رواية "مطر أحمر" لرانية عيسى: الهوية المسلوبة للأكراد والذاكرة المتناثرة في اللجوء

ثقافة وفنون || أورينت نت - دلال إسحق 2022-09-09 09:33:56

تصميم أورينت
تصميم أورينت

في السنوات الأولى للثورة السورية قرأت منشوراً أدبياً على منصة لم أعد أذكر اسمها، وبالتأكيد ليس ذلك مهماً، بل محتوى المنشور والذي بحسب ما أذكر كان كما يلي: "ليس هناك نوع أدبي قادر على مواكبة هذه المرحلة إلا السرد". 

بعد مرور كل تلك السنوات أفكّر بمدى جدارة تلك الفكرة ودقتها، فهل استطاع السرد سورياً كان أم عربياً مواكبة المرحلة؟ 

برأيي المتواضع نعم، فبمراجعة سريعة للناتج الذي طُرح في الساحة الأدبية والذي يتخذ من الهم السوري موضوعاً رئيساً سنجد أنه نتاج كبير وجيد في عدد كبير من مواده. كما لا بدّ من الإشارة إلى التنوع في الطرح، فالزوايا التي تم التصوير من خلالها لم تقتصر على الآلة الإعلامية وما تقدمه، بل حاول معظم الكتّاب أخذ دور الصحفي الميداني فتوغلوا في عمق المأساة وصبّوا تركيزهم على الحالات الفردية؛ ليكتبوها مشاركين الآخر بالهم الجمعي.

ناصر السوري الفلسطيني وجوان الكردي: تآلف واختلاف

من بين تلك الأعمال التي تثير الاهتمام بسبب تركيزها على حكاية الفرد في الدرجة الأولى والهم السوري بشكل عام، رواية (مطر أحمر) للكاتبة الفلسطينية "رانية عيسى" والصادرة حديثاً عن دار عشتار للنشر.

بطريقة أو بأخرى تحاول الكاتبة منذ بداية روايتها الشروع في الحكاية، فتسلّم زمام السرد بداية لشخصيتيها الرئيستين: (ناصر ) وهو فلسطيني سوري، و(جوان) وهو كردي من القامشلي، حيث يرويان حكايتهما المختلفتين المتآلفتين، فيبدآن كلٌ من نقطة معينة؛ ليلتقيا في ما بعد ضمن السردية العامة. بداية يتمعّن ناصر في تقديم قصة اللجوء ومحاولاته في التملص من بين فكي الحرب التي عصفت بالبلاد (سوريا)، بينما جوان فضّل البدء بطريقة كلاسيكية، فراح يروي القصة منذ بداياتها، فأتى بلمحات من طفولته، مدينته "القامشلي"، معاناتهم مع الهوية التي منعها عنهم النظام السوري، بالإضافة إلى ولعه بالشعر، ذاك المخلوق الذي - بحسب قوله - غيّر مجرى حياته مرتين، المرة الأولى حين أمسك بيده وأخذه إلى قرار ترك سوريا، والمرة الثانية حين جمعه بحبه الأول "ريم" وزواجها منه.

أمعنت "رانية عيسى" في خلق شخصيات قد تظهر على أنها ثانوية، لكنّ المتتبّع لخلفية تلك الشخصيات وتأثيرها على خط سير الرواية سيكتشف بأنها رئيسية، فعلى سبيل المثال حضرت "ريم" الفتاة التي أحبها جوان في صباه وتقدم لخطبتها "ناصر" في ما بعد، وهذا ما يؤكد الاختلاف المتآلف والمترابط في أحداث الرواية، فيظهر جلياً من خلال هذه المفارقة. إلى جانب كون اللغة التي تتحدث فيها الشخوص هي لغة متفاوتة، فبينما تتكئ لغة جوان وناصر على الحكائية المستقرة الخالية من المطبات على مستوى الحدث أيضاً، فإن لغة ريم تنزح نحو السريالية الرمزية أكثر، وهذا ما يجعل التنوع صفة تزيد جمالية "مطر أحمر". 

 

مزج الحاضر بالماضي

تشتغل الرواية في معظم فصولها على موضوعات متعددة بدءاً من إعلان نظام أسد إشعال المحرقة ضد أحلام السوريين العُزَّل، إلى تبعثر عشرة ملايين سوري في بلدان اللجوء ثم تفكير معظمهم باللجوء للمرة الثانية إلى بلدان أكثر استقراراً حتى وصول الناجين منهم إلى جنّاتهم الموعودة "أوروبا، أمريكا، وكندا"، حيث تدور معظم أحداث الرواية في تلك الأخيرة. وتعتمد "رانية" في سرديتها على خاصية “الفلاش باك” كمزيج بين الحاضر والماضي الذي تقوم بجلبه لكشف الأحداث شيئاً فشيئاً، وإن الإتقان في ربط خيوط السرد بهذه الطريقة قد يسبب مأزقاً إن لم يكن السارد على إلمام كامل بما أنجزه، فالقارئ سيشعر بالملل وربما بالتشتت؛ لحين تُكشَف الرواية في النهاية.

"أوزّع ابتساماتي وأهزّ رأسي، أردد على مسامعهم المقولة الشهيرة: "إن التحديات الصعبة هي فرصة لكي ننمو ونتطور ونتعلم". مجرد قطعة حلوى ملفوفة بقشرة ملونة أحاول بها إلهاء اللاجئين، ولكنني أدرك في قرارة نفسي كم هو عميق جرح الانسلاخ عن الذات القديمة التي اعتدناها، وكم هي جارحة تلك الشهقة التي تمتد لسنوات ونحن نحاول استعادة أشلائنا المتناثرة ولملمة أطرافنا المبعثرة بين المدن."

 

صدمة ما بعد اللجوء

يظن اللاجئ حين نجاته من الحرب أنه خرج من كل ما يتعلق فيها، وأن بلدان اللجوء ستؤمن له راحة البال، لكن الكاتبة أرادت تبيان العكس، وفي الغالب هو الصحيح، فجميع شخوص روايتها كما في الواقع، يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، كل منهم يتعامل مع أشباحه بطريقة مختلفة، وهذا يُحسب للكاتبة، فقد استطاعت أن تنقل شعور كل شخصية على حدة، ودخلت في عمق مأساتها ومشاكلها النفسية التي خلّفتها المعاناة، ونقلتها بكل أمانة، فعلى الرغم من أن (جوان) غادر سوريا وحصل على الجنسية الكندية، معتقداً أنه بذلك غدا شخصاً جديداً، إلا أنه وأثناء عراكه مع (ناصر) صديقه الوحيد الذي صرخ في وجهه: "واحد كردي متلك" اكتشف أنه لم ينسَ أو يتجاوز مرحلة عيشه البائس في مسقط رأسه، والمشقات التي كابدها هناك، كما أنه لم يتمكن من الانسلاخ عن ذاكرته بدليل أنه لم ينسَ "ريم" وظل متمسكاً بحبه لها إلى أن تزوجها في نهاية المطاف. 

وفي بعض المواضع انحازت الكاتبة إلى الرمزية العالية لتفرغ الجوانب النفسية للشخصية، وكأنها تريد من القارئ أن يعيش هلوسات الشخصيات ويرى العالم من خلال عيونهم، وربما نستطيع أن نردّ اعتماد الكاتبة على سرد روايتها على لسان عدد من الشخصيات إلى كونهم مختلفين عن بعضهم من حيث المنشأ والخلفية الثقافية والتجارب الحياتية التي خاضوها أثناء الحرب ورحلة لجوئهم في ما بعد، هذا بالإضافة إلى تعرُّفنا على كل شخصية من وجهة نظر بقية الشخصيات، وكيف تؤثر على بعضها البعض وعلى المحيط.

"رآني من الداخل، حيث لا أجرؤ أن أطيل النظر، ذلك المكان الموحش، حيث النوافذ مسدودة، والنجوم مريضة، والهاوية تنتظر. هناك يضيع الأطفال، وتحترق أجنحة الفراشات، وتنهار الجسور تحت أقدام المشاة. لا يمكن الاقتراب من تلك المنطقة، سوف أسقط في البئر العميقة، سوف أضيع! أنا مسخ من مسوخ الحكايات المرعبة."

وفي النهاية نستطيع تحميل رواية "مطر أحمر" صفة العمل الذي تماهى مع ما بعد الحرب السورية، وعالج ارتداداتها على النفس.

 

عن الرواية والكاتبة:

• جاءت الرواية في 304 صفحات من القطع المتوسط وهي صادرة عن دار عشتار للثقافة والنشر والتوزيع – كندا.

• رانية عيسى: كاتبة فلسطينية كندية، تعمل مع المنظمات المحلية والدولية والمنظمات غير الربحية في سوريا وكندا. صدر لها كتابان:

- لما طارت الخيمة، قصة لليافعين، كتب لأجل سوريا 2014.

- أنا الحياة، رواية، دار بيجز 2016.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة