رحيل الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين: انتقد موقف أدونيس من الثورة والجوامع واعتبر أنه أفلس شعرياً!

ثقافة وفنون || محمد منصور 2022-09-12 14:50:14

الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين
الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين

عن عمر يناهز الثمانين عاماً، رحل فجر أمس الأحد 11 أيلول/ سبتمبر 2022، الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين بعد انتكاسة صحية لازم خلالها المستشفى.

الفقيد المقاوم

ونعت ابنته الشاعرة رباب شمس الدين في صفحتها على الـ(فيسبوك) أباها الذي وصفته بالشاعر المقاوم قائلة: "بمزيد من الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره ننعى إليكم وفاة شاعر وأديب لبنان وجبل عامل فقيدنا المقاوم الدكتور محمد علي شمس الدين وسيوارى الثرى في جبانة بلدة عربصاليم". فيما نعاه الشاعر اللبناني المقاوم أيضاً شوقي بزيع قائلاً: "إن شمس الدين لم يسقط كما تسقط الأوراق عن فروع صيفها الآفل، أو كما تسقط فكرة نافلة من عتمة الذاكرة، بل كما تسقط المدن والنيازك وأبطال الملاحم القديمة".

إلى جانب حشدٍ من الشخصيات الاجتماعية والدينية من وجوه الطائفة الشيعية وحشد من الأدباءِ والشعراء، شارك النائب هاني قبيسي في موكب تشييع الشاعر شمس الدين إلى مثواه الأخير في بلدة عربصاليم ممثِلاً لرئيس مجلس النواب نبيه بري زعيم حركة أمل، فيما شارك رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ممثلاً لميليشيا حزب الله الممولة إيرانياً، والذي علق لافتة نعي حملت صورة الشاعر وحزب الميليشيا الصفراء متبوعاً بعبارة إنشائية ركيكة: " الشاعر الأستاذ محمد علي شمس.. قلبك نبض القوافي، وعشق الوطني للقصيدة في وجه الشهداء". 

انتمى محمد علي شمس الدين لمحور المقاومة والممانعة.. ربما شذّ عنه قليلاً، أو تجرأ على رؤية الحقيقة التي تخفيها شعارات العمى والضلال، حقيقة أن في سورية: “هناك توريث لسلطة دكتاتورية قمعية، وتأبيد لهذه السلطة، واستثمار ريعي للثروة، سواء كانت هذه الثروة هي النفط أو الخدمات أو السياحة” كما قال، لكن هذا لا يعني أنه أصبح مناصراً شرساً للثورة السورية، أو مدافعاً مبدئياً عنها، كما فعل مثقفون لبنانيون كالروائي إلياس خوري، والشاعر يوسف بزي، والباحث زياد ماجد، ولا ننسى أن حزب الله ورّط محمد علي شمس الدين في المشاركة في لجنة تحكيم (جائزة قاسم سليماني للأدب المقاوم) التي تهدف إلى تخليد اسم إرهابي ساهم في قتل شباب وأطفال سورية والعراق واليمن، وكان عنوان التورط الإيراني المذهبي في المنطقة.

لا أحد يحدد من أين تخرج الثورات يا أدونيس! 

لكن وللإنصاف فإن محاولة حزب الله التمسح بالشاعر لا تكفي لتقييم موقفه السياسي من ثورات الربيع العربي كليةً، وهو الذي لم ينكر جدارة الثورة السورية وأسباب اندلاعها الحقيقية المرتبطة بديكتاتورية، والذي رد على أدونيس في رفضها لأنها خرجت من الجوامع، ففي حوار معه نُشر بعد خمسة أشهر على اندلاع الثورة السورية، قال شمس الدين رداً على سؤال: ما رأيك فيما يحصل اليوم في سوريا، وهل أنت مع مقولة أدونيس بأن الثورة يجب ألا تخرج من الجوامع؟

"لا أحد يحدد من أين تخرج الثورة، لا من الجوامع ولا من الخمارات، وإذا كان رأي أدونيس أن الثورة ذات الجذر الديني هي مرفوضة، فهو رأي غير صحيح لا تاريخياً ولا نظرياً، ولكن أن نقول إن كل ثورة هي بالضرورة ذات جذر ديني أيضاً مرفوض، الثورة دائماً مفاجئة ". وتابع يقول عن ثورات الربيع العربي: 

" إنها ثورات مفاجئة وجديدة، والبطل فيها هو إنسان فيسبوك وتويتر، وجمهورها هو الحشود المتجمعة في كل الأماكن من بؤر أو ساحات. هذه الثورات لم تنشأ في لحظة بل كانت مثل البراكين تتراكم وتتجمع في مواجهة أنظمة قمعية وراثية دهرية دكتاتورية، على اختلاف تسمياتها سواء كانت ملكية مطلقة أو جمهورية أو راديكالية إسلامية".

نزار أبرز شعراء الغضب العربي 

وفي حين وصف نزار قباني بأنه من أبرز شعراء الغضب العربي، أكمل محمد علي شمس الدين ازدراءه أدبيا لأودنيس والتعبير عن إفلاسه شعرياً حين قال "قلائل هم الشعراء الذين أنتظرهم وأنتظر أعمالهم، حتى إن هناك شعراء كبارا لا أنتظرهم" وعندما سئل من الشعراء الذين ينتظرهم قال بوضوح: 

" أدونيس مثلاً لا أنتظره، وكثير من الشعراء الآخرين أيضاً لا أنتظرهم، من الذين أنتظرهم مثلاً الشاعر المنصف الوهايبي في تونس، أما في لبنان، فقد انتظرت طويلاً حسن عبد الله ولم يأت، لكني ما زلت أنتظره".

لأسرة متواضعة في قرية بيت ياحون ولد الشاعر محمد علي شمس الدين عام 1942 في قضاء بنت جبيل، وفيها تعلم في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، قبل أن ينتقل إلى بلدة عربصاليم قرب النبطية.  انتقل إلى بيروت لينتسب إلى الجامعة اللبنانية في ستينيات القرن العشرين ويحصل على بكالوريوس في الأدب العربي ثم على إجازة في الحقوق، ومن ثم ماجستير ودكتوراه في التاريخ.

عمل مديراً للتفتيش والمراقبة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في لبنان، وكان رئيس المفتشين في الضمان الاجتماعي، قبل أن ينغمس في الصحافة الثقافية، ويشرف على تحرير أبواب وزوايا ثابتة في العديد من الصحف والمجلات اللبنانية، كـ(السفير) لصاحبها طلال سلمان، و(الكفاح العربي) التي كان يمولها القذافي ومقربة من النظام السوري لصاحبها وليد الحسيني. 

إنتاج شعري غزير ومسيرة أدبية حافلة

بدأ محمد علي شمس الدين بنشر أولى قصائده في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وأصدر ديوانه الأول (قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا) وقد تجاوز الثالثة والثلاثين من العمر، (صدر عن دار الآداب اللبنانية عام 1975) أما ديوانه الثاني (غيم لأحلام الملك المخلوع) فقد صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام (1977)، تلاه (أناديك يا ملكي وحبيبي) عن دار الآداب 1979 ثم: (الشوكة البنفسجيّة) 1981 و(طيور إلى الشمس المرة) 1988 و(أما آن للرقص أن ينتهي)  1992و(يحرث في الآبار) 1997 و(منازل النرد) 1999 و(ممالك عالية) 2003 و(شيرازيات) 2005 و(اليأس من الوردة) 2009 و(نام على الشجر الأخضر الطير) 2012 و(النّازلونَ على الريح) 2013 و(كرسيٌّ على الزبد) 2018 دون أن ننسى كتاباته النثرية (الرياح الحجرية) 1981، (كتاب الطواف) 1987 (حلقات العزلة) 1993 ودواوينه الشعرية التي تنوف عن خمسة عشر ديواناً آخرها: (للصبابة للبلبل وللملكوت) عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع في عمان عام 2021 وكانت دار سعاد الصباح قد أصدرت دواوينه الكاملة حتى عام 1994في طبعة خاصة. 

كان محمد علي شمس الدين، مكثراً في النشر، حاضراً على صفحات المجلات الثقافية، ناشطاً في المجال الثقافي العربي وفي الملتقيات والمهرجانات الشعرية، فإلى جانب عضويته في اتحاد الكتاب اللبنانيين، كان عضواً في اتحاد الكتاب العرب في سوريا، وكان عضو شرف في اتحاد الكتاب الأردنيين، وقد حاز على جائزة سلطان العويس الثقافية في مجال الشعر- الدورة الـثانية عشرة: 2010 – 2011 لكن رغم ذلك كله، لم يكن من الشعراء الذين يبحث القراء عن دواوينهم، أو يحفظ شعرهم في ذاكرة عشاق الشعر، فقد مثل موجة الحداثة في الشعر العربي في صورتها النخبوية المتشابهة في أحيان كثيرة، وإن كان سجله الشعري لا يخلو من قصائد عذبة، وذات تركيبة أدبية فريدة ومنها قصيدته عن الشاعر الحمصي ديك الجن (عودة ديك الجن إلى الأرض) التي يشبه نفسه بهذا الشاعر الغرائبي البوهيمي المجنون: (أنا هو ديك الجن، والريح كذلك، أحب الريح التي تهب، الريح العنيفة). 

كان محمد علي شمس الدين ناقداً ذواقاً، وقد كتب عن الشعر والشعراء وأسهم في اكتشاف مواهب حين كان يحرر باب (أقلام للمستقبل) في مجلة (الكفاح العربي) في الثمانينات، كما إن مقالاته النقدية في مجلة (العربي) الكويتية الشهيرة في العقدين الأخيرين ومنها مقاله المهم عن سعيد عقل في الملف الذي خصصته المجلة عنه عام 2012، تشهد بعمق إسهاماته، ممزوجة بترفعه ونبل شخصيته الأدبية، التي سوقته أكثر مما فعل شعره. 

هوامش

(1) و(2) محمد علي شمس الدين: الثورات العربية فاجأت المثقف. – الجزيرة نت: 28/8/2011

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة