أرواد ذاكرة المكان والإنسان-5: موظفو الشرطة والمعلمات من طرطوس.. ولا علاج إلا في مشافي طرطوس!

ثقافة وفنون || أورينت نت - أحمد عسيلي 2022-09-03 09:46:57

أرواد ذاكرة المكان والإنسان.. وحلقة جديدة حافلة بالوقائع والذكريات
أرواد ذاكرة المكان والإنسان.. وحلقة جديدة حافلة بالوقائع والذكريات

لا أخفيكم سراً، أنني حين بدأت بكتابة سلسلة المقالات هذه، عن أرواد وذاكرة سنواتي فيها، كنت أعتقد أنها ماضٍ بعيد جداً، فأنا أتحدث عن مرحلة انتهت منذ ٢٥ عاماً. ربما ما زلت مرتبطاً بها بأحد الأشكال، لكني كنت أعتقد أنه ارتباط "فلوكلوري" إلى حدّ ما، وأن سنوات المنفى بكل مآسيها (ولذّتها) قد فتحت لي باباً جديداً بعيداً عن هذا الارتباط. لكني أدركت خلال هذا الشهر، كم هي أرواد متغلغة في روحي، متداخلة في كل تفاصيل يومي.

الفطور ونبعة أرواد

حين أستيقظ كل صباح، وأملأ الـ (الكاتل) بالماء لتحضير الشاي مع وجبة إفطار سريعة خلال عشر دقائق، بوتيرة تتناسب مع الحياة الأوروبية هنا، يمرّ دوماً بخاطري  - وإن  بشكل خاطف - ذكريات الفطور في أرواد،  حين  كانت توقظني أمي صباحاً فأنهض متثاقلاً، وبكل بطء أحمل إبريق الشاي، وأذهب لبيت واحدة من جاراتنا وأطرق على الباب، وحين تفتح، أدخل البيت بكل عفوية لأضع  إبريق الشاي تحت (الطرنبة)  فتدفعها تلك الجارة بيدها كي يخرج الماء من البير، وحين يمتلئ الإبريق، أعود إلى البيت لتحضر أمي الشاي بهذا الماء النقي، فماء أرواد مالح.. وربما نكون قد تعودنا عليه في الشرب، لكنه بالتأكيد غير صالح لتحضير الشاي.

هي حركة ربما تشترك بها عائلات أرواد  كلها، ففي كل حي هناك بيت أو بيتان يحتويان على بئر ماء نقي، توضع عليه هذه الآلة اليدوية البسيطة لسحبه، فيستفيد منه كل سكان الحي، فالماء في ذلك الزمن كان مصدره نبعة في أرواد، يُخزّن في خزان ماء كبير، ويوزّع على البيوت عبر الأنابيب (أصبح لاحقاً يُجرّ من نهر السن في طرطوس بأنابيب تمتد تحت أرض البحر، لتصبح هذه النبعة مهملة، تذهب مياهها بكل هدر إلى البحر).

البئر والفرن والهاتف: ملكية عامة  

في أرواد منتصف الثمانينات، لم يكن هناك حدود وحواجز بين البيوت والعائلات، فطبيعي جداً أن يتشارك جميع سكان الحي في البئر والفرن، بل وأحياناً حتى في الصحون والطناجر. 

أما الهاتف الأرضي (التلفون)، فهو فعلاً ملكية عامة، يمكن أن يعطي أي إنسان رقم جيرانه كما يعطي رقم هاتفه النقال (الموبايل) في أيامنا هذه. وحين يتصل، يركض الجيران لإخبار الأهل، فيهرعون للرد على المكالمة الآتية.  ولأننا لم نكن نملك هاتفاً في البيت، فقد كانت تأتي اتصالات أخي الذين يخدم في الجيش بدمشق، أو أخي الآخر الذي يدرس الطب في حلب، إلى تلفون خالي أو جارتنا فتركض أمي للرد، وبالتأكيد يجري الحديث بحضور الجميع، فالأسرار نادر جداً ما تبقى أسراراً، أو ببساطة لا يصلح الهاتف في أرواد للحديث عنها.

دخل الهاتف الأرضي بيوت جميع الأرواديين في منتصف التسعينات تقريباً، لكنه بقي (نصف آلي)،  أي يجب أن نرفع السماعة، ونبقى على الخط لثواني وربما لدقائق وأحياناً لساعات، كي يرد علينا عامل المقسم، فنخبره عن الرقم الذي نطلبه، فيحوّلنا هو إليه (أذكر مرة أني رأيت عامل المقسم في المسجد أثناء صلاة الصبح، وعندما سألته من سيحوّل المكالمات الآن في حالة الطوارئ، أخبرني أنها بركة الله !!!).

ذكريات مقسم الهاتف وتداخل المكالمات! 

كان عدد خطوط الاتصال محدوداً، وعدد المكالمات الممكن إجراؤها عبر السنترال بسيط، لذلك غالباً ما يتدخل هذا  العامل حين يشعر أن الاتصال طال أكثر مما يجب، فيطلب من المتصلين إنهاء الحديث لأن أناساً آخرين يريدون استخدام خطوط الهاتف، بل وكثيراً ما تتداخل الخطوط فيمكن أن يسمع أحد الأطراف اتصالات الآخرين. 

دعوني أعترف وبكل خجل، أن هذا التداخل واستراق السمع كان من أكثر اللحظات متعة حين يحدث معي، وإن كانت معظم الأحاديث سطحية، تدور عن الحياة اليومية في الجزيرة، لكن الاتصال الأكثر تأثيراً في وعيي، حين استمعت صدفة إلى مكالمة هاتفية تُجريها أحد المعلمات المشهورات بجدّيتها. كنت أعتقد أنها هكذا حتى في حياتها الخاصة، لكنها كانت تتحدث مع  صديقتها عن الأزياء ولون الشعر، عن ألوان فناجين القهوة المفضلة لديها، وتضحك بشكل عفوي وبكل أريحية. وقتها وبهذا العمر بدأت أطرح على نفسي أسئلة حول طبيعة النفس البشرية وأقنعتها، ومستوياتها وتقلباتها حسب المكان والأشخاص، وبدأت أدرك أن للكبار حياة خاصة مخفية (تعلمت لاحقاً، أن الحياة المخفية للكبار لا تقتصر فقط على الأزياء ولون فناجين القهوة المفضل).

الباب المفتوح والستارة الحاجب

تبقى بيوت الأرواديين في معظمها مفتوحة الأبواب، يضعون فقط ستارة كي تحجب النظر، وممكن لأي امرأة أن تدخل أي بيت، بلا استئذان طالما أنه مفتوح، أما الرجل فعليه المناداة والوقوف خلف الستار. هذه الصفة حملها الأرواديون معهم حتى في طرطوس، فاعلم أيها القارئ حين ترى بيتاً مفتوح الباب، ومغطّى فقط بستارة  فغالباً أصحاب البيت أرواديون. 

كم مرة دخلت علينا جارتنا أم عبد الله دون أن تطرق الباب. كانت تؤمن أنها (تمون) علينا بأن تدخل بيتنا وكأنه بيتها (أنا ربّيتكم)، إن كنا نفطر تفطر معنا، وإن كانت أمي تطبخ، تأخذ جزءاً من الطبخة لتشارك في التحضير.

كم مرة حين كنت طفلاً، لم أنتبه لهذه الستارة، وقبل معرفتي بهذا التقليد، فأفاجَأ بنفسي أقف في صالون أحد العائلات، والنسوة من حولي تدخنّ الأركيلة ويضحكن، هذه الأخطاء كانت عادية بالنسبة للأطفال الذين لم يتعودوا بعد على نظام البيوت، وقد كانت مقبولة منا باعتبارنا أطفالاً، يحق لنا دخول جميع البيوت.

حين وقعت من السطح وفي البحر!

بعمر السنتين تقريباً، غافلت والدتي وصعدت إلى سطح بيتنا مع لعبة دبدوب، وحين وقع مني، بكل عفوية وغباء الأطفال قفزت فوقها كي أمسكها من الطابق الثاني، فوقعت على الأرض. هبت عائلتي وجميع من في الحي، حملوني وانطلقوا بسرعة البرق إلى أقرب مشفى في طرطوس. 

ففي أرواد لا وجود للإسعاف لا وجود للمشافي، وغير مجهّزة لإنقاذ أي إنسان في حالة الطوارئ. وعلى كل عائلة أن تجد الطريقة المناسبة لإيصال مرضاهم إلى مشافي طرطوس في الحالات الإسعافية!

 كل الخدمات المتوفرة في أرواد كانت مستوصفاً صغيراً بحجم شقة، فيه طبيب عام واحد وبعض الممرضات، ربما يقوم ما بوسعه في الحالات العادية،  لكن بالحالات الإسعافية علينا أن نقطع رحلة بحرية تستمر نحو ثلث ساعة ( لو فرضنا أن المركب جاهز دوماً  للانطلاق، وهذا غير ممكن طبعاً) ثم إيجاد سيارة بين مرفأ طرطوس وأقرب مشفى، قد يصل المريض حياً، وفي كثير من الأحيان ما يصل ميتاً.

ماذا لو كان البحر هائجاً في يوم الحادث، والطريق مقطوعاً بين أرواد وطرطوس؟ 

بكل بساطة، كانت فرصتي في الحياة انتهت عند السنتين فقط... وكثيراً ما حدثت مع أطفال وشباب آخرين .... فارقوا الحياة نتيجة عدم إسعافهم بالوقت المناسب. فعلاً كنا ننجو بالصدفة وبالقدر المكتوب لأعمارنا.  

لا أذكر بالطبع شيئاً من هذه الحادثة، وإن ظلت حديث أهلي وجيراني لسنوات وسنوات. لكن ما أذكره جيداً، أني وقعت مرة بالبحر بعمر الخمس أو الست سنوات. ما زلت أذكر كيف نزلت إلى عمق البحر، و كيف ركض أحد الأرواديين الماهرين وأنقذني. ما زلت أذكر الخوف واللهفة في عيون الناس بعد إنقاذي. 

مر على تلك الحادثة حوالي الـ ٣٦ عاماً، لكني إلى اليوم، بل وحتى الآن وأنا أستعيد هذه الحادثة، أشعر بالتوتر. معه حق (فرويد)، فنحن "لا نخرج أبداً من صدمات الطفولة".  وقد صمّم أخي محمد لاحقاً، بعد هذه الحادثة أن يعلمني السباحة، فالسباحة في جزيرتنا، تُعدّ بالنسبة للأطفال قضية حياة أو موت، وليست أبداً من الرفاهية.

غضب البحر وموظفو طرطوس! 

كان غضب البحر جزءاً من حياتنا ومشاكلنا، خاصة في الشتاء. فأحياناً ننقطع عن العالم الخارجي لأسبوع كامل، فيندر الغذاء في أرواد، بل وأحياناً ينقطع حتى الطحين في الأفران، وتصبح الخضروات والفواكه بكل بساطة غير متوفرة، فنعيش حالة انتظار، تحت رحمة البحر.

ولأن الكثير من الموظفين يأتون من طرطوس، وخاصة المدرسين، والشرطة والموظفين الإداريين، لذلك تعيش الجزيرة بحالة شلل تام أحياناً، لكنها كانت أفضل أيامنا كأطفال في المدرسة. فحالات الهرب تزداد، ونعيش حياة كلها كسل، لمن معلمته تسكن خارج أرواد، أما من كان معلمه أو معلمته يسكن في أرواد، فيضطر لمتابعة دراسته بشكل تقريباً روتيني (كانت معلمتي أروادية تسكن بطرطوس حتى الصف الخامس، بعدها أصبحت أروادية تسكن في أرواد، فضاعت مني نعمة الكسل). على كل لم تكن الدراسة يوماً هي الهم الأساسي للأرواديين، فمستقبلنا مرسوم منذ البدء، وهو العمل في التجارة البحرية، ونادراً ما تجد طالباً مجتهداً يخرج عن هذا الخط المرسوم... فلماذا خرجت أنا؟

صراحة حاولت. كنت أرافق أخي في سفره  بالباخرة  (ببور باللهجة المحلية) منذ كنت صغيراً. سافرت إلى أوكرانيا وجورجيا ورومانيا بعمر الـ ١٥ عاماً (لم أكن أعلم أنها مزية،  فمعظم أطفال أرواد يسافرون في الصغر)،  بل واشتغلت ذات صيف لمدة شهرين على ظهر أحد المراكب، لكني بكل بساطة لم أتأقلم مع أجواء  البحر، فأنا أرتبط بالمكان بشكل مرضي، ويصعب عليّ تغيير الأمكنة، يصعب أن أغيّر بشكل دائم غرفة نومي. أحتاج دوماً لمكان ثابت لكتبي، يصعب تغيير من يعمل معي بشكل دائم، فأنا أيضاً أرتبط كثيراً بمن حولي. 

قدر وقدرات

إن جوّ العمل في البحر عملي جداً، يدوي جداً، قاسٍ جداً، أشبه بالنظام العسكري. لا مجال فيه للخطأ، خطير جداً، ممكن لأي هفوة أن تؤدي لعواقب وخيمة، تتطلب شخص لديه تركيز عالٍ، وأنا أعرف نفسي، لست أهلاً لكل هذا. لكن يبقى هدف العمل في التجارة البحرية، هو حلم كل طفل أروادي. 

أعتقد أن كل زملائي في المدرسة بفترة طفولتي في أرواد، كلهم  يعملون الآن في البحر. لكن الأمر قدر وقدرات (ورغبات أيضاً) رغبات شخصية قبل كل شيء.

الحلقة السادسة السبت القادم

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات