لماذا تصمت الصواريخ الروسية في سوريا؟

مقال اليوم || د. علي حافظ 2022-09-13 08:42:47

الحرب الأوكرانية
الحرب الأوكرانية

ترتفع بين الحين والحين أصوات الأسديين منتقدة الروس على صمت صواريخهم إس - 300 وإس - 400 الموجودة في سوريا، وعدم استخدامها لردع هجمات سلاح الجو الإسرائيلي المتكررة، والتي أصبحت ظاهرة شبه يومية تحرج كبيرهم بعدما حلقت طائراته فوق قصره وهددت بقصفه ليختبئ إلى أبد الآبدين في أحد جحور قاسيون.. صحيح أن الانتقاد يأتي من أطراف داخلية كومبارسية كخالد العبود وفارس الشهابي ودريد الأسد، أو من قطيع الإعلاميين الممانعين الخارجيين كحسين مرتضى وعبد الباري عطوان؛ إلا أنه ينمُّ عن جهل وعدم معرفة بحقائق الأمور... طبيعي أن يصدر مثل هذا الهراء الزابد من أفواه الأسديين المُشبعين بالانحطاط والتبعية بعد كل غارة للطيران الإسرائيلي تدمّر ما تدمّر وتعود أدراجها سالمة مسلّمة، لأنهم لا يعرفون شيئاً عن إمكانات وقدرات هذه الصواريخ وخصائصها الدفاعية، وأنها مكلفة للغاية لا تستطيع المافيا السورية تحمل تكاليفها ولا حتى إيران، وأن استخدامها القتالي لا يكون فعّالاً إلا بإشراك أنظمة دفاع جوي متعددة الأغراض وتوافر المعدات المناسبة؛ وهذه الأشياء لا يمتلكه جيشهم التعفيشي الباسل. 

من أجل توضيح الصورة وفهم مغزى عدم استخدام الروس لصواريخهم لا بد من شرح كل شيء بالتفصيل نوعاً ما...

دعاية "فخر الصناعة العسكرية الروسية"

تم إنشاء صواريخ إس - 300 في نسختها المبكرة كجزء لا يتجزأ من نظام الدفاع الجوي السوفيتي، حيث شغلت المستوى الثالث بعد الطائرات المقاتلة ميغ وسوخوي، وصواريخ إس - 200 بعيدة المدى. تلخصت مهمتها في تدمير الصواريخ الباليستية وكروز، ومهاجمة طائرات الخصم التي تتمكن من التغلب على أول مستويين. لكنها عانت من عيوب شتى، لا سيما عدم قدرة رادارها على العمل باستمرار من أجل اكتشاف الأهداف المحلقة على ارتفاعات منخفضة وتوجيه الضربات الأولية نحوها، وبطء تحميلها وتجهيزها للعمل وإعادة شحنها... تم تسوية جميع أوجه القصور المُدرَجة بشكل أو بآخر داخل هذا النظام، وتعويض سرعة إعادة التحميل المنخفضة بوجود عدد كبير من صواريخ "سام" الجاهزة للإطلاق، وتلافي الفجوات من خلال تعاضد مختلف أفواج الدفاع الجوي الأخرى لتأمين بعضها بعضاً.

ثم ظهرت صواريخ إس - 400 عام 2007، وهي نسخ حديثة متكاملة لها خصائص أعلى بكثير من حيث المدى والارتفاع والسرعة وفعالية معدات استطلاعها وتخفيف الضوضاء المرافقة لإطلاقها... هناك حديث اليوم عن صواريخ إس - 500 بخصائص تكتيكية وتقنية غير مسبوقة تماماً؛ لكن يرافق هذا الموضوع الكثير من الدعاية الصفراء الرخيصة، التي قدّمتها على أنها أفضل أنظمة الدفاع الجوي الأرضية بعيدة المدى في العالم، ولا يمكن ببساطة مقارنتها مع مثيلاتها حتى من "عائلة باتريوت" الأمريكية. لكنها، مع ذلك، لم تختبر بشكل واسع خارج روسيا، إلا إذا استثنينا استخدامها على نطاق ضيق في أوكرانيا، حيث أثبتت فشلها الكلي وسقوط هالات أسطورتها طويلة الأمد.

الغياب في يوغوسلافيا وحل معضلة قبرص

ارتفعت الأصوات في روسيا أثناء الحرب اليوغوسلافية ربيع عام 1999 مطالبة بإرسال صواريخ إس - 300 إلى هناك. لكن، ربما، لم يعرف أصحابها المتحمسين آنذاك بأنها منظومة ضخمة للغاية من المعدات والأجهزة والآلات يصل وزنها إلى عدة أطنان وطولها - عدة أمتار؛ ومن الصعب نقلها جواً حتى في الظروف السلمية الهادئة... كانت العملية غير قابلة للتحقيق أساساً، ولا سيما في ظروف التفوق الجوي الكامل لطيران "حلف الناتو"، الذي كان قادراً على تعطيل مدارج أي مطار يوغوسلافي. كذلك حتى لو نُقلت عن طريق البحر فإن العملية ستستغرق وقتاً طويلاً، بحيث يمكن تدميرها قبل قدوم السفن الروسية المحملة بالصواريخ إلى الموانئ. وفي حال وصولها إلى هناك، ولم تتعامل معها قوات الناتو كما يجب، فإن رحلتها هذه ستكون الأخيرة، لأنها لا تملك حماية هيكلية ولا أسلحة دفاعية خاصة بها. أو ربما ستدمّر في الطريق نحو منطقة الانتشار، أو أثناء وضعها في حالة الاستعداد القتالي... ببساطة، كان لدى يوغوسلافيا دفاع جوي بدائي ضعيف وغير كامل لتغطية أبعاد هذه الخطة. لذلك قد تتحول منظومة إس - 300 إلى مجرد خردة ثقيلة الوزن، بحيث لا يحتاج الأمريكيون إلا لبضع صواريخ توماهوك إضافية من أجل تدميرها! 

وفي الوقت نفسه تقريباً، قررت روسيا بيع صواريخ إس - 300 إلى قبرص؛ رغم أن دفاعها الجوي كان بعيداً كل البعد حتى عن المستوى اليوغوسلافي. خلق هذا الاستحواذ وضعاً صعباً ومعقداً، أثار حفيظة جارتها اللدود تركيا، لأنه يمكن لتلك الصواريخ إسقاط الطائرات فوق أراضيها من الناحية النظرية. ما لبثت أن أعلنت رسمياً أنها ستدمرها فور نشرها هناك؛ وكانت تستطيع فعل ذلك، لأنه لم يكن هناك حتى الوقت الكافي لتشغيلها. ولكن حتى لو وضعت في حالة الاستعداد القتالي، فإن تركيا قادرة على تحييدها بواسطة طائرات إف-16 الأمريكية الحديثة. 

نتيجة لذلك، تم إرسال إس - 300 إلى اليونان لتنشر في جزيرة كريت؛ وبدلاً من ذلك أعطيت قبرص أنظمة دفاع جوي قصيرة المدى من طراز آخر!

مسرحية صواريخ إس – 300 الصامتة في سورية

حسب البيانات المتاحة، جلبت روسيا إلى سوريا ثلاث منظومات مختلفة من صواريخ إس - 300 وإس - 400.. نُشرت في شمال غرب البلاد، بالقرب من المنشآت العسكرية الروسية. وهنا لم يصدق الأسديون أنفسهم حتى أطلقوا العنان لتصريحاتهم الدعائية البلهاء: "الآن السماء السورية مغلقة بإحكام"؛ "سنلجم سلاح الجو الإسرائيلي"؛ "لن تستطيع إسرائيل قصفنا بعد الآن"... لكن هذه الأخيرة استمرت بالقصف، ولم يردعها أحد لا من قريب ولا من بعيد، ما سبّب إحراجاً لـ "القيادة الحكيمة" التي فضلت الصمت غالباً، أو الاكتفاء بتصريحات دأبت على ذكرها منذ الابتلاء بحكمها البغيض: "سنردّ في المكان والزمان المناسبين!!". 

كانت التبريرات جاهزة دائماً، ففي البداية قالوا إن صواريخ إس - 300 المنتشرة في شمال غرب سوريا لن تصل ببساطة إلى جنوب غربها أو عاصمتها، حتى لو تم الهجوم على ارتفاعات متوسطة وعالية. لكن إسرائيل لم تكتفِ بقصف تلك الأهداف فحسب، وإنما وسّعت دائرة هجماتها ووتيرة قصفها حتى شملت كل أنحاء سوريا. ما دفع وزير خارجية النظام فيصل المقداد للقول مؤخراً: "إسرائيل تلعب بالنار!"؛ و"سوريا لن تسكت في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وسيدفع الإسرائيليون الثمن عاجلاً أم آجلاً"...

ثم صرّحوا، بطريقتهم الهزلية المُشبَعة بالغباء، بأن الطائرات الإسرائيلية لا تدخل المجال الجوي السوري، وإنما تعمل عن بُعد، أي من المجال الجوي اللبناني الذي لا يحقّ لنا، من الناحية القانونية، إسقاط الطائرات المعادية فيه قبل أن تسمح لنا حكومته بفعل ذلك!

في الحقيقة، تعاني صواريخ إس الروسية من مشاكل كثيرة: انخفاض معدل إعادة تحميل القاذفات، واستحالة تشغيل الرادار في وضع ثابت. زد على ذلك حجمها الضخم جداً وطولها وعدم قدرتها على التحرك مثل جميع أنظمة الدفاع الجوي متوسطة وطويلة المدى. ولديها مشاكل كثيرة في أفق رادارها، حيث يُرفع على أبراج بطول 40 متراً، من أجل توسيعه لبضعة كيلومترات فقط. إضافة إلى احتياحها تلقائياً وباستمرار إلى من يطير في السماء لمساعدتها في تحقيق أهدافها.

تصبح إس - 300 العنصر الأرضي الرئيسي والحاسم في الحرب إذا امتلكت البلاد دفاعاً جوياً متوازناً مع أفراد مدرَّبين جيداً. وإذا لم يكن لديها، فإن هذه الصواريخ ستكون ببساطة عديمة الفائدة.. الدفاع الجوي الأسدي بعيد كل البعد عن الكمال، ووجود مثل هذه الصواريخ على الأراضي السورية دون دعم جاد من أنظمة الدفاع الجوي الأخرى سيحوّلها إلى نوع من التركة الثقيلة. 

من المعروف أن طائرات سلاح الجو الإسرائيلي تحلق على ارتفاعات منخفضة بين الجبال اللبنانية، ولا يمكن لأي رادار أسدي في هذه اللحظة رؤيتها. ثم تقوم بقفزة قصيرة لإطلاق صواريخها على أهداف ذات إحداثيات معروفة مسبقاً، وبعد ذلك تغطس على الفور بين الجبال وتغادر إلى قواعدها.

نظراً لأن رادارات إس - 300 لا يمكنها العمل في وضع ثابت، فإن نظام الدفاع الجوي يحتاج إلى تعيين هدف خارجي من قبل وسائط أخرى. ولو افترضنا أن المنظومات الأسدية، أو حتى نظيراتها الروسية، عملت بشكل لا تشوبه شائبة وأخطرت عن قفزة الطائرات الإسرائيلية من خلف الجبال اللبنانية، فإن الأمر سيستغرق بضع دقائق لتشغيل جميع أنظمة إس - 300، واجتياز اختبارات التحكم الوظيفية، وتشغيل جميع رادارات الإشعاع لاكتشاف الأهداف وتتبعها. خلال هذا الوقت، ستتمكن تلك الطائرات من إطلاق الصواريخ والغوص مرة أخرى وراء الجبال. لذلك من الأفضل للروس ترك الأسديين يطلقون صواريخ "سام" الخاصة بهم؛ لأنها عديمة الفائدة وأرخص بكثير من إس - 300 وإس - 400!

هل ترغب موسكو في المساعدة؟

حتى لو كان نظام الدفاع الجوي جاهزاً للتصدي للطائرات الإسرائيلية في اللحظة التي تقوم فيها بالقفز، فهذا لا يضمن النجاح أيضاً؛ لأنه ستغوص قبل أن تصلها الصواريخ الدفاعية. وهذا سيؤدي في النهاية إلى تعطيل التوجيه وتدميرها ذاتياً. ومع ذلك، فإن هذا الخيار سيعطي بعض الفرص لإسقاط إحدى الطائرات، وليس الصواريخ التي أطلقتها. لتنفيذ هذا الخيار، من الضروري الحصول على معلومات مسبقة حول إقلاع الطائرات الإسرائيلية في الجو. لتحقيق هذه المهمة، يجب الاحتفاظ دائماً بعدة طائرات استطلاع متطورة في سماء سوريا، ويتطلب أيضاً وجود سفينة استطلاع واحدة على الأقل متمركزة بالقرب من السواحل الإسرائيلية؛ وهذا يتجاوز قدرات جيش "أبو شحاطة" الأسدي، ويتطلب مساعدة أكيدة من روسيا. لكن هل ترغب موسكو في ذلك، وهي مرتبطة بعلاقات دبلوماسية جيدة مع تل أبيب؟

إضافة إلى كل ما سبق، تملك إسرائيل أسرار تلك الصواريخ، فقد قام اختصاصيوها مع الأمريكيين بدراستها وفحصها بشكل جيد جداً عندما نشرت في جزيرة كريت اليونانية، ووضعوا الحلول اللازمة لتفادي خطرها. 

يمكن اعتبار سلاح الجو الإسرائيلي الأفضل في العالم، وفقاً لخصائصه النوعية ومعداته التقنية ومستوى تدريب طياريه الذين يعتبرون الأكثر تحليقاً في العالم؛ وهو يستطيع تدمير هذه الصواريخ بالأسلحة الحديثة التي يمتلكها.. هذا الخيار مكلف للغاية، لكن واشنطن ستدفع ثمن العملية المنشودة! 

من غير المرجح معرفة الأسديين بأن الطائرات التي أقلعت من المطارات الإسرائيلية ليست للتدريب، وإنما لتوجيه ضربة نحوهم، لأنها عندما تدخل المجال الجوي اللبناني سيكون الأوان قد فات تقريباً. كذلك قد يستخدمون الحيلة، ليستفزوا عمليات إطلاق صواريخ مكلفة للغاية؛ ومن ثم يوجهون ضربة موجعة أخرى. وبالتالي، لا يمكن أن يخسروا حتى طائرة واحدة إلا إذا فقدوا يقظتهم، كما حدث عندما أُسقطت لهم طائرة مقاتلة وقاذفة قنابل من طرازF-16I  في 10 فبراير 2018؛ وهي واحدة من التعديلات الأكثر تقدماً من ذلك النموذج في الولايات المتحدة!

لقد اعتبر هذا الأمر نجاحاً منقطع النظير للدفاع الجوي الأسدي، لكنه نجاح واحد ويتيم ولا يمكن تكرارها في المستقبل!

سقوط هيبة الأسلحة الروسية في أوكرانيا

لا شك أن الدعاية الروسية قوية، ,لاسيما بعد استخدامها وتجريبها الناجح للعديد من الأسلحة والذخائر في سوريا، حيث لم يكن هناك دفاع جوي لدى فصائل الثورة والمعارضة من أجل إحراج أصحابها وإسقاط هيبتهم والأساطير المتعلقة بأسلحتهم؛ وهذا ما تقوم به أوكرانيا اليوم!

لقد باع الروس صواريخهم تحت هذه العلامة التجارية في جميع أنحاء العالم. لكن بعد الهزائم في أوكرانيا من الصعب الاعتقاد بأن هناك دولاً ستشتري هذه الأنظمة المضادة للصواريخ، وأغلب الظن أن أولئك الذين اشتروها سيندمون على ذلك كثيراً!

صرّح الخبير العسكري ورئيس "المركز الأوكراني للأمن والتعاون" سيرغي كوزان على هواء "راديو NV" في 12 يوليو 2022 بأن الأسلحة الأمريكية، وخاصة "هيماريس"، دمّرت أسطورة المناعة التي لا تُقهر لأنظمة الصواريخ الروسية المضادة: "أظهرت الأسلحة الأمريكية مستوى عالياً من الفعالية، حيث هزمت كل تلك الدعاية التي استخدمها الروس للإشادة بأن صواريخهم إس - 300 وإس - 400 لا تُقهر". وأضاف الخبير أن أوكرانيا قد دمّرت في الواقع جدواها العسكرية في ساحة المعركة: "اليوم هناك ذعر حقيقي في روسيا. وحتى مطالب سخيفة حول الحاجة الماسّة إلى تطوير نوع من الإجراءات المضادة لصواريخ "هيماريس" التي تمكنت من الوصول إلى مجمعات إس - 300 وإس - 400 المصممة أصلاً لإسقاط هذه الأمريكية".

لعبة جيوسياسية كبرى

إن نشر منظومات الإس في سوريا لا يُعد سوى جزء من المشاركة الروسية في اللعبة الجيوسياسية الكبرى. فقد كان هناك حاجة سياسية لتزويدها بها، لكن من الناحية العسكرية لم تحصل سوى اسمياً على هذه الصواريخ، حيث تتحمل موسكو تلقائياً عواقب وتكاليف هذا.. يقول الجانب الروسي إن منظومة إس - 400 في "قاعدة حميميم" تغطي حصرياً منشآتها في سوريا، وباعتبارها لم تتعرض للهجوم من قبل الإسرائيليين فلا يمكن استخدامها ضدهم. وهنا يمكن أن نسوق تصريح نائب مدير "معهد التحليل السياسي والعسكري" ألكسندر خرمشيخين الذي استفدت من أبحاثه القيمة في كتابة هذا المقال: "نحن لسنا ملزمين بتغطية أي طرف آخر، لأنه لا أحد على الإطلاق مدين لنا بأي شيء بتاتاً في أي مكان خارج روسيا عموماً، وفي سوريا خصوصاً". 

بعد هذا التصريح، لا يتبقى للأسديين سوى العار والعواء بتصريحات بائسة فارغة مجترّين كلامهم عن الصمود والتصدي، والدبك في الساحات فرحاً بانتصاراتهم الواهمة على عدو كان وما زال بمثابة الصديق المُنقِذ لهم دائماً!

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة