننا ندرك أنها غير موجودة إلا في خيالنا وذاكرتنا وتهويماتنا عنها. وفي النهاية لست أول ولن أكون آخر أروادي يترك أرواد، بل يترك البلاد كلها.

سادة التجارة البحرية 

نحن أبناء البحر. السفر والإبحار جزء من شخصيتنا. تعززت هذه الصفة لاحقاً، منذ تخلي معظم الأرواديين عن الصيد كحرفة أساسية، واتجهوا إلى التجارة والنقل البحري. بدأ الأمر بشكل خفيف منذ نهاية الثمانينات، حينما كان في أرواد عدد بسيط من رجال الأعمال، ليزداد هذا العدد مع الزمن. 

كانت بالبداية مقتصرة على بعض البواخر الصغيرة (البوابير)، ثم كبر الحلم، فأصبحوا سادة البحر. استفادوا من انهيار الاتحاد السوفيتي ببداية التسعينات، والفوضى والفساد الذي عمّ أرجاءه، بما فيها بواخره وأسطوله البحري، فاشتروا تلك البواخر الخردة، ولأنهم أبناء البحر، فقد استطاعوا صيانة تلك البواخر وتجديدها (تعميرها كما نقول) ليُعاد إحياؤها تماماً والاستفادة منها مرة أخرى، بعدما كانت على وشك أن تباع كقطع حديد. 

تعلّم معظم الأرواديين اللغة اليونانية، والرومانية وحتى الروسية، وأسسوا في كل أصقاع الدنيا. شركات أصبحت جزءاً من تلك البلاد، ربما تذكرون حديثي سابقاً عن ترحيب الأروادي بالغريب، دعوني أُضيف هنا، أنه أيضاً سريع الاندماج في البيئات جميعها، من مصر إلى لبنان، وحتى قبرص واليونان وفرنسا وإيطاليا، في معظمها أقام الأرواديون علاقات تجارية ممتازة والكثير منهم استقروا في تلك البلدان، الكثير منهم أخذوا جنسيتها، وأصبحوا جزءاً منها، لكنهم بقوا محافظين على علاقات قوية مع (الزيرة).

في عام ١٩٩٧ سافرت إلى مدينة بريا في اليونان، ففوجئت أن الوجود الأروادي قوي جداً فيها، صادفت الكثير من الأرواديين في شوارعها، وسلّمنا على الكثيرين منهم. 

فحيثما هناك ميناء في البحر المتوسط، بل حتى في البحر الأحمر والخليج العربي، فحتماً هناك وجود لأروادي، وحتما هناك شركة صغيرة أو كبيرة، ترتبط بأحد الأرواديين.

عشاق مغامرات وترحال ومدمنو ارتباط وثيق! 

لم يحب الأرواديون يوماً الوظائف الحكومية ولا القطاع العام، سوى نسبة بسيطة جداً من السكان، فروح المغامرة والتشويق، وتأسيس مشاريع جديدة، كانت دوماً جزءاً من البناء الشخصي لكل أروادي، بل أتذكر أحد رجال الأعمال الذي كان يتنقّل بين الإفلاس والربح الخيالي بكل يسر، ولم أره يوماً مكتئباً حتى في أشد لحظاته خسارة، فلديه إيمان كامل بقدرته على الانطلاق من جديد.

ورغم كل تلك المغامرات، والبعد والتوطين في دول أخرى، لكن نبقى مرتبطين بكل جزئيات أرواد، سواء الأروادي الساكن في طرطوس، أو الساكن في دبي أو إسطنبول، وحتى أصغر مدينة بحرية في النرويج أو الصومال.

تابعوا صفحات أرواد في رمضان، سترون جميع الأرواديين يأكلون بعد الإفطار الفستقية هي نفسها، بل من نفس المكان، عند سيدة تقوم بتحضيرها لكل الأرواديين حول العالم منذ عام ١٩٥٤ تقريباً إلى اليوم، جميع الأرواديين يشترون من محل السيدة ذاتها (هي أول ما أطلبه من كل قريب يزور أرواد، وهي أجمل هدية بالنسبة لي). 

علاقة غريبة تجمعنا بتلك الأرض، رغم معرفتنا أننا لم نعد قادرين على التأقلم على السكن فيها، لكننا نبقى مرتبطين عاطفياً بها.

المرأة الأروادية في الحل والترحال

ولأن الرجل كثيراً ما يترك البيت للسفر، فقد طورت المرأة شخصية قوية، ووجوداً طاغياً في الحياة الأسرية والاجتماعية، تعودت على أن تأخذ دور الأم فقط في حضور الأب، لكنها تأخذ الدورين في غيابه، أتقنت مهامها تماماً، وفهمت (الكودات الاجتماعية) على كثرتها في مجتمعنا الأروادي.

فالزوجة يجب أن تُحافظ على الوجود الرمزي لزوجها الغائب، يجب أن تُبقي مكانه أيضاً خالياً كي يستطيع شغله بسرعة حين العودة. يجب أن تلتزم البيت في مجتمع محافظ لا يحبذ كثيراً خروج المرأة،  لكنها أيضاً يجب أن تحافظ على تربية الأولاد، وعلى مستواهم الدراسي حتى يأخذ البكالوريا ليتابع دراسته في الأكاديمية البحرية في مصر (حال الأكثرية الساحقة من الشباب).

ولأن الأم أكثر ما يهمها صحة الولد، فقد كان خبر سفر أحد الأرواديين إلى الإسكندرية ينتشر بسرعة البرق وبوسائل لا يعرفها إلى الآن، فيتحول بيته إلى محج لكل أمهات الشباب الذين يدرسون في مصر، ممن يعرفونه أو لا يعرفون المسافر، معتمدين على (إحنا روادية ومنمون ع بعض) فيحمل المسافر ممن انتشر خبر سفره عشرات الكيلوات من المأكولات لتوزيعها على الطلاب هناك.

في عام ٢٠٠٥، سافرت من دمشق للقاهرة لعدة أيام، فرأيت صدفة في مطار دمشق شاباً أروادياً كان مسافرا للإسكندرية لعدة أيام أيضاً. كان يحمل معه حقيبة صغيرة فيها حاجاته الشخصية، وعدداً لا يحصى من الشنط والأكياس لأناس آخرين، فوجدت نفسي (صدقاً لا أدري كيف ومتى) حاملاً أيضا لعدة حقائب وأكياس فيها كل أنواع المأكولات، وتلفون الشاب لا يتوقف عن الرنين، كلها من أمهات تريد التأكد من وصول "هداياها"؛ فالمرأة الأروادية تعتقد أنها تبقى مسؤولة عن صحة و"دلال" أولادها وأخوتها وزوجها حتى عند سفرهم. 

الكثير من الأرواديات أخذن حتى الدور كاملاً في حال رحيل الأب أو اختفائه، فخرجن لسوق العمل حسب ما تسمح به الظروف وإمكانياتها. كثير من زوجات الراحلين عملن بالبيع، بالخياطة، بل منهن حتى عادوا إلى سلك التعليم بعد سنوات وسنوات من التفرغ للبيت. في ذاكرة الأرواديين الكثير من قصص الزوجات ونضالهن الحياتي بعد رحيل الزوج. 

كثيرا ما كنت أندهش حين أرى سيدات أرواديات بالمطارات وحيدات، رغم قلة تجاربهن السابقة. يسافرن من بلد لبلد كي يروا أزواجهن في موانئ العالم كله، لطالما كنت أعتقد أن كلمة (ربة منزل) هي أكثر كلمة ظلمتها معاني اللغة، لأنها تعطي دوماً انطباعاً أنّ ربة المنزل بلا عمل، مع أن من يرى المرأة الأروادية، يدرك كم المسؤولية الملقاة على ربة المنزل.

أبي: صدمة رحيل الآباء 

ربما لم تكن تلك حالتي الخاصة، فأبي ومنذ لحظة وعيي الأولى على الدنيا، وهو يعمل في رتق شبكات الصيد (حدثتكم عن هذه المهنة في محطتنا الثالثة) حدثتني والدتي كثيراً عن سفره إلى اليونان قبل مجيئي إلى الدنيا، لكنه لم يسافر أبداً منذ ولادتي. لذلك لم يكن غائباً يوماً عن البيت، بل كان شديد الحضور. 

كانت والدتي تحضر له القهوة كل صباح في الطابق الأول من بيتنا، وأحملها له في غرفة العمل على السطح. بقيت على هذا التقليد حتى وفاته في أيار ١٩٩٣، وفاة مفاجئة لم أكن مستعداً لها (ربما لا يوجد طفل مستعد نفسياً لرحيل والده).

 لم أدرك وقتها ما معنى الرحيل. لا وقتها ولا الآن. رحل والدي عندما كنت في الصف السادس، أتجهز لمرحلة جديدة في حياتي، رحل ذات مغرب كنت وقتها أدرس السيرة النبوية مع بقية الأطفال في (جامع الفوق). 

كنا نبقى مجموعة من الأطفال مع الشيخ إبراهيم بين صلاة المغرب والعشاء، يدرسنا السيرة النبوية، بأسلوب سقراطي قائم على الشرح والنقاش. أنهينا ليلتها دروس السيرة قبل آذان العشاء بربع ساعة، ولأن البيت قريب، فقد فضلت (على غير عادتي) انتظار الأذان في البيت. عدت لأكتشف أن أبي قد رحل.

لم أستوعب الفكرة.  لا أدري. أدرك كطبيب نفسي أن الطفل بعمر الـ١١ سنة قادر على استيعاب فكرة الموت، ولم أكن طفلاً غبياً على ما أعتقد، لكني لم أستوعب أبداً تلك الحقيقة. لم أبك، بقيت بحالة ذهول. لم أكن أعرف كيف أتصرف فلجأت إلى الصمت. 

أدركت معنى الغياب لاحقاً، بعد عدة شهور. وأول ما اشتقت إليه، هي عادة الصعود بالقهوة إلى غرفة السطح وسماع صوت أبي وهو يغني. لكن أبي لم يعد يغني!.

كان يحب الروتين جداً. يعود في المساء ليجلس معنا على العشاء، يحدثنا لوقت قصير، ثم يعتكف في غرفته للقراءة. حين ينتهي يثني أعلى الصفحة التي وصل التي وصل لقرائتها، بقيت آخر صفحة مثنية للأبد. 

دائما ما أستعيد تلك الفترة، وأحاول أن أفهم سر عدم استيعابي لرحيله حتى بعد سنوات. ولأقولها بصراحة، إلى الآن لم أستوعب ذاك الرحيل. كثيراً ما لمته في سري، كثيراً ما حدثته بكل غضب، بل ربما بكل حقد. لطالما كنت أعتقد أنه أخطأ بحقي في رحيله، فالآباء لا يحق لهم الرحيل. الآباء وجدوا ليمسكوا يد أطفالهم، ليعطوهم ١٠ ليرات بشكل سري دون معرفة بقية أفراد الأسرة. 

أبداً لا يحق لهم الرحيل

عاتبته. غضبت منه. صالحته وعذرته، تفهّمت أن الموت لم يكن قراره، لكن أبداً أبداً لم أستوعب رحيله. أعلم أن أبي أحبني، كان يناديني باسم خاص، لن أذكره هنا. لا أعتقد أصلاً أني قادر على كتابته، فهو سري العائلي، وأبي وحده من يناديني به. 

أعلم أني تلقيت الكثير الكثير من الحب بعده، لكن أحداً بعده لم ينادني بذاك الاسم. ربما حفاظاً على مشاعري، ربما لأن الجميع يدرك أن هذا الاسم سيُسبب لي نوبة بكاء قوية حتى الآن. وأنا أتحدث عنه بكيت. لكنها ذاكرتي وأود أن أرويها، ولأني لا أتحدث عن ذاكرتي فقط، بل ذاكرة أرواد أيضاً، فدعوني أحدثكم عن تقاليد المآتم فيها.

طقوس العزاء القاسية 

في أرواد لا تخرج المرأة أبداً في الجنازات، ولم يعلق في ذاكرتي عن وجود المرأة إلا في جنازة واحدة فقط، لا أدري صراحة سبب خرقهم في ذاك اليوم لتلك العادة المتأصّلة في أرواد. لا تلبس اللون الأسود كاملاً، بل دوماً ما يكون مترافقاً مع لون آخر قاتم، بني أو رمادي أو كحلي.

لا تتحدث في المأتم أبداً، لا سلام ولا أي كلمة. تدخل بيت العزاء بصمت، تجلس في مكان ما لفترة قصيرة غالباً. ثم تخرج دون أي كلمة، وبدون حتى أن تشرب فنجان قهوة.  

على عكس الرجل، الذي يجب أن يظهر قدرة واحتمالاً، ويخوض الرجال في المآتم في الأحاديث العامة، وكأنها جلسة سمر عادية، لكن دون ضحك بصوت عال. 

أمضيت فترة المأتم شارداً. ثم أصبحت زيارة قبر أبي بعد صلاة العصر عادة يومية، أبقى هناك ساعات وساعات. أقرأ الكتب هناك، أتمشى بين القبور، أتنقل بين المقبرتين... ففي أرواد هناك مقبرتان تحيطان بالمدرسة الابتدائية.

القبور والقبة الوحيدة الناجية! 

تعرفت أكثر على الغرفة الوحيدة ذات القبة في أرواد، والتي تعود إلى أجداد أبي من جهة والدته من عائلة (حمود).  فقد هدم الأرواديون في فترة ما جميع القباب، وأبقوا على واحدة فقط. هي لعائلة جدتي من والدي وفيها قبور لأجدادي تعود لأكثر من ثلاثمئة عام. ولأنهم كانوا رجال دين متصوفين، لهم كرامات حسب ما بقي في الذاكرة الجمعية لأرواد، لم يتجرأ أحد وقتها على هدم قبتهم. 

تحولت المقبرة وقتها ولسنة تقريباً، مكاناً لراحتي النفسية وللتعرف على مجتمعي أكثر. أصبحت آلف الأمهات اللاتي يأتين يومياً لوضع الريحان على قبور أبنائهن. آلف بكائهن ونواحهن. آلف أحاديثهم ومشاكلهم. شكلت معهن صداقة، نتحدث بشكل شبه يومي. 

أصبحت أقرأ أسماء الناس على القبور، ثم أسأل عنهم. عن تاريخهم و ظروف رحيلهم، فتعمقت معرفتي أكثر بأرواد. تشكل لدي حلم أن أصبح يوماً كأحد أجدادي المتصوفين، كانت تؤثّرني جملة (العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة) التي كنت أقرأها دوماً على قبور أجدادي، سألت يوماً أحد كبار السن عن تاريخ الشيخ أحمد حمود، والد جدتي، فحكى لي عن تدينه وشطحاته الصوفية وعن عالم  أرواد أوائل القرن العشرين.

وجوه وعبقريات أرواد: الحلاق والشيخ والسياسي المعارض!  

في تلك الفترة تعمّقت علاقتي أيضاً بالشيخ (محمد حاج). كان حلاقاً لكنه يعمل في أغرب صالون حلاقة، فصالونه يحوي عشرات الآلاف من الكتب. لديه ثقافة موسوعية، يحفظ تاريخ أرواد وسوريا  بذاكرة من حديد. 

أذكر أني سألته يوماً عن كتاب يتحدث عن الشعر الحديث، فنظر إلي وتأمّلني قليلا، ثم أخبرني أنه قرأ كتاباً مميزاً في منتصف الستينات عن هذا الموضوع، غاب حوالي عشر دقائق في رفوف مكتبه،  وأعطاني ذاك الكتاب قائلا: "معاك أسبوع كامل لإنهائه".

محمد حاج كان من رجال أرواد القليلين المهتمين في السياسة. كان إمام مسجد (التحت). خطب ذات جمعة ضد النظام في أوائل التسعينات، فمُنع نهائياً من الصعود إلى المنبر بعد ذلك اليوم. 

لطالما كان محمد حاج قدوة لي، كنت معجباً جداً بعشقه للكتب. أحلم أن أصبح مثله، أو مثل شخصية أستاذ التاريخ إمام عبد الله (رشوان توفيق) في المسلسل المصري الشهير (المال والبنون).  

بقي محمد حاج يعمل في صالون الحلاقة لأكثر من ستين عاماً. كان يعاملني بشكل خاص لقرابة معه من جهة والدتي، ولأنه تتلمذ وتعلم على يد أخ جدي بالعشرينات من القرن العشرين. 

كان يحدثني طوال فترة الحلاقة عن الشخصيات التي كان يعشقها، عن الأدب والتاريخ والدين والفكر السياسي، عن القصائد والثورات. 

ولأني تحدثت عن الشخصيات التي أحببتها في أرواد؛ فلا يمكنني المرور دون التوقف عند شخصية الراحل (عبد الله هوشة)، تلك القامة السياسية والفكرية، الذي ترك بصمته في الحياة السياسية المعارضة في سوريا. فقد وُلِد في أرواد عام ١٩٤٠،  وعاش متخفياً عن النظام بين اللاذقية ودمشق لأكثر من عشرين سنة، وتولى مسؤولية المكتب السياسي للحزب الشيوعي بعد رياض الترك، لكنه لم يتأقلم مع العمل السياسي وطريقة عمل المعارضة، فاستقال عن الأمانة العامة للحزب. ربما لم تمنحني الحياة فرصة التواصل مع هوشة إلا افتراضياً، لأنه أمضى عمره متخفياً بين بيوت رفاقه، لذلك لم يترك في نفس أثر محمد حاج، لكنني أثره ببساطته ونقاء تفكيره.

مجانين أوراد وظرفاؤها وحكايات الجان!  

هذه آخر حلقة في سلسلة الذكريات هذه، رغم أن ذاكرتي تحمل الكثير الكثير مما أود عن أقوله. 

كنت أود لو سمحت لي الظروف أن أتحدث عن ظرفاء أرواد وأشعارهم وحكاياهم. 

عن مجانين أرواد، ممن قست عليهم الحياة، فانتهوا جوالين في أزقتها، مسببين لنا الخوف والفزع نحن الأطفال!

عن الحكايا التي تنتشر بين فترة وأخرى عن الجان وإبليس، فيصبح الليل في أرواد أكثر هدوءاً وغموضاً وسحراً. 

عن بعض الجرائم التي حدثت بها، وشكلت صدمة للوعي الأروادي، أعتقد أنها لم تندمل إلى الآن في نفسية كل من عاشها. 

عن الأسماء الغريبة لتلك الأزقة وحكاياتها (زاروب المالحة، الصنة، شيخ شرف الدين، أبرا صبرا) وعن صراعات النساء وشجاراتهن في بعض الأحياء، وطريقة ردحهم المميزة.

ما لم أحدثكم عنه... 

كنت أود أن أتحدث عن نفسي أكثر، عن تمكسي بالروتين بشكل مرضي (لولا أنني أحب الاختلاط كثيرا بالناس، لقلت عن نفسي أنني متوحد) وكيف أمضيت ثلاث سنوات الإعدادية أفطر يومياً وبذات الساعة صحن مسبحة من عند ذات الشخص، من مطعم لا اسم له، لكني كنت اسميه مطعم (شكري وسمير).

كنت يومياً أذهب في نفس التوقيت مساء لأشتري خبزاً ساخناً من فرن في أقصى جنوب أرواد. كنت أود أن أتحدث عن عادات نقل جهاز العروس على قرع الطبل، وكيف كنا نشارك فيها جميعاً، والنساء على البلكونات تحصي كل شيء! 

عن عشق الأرواديين للألقاب، بل أحياناً ما يطغى اللقب على الاسم والكنية نفسها، وبعض الألقاب وضعت حتى على ورقة النعوة.

كم أخبئ في ذاكرتني حكايا عن انقطاع الكهرباء ليلاً، فتجتمع العائلة لنروي الحكايا وأحياناً للغناء، وكثيراً للمدائح والأناشيد الدينية (يا ذا المكية، إنا لإنا، يا رسول الله يا حبيب الله). 

عن مكتبة الأشرطة الموسيقية التي وعيت على الدنيا عليها، وبكائي في كل مرة أسمع فيها أم كلثوم.

عن صلاتي كل عيد في أرواد ولعدة سنوات حتى بعد انتقالي للحياة في طرطوس ومن ثم اللاذقية ودمشق، وكيف يعايد الأرواديون جميعهم بعضهم بعضاً.

كنت أود لو سمحت لي الفرصة لأتحدث عن صراعات الطفولة، وكيف كنا نُنهي صداقتنا بكلمة (مباطشك) مع حركة ربط السبابتين ببعض ثم تفريقهم في إشارة إلى الرغبة في عدم التواصل، وعند الرغبة في إعادة المياه إلى مجاريها. كنا نجعل من السبابتين خطين متلاصقين، وكأنهما يمشيان مع بعضهما.

عن رغبتي حين كنت طفلاً، أن أمشي حافي القدمين كما يفعل الكثير من الأطفال في أرواد، لكن أهلي كانوا يُصرّون على إلباسي الحذاء مع الجوارب، عن سعادتي التي لا توصف حين كنت أهرب من البيت حافي القدمين.  

عن انطفاء الكهرباء ذات مرة أثناء حضوري لمسلسل الكارتون (ساسوكي)، فانتابتني ثورة غضب، وخرجت إلى الأزقة صارخاً، شاتماً كل شيء وبشكل هستيري، مع أنني كنت دوماً طفلاً هادئاً.

مئات الحكايا عن ذاتي وعن أرواد كنت أود الكلام عنها، لكني سأكتفي بهذا فقط.. وربما أكملها في كتاب. وداعاً.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات