الاقتتال الفصائلي في شمال غرب سوريا من منظور مختلف

مقال اليوم || عيسى المحمد 2022-09-06 10:13:36

تعبيرية
تعبيرية

في كتابها الشهير "أيخمان في القدس... تفاهة الشر" أبدعت المفكرة الألمانية الأمريكية "حنّا أرندت" في روايتها التي نسجتها حول محاكمة أدولف أيخمان، التي كانت غير مألوفة أثناء المحاكمات التي ضربت أطناب النازية في نورمبيرغ.

 افترضت أرندت في هذه المحاكمة أن لدى المحكمة هدفاً واحداً هو تحقيق العدالة، ولم تكن هذه المهمة سهلة، لأن المحكمة التي أوكلت إليها محاكمة "أيخمان" تعاملت مع جريمة لا يمكن إيجادها في كتب القانون، ومع مجرم لم يكن معروفاً من قبل محاكمات نورمبيرغ. صاغت أرندت من خلال متابعتها للمحاكمة مصطلح "تفاهة الشر"، والذي يعبّر عن تلك المحاكمة. 

بحسب أرندت، "تفاهة الشر ليست نظرية شاملة، إنما عبارة عن فكرتين متقاطعتين؛ أيخمان لم يكن شخصاً شيطانيّاً، كان شخصاً عادياً، لكن الرجل نفسه كان تافهاً". ذلك أن جرائمه ما كانت إلا محاولة للترقي الوظيفي، وأشارت "أرندت" إلى أن الخير وحده مستقر في نفوسنا، بعكس الشر الذي لا يمكنه أن يكون كذلك؛ لسطحيته، أي إن الإنسان يولد خيِّراً بطبعه، وإذا ما تم دفعه للشر؛ فلا يتم ذلك بمحاضرات عميقة أو دروس مطولة، فلا يحتاج إلى اعتقاد كما هو الخير، لأنه سطحيّ في النفس يحجب العقل عن رؤية النتائج، وتأتي ظاهرة الاقتتال الفصائليّ في هذا السياق، فلا يحتاج المشاركون فيه إلى محاضرات لإقناعهم بأنه شر، يكفي التلميح بأن هناك غنائم بانتظارهم.

في ظاهرة الاقتتال الفصائلي، يصبح الشر والمنطق كفرسَي رهان في عقل المقاتل، مما يؤدي إلى الإرباك في التفكير، وبالتّالي تفشلُ عمليةُ التفكير ويخسرُ الضمير الذي يعني هنا" معرفة الفرق بين الحق والباطل"، فيتولد بالوقت نفسه شعورٌ بالذنب والبراءة، فيصعب جدّاً على المقاتل الاختيار في أي الصفّين يكون، إلا أنّ هذا الشعور وبكل أسف لا يُعتدُّ به؛ لأنه في الواقع لا يمثل إشارة البتة حول الحق والباطل، فمعرفة الحق والباطل تتطلب نظرة خاصة من صاحبها، وهنا لا يمكن إيجاد هذه النظرة، لأن صاحبها لا ينظر بعين رأسه بل بعين قائده، وهنيئاً لمن نظر في هذه الحالة بعين جبنه، أي إنه بعد فشله في الحكم على ما يحدث أنه شر أو خير، لا يبقى أمامه سوى تنفيذ الأوامر، وبالتالي لا عزوف عن المشاركة إلا إذا تملكه الخوف.

من جهة أخرى، لا يتعاطف الناس مع الفصائل أثناء الاقتتال، ولعل علم "الفيزيوغنومي" يوضح لنا لماذا يغيب التعاطف في هذه الحالة، "هذا العلم يركز على الشكل الخارجي للشخصية"، ذلك أن أشكالهم وهم في هذه الحالة (الاقتتال)لا تُثير أي شفقة تذكر، وإذا ما حاول أحدهم تقديم النصح لهم بأنهم يخوضون في دمائنا دون أن يشعروا، فليس لأحدهم القدرة على تبرير ما يجري بطريقة مقنعة، فالناس تدرك دناءة الدافع للاقتتال، فلا يمكن إقناع المشاركين بسهولة.

المتخصص في علم النفس البيولوجي "يواخيم باور" قال: إذا كان العنف ناتجاً عن رغبة البعض بانتزاع إعجاب وتقدير الآخرين، فإن هذا الأمر رغم تناقضه الظاهر يبدو ثابتاً من الناحية العلمية، فرغبتنا في أن يعرفنا الناس، وما يوافق ذلك من نشوة كيماوية تتفاعل خلال المخ، قد لا تدفعنا دائماً لإقامة علاقات إيجابية متفاعلة مع الآخرين، بل قد تدفعنا إلى عكس هذا الاتجاه (فتكون النتيجة قتل الآخرين وقطع الاتصال معهم)، لقد فعلت العزة بالإثم فعلتها، دافع الخروج المصحوب بسيلٍ عرم من الأسئلة يشكل إرباكاً في الفكر، وبالتالي غياب حالات الانشقاق في حال بدأ الاقتتال. 

كل فرد فيهم يشكل "ترساً صغيراً في آلة" تعمل لصالحنا ساعة من نهار، ولمصالح مشغليها التي تُعتبر في معظمها دون مصالحنا وتطلعاتنا، ساعات وساعات، بالرغم من أنهم كأشخاص عاديون جداً، إلا أن جريمتهم هذه بحقنا وبحق أنفسهم هائلة، الواحد منهم لم يفعل أي شيء من تلقاء نفسه، ولم يكن لديه أي نية لفعل الخير أو الشر؛ إنه لم يفعل شيئاً سوى طاعة الأوامر، فينفذ دون تفكير واعٍ منه ولا فكرٍ حقيقي يحركه، من المؤسف أن أقول: إن الذي لا يحكّم عقله وضميره في مثل هذا الموقف، ويخوض في دماء أبناء جلدته لإرضاء قائده، هو شخص تافه ومستعد لفعل أي شيء للحفاظ على ما هو فيه.

أخيراً، هذه الظاهرة تدخل في المعنى الواسع للشر، ولذلك، يجب أن نساعدهم على التفكير بطريقة مختلفة، فما يقومون به يعطي لمحة صادمة عن مدى التدهور في الحياة العامة الذي سببته تصرفاتهم، نريد من كل واحد منهم أن يتصرف كإنسان، إنسان فقط، أيضاً لا يقتصر الشر الاعتيادي على العسكريين فقط، بل يمكن أن يجد طريقه إلى تافهين في القطاع المدني ممن يتسلطون على الناس بحجة القوانين، وأنهم لا بد لهم من تنفيذ ما يُملى عليهم من أوامر.

 

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات