رحيل كبير التشكيليين السوريين: ممدوح قشلان رسم دمشق المحتشمة.. ولوحاته اقتحمت أكبر متاحف العالم

ثقافة وفنون || أورينت نت- محمد منصور 2022-08-30 15:36:46

الفنان التشكيلي ممدوح قشلان بين لوحتي (نساء المزة) 1968 و(رحلة نزوح) 2019
الفنان التشكيلي ممدوح قشلان بين لوحتي (نساء المزة) 1968 و(رحلة نزوح) 2019

عن عمر مديد يناهز ثلاثة وتسعين عاماً، رحل في دمشق يوم أمس الفنان التشكيلي السوري ممدوح قشلان.. الفنان الأغزر عطاء والأطول استمراراً في تاريخ الفن التشكيلي السوري، والذي استطاع بموهبته وذائقته الجمالية العالية المستلهمة من جماليات دمشق وثراء بيئتها، أن يكون علماً من أعلام الفن التشكيلي العربي، الحاضر بلوحاته وأعماله في العديد من متاحف الفن في العالم. 

ونعى اتحاد الفنانين التشكيليين في دمشق الذي كان أبزر مؤسسيه، الفنان قشلان الذي شيع جثمانه ظهر اليوم من منزله الكائن في حي الميسات على سفح جبل قاسيون، حيث صلي عليه في (جامع الكويتي) القريب من منزله، ووري الثرى في مقبرة العائلة بباب الصغير في حي الشاغور.

السنانية وباب الجابية في لوحة بديعة لممدوح قشلان تختصر جماليات دمشق كما رسمها

ابن شيخ وسليل أسرة تجار

ولد ممدوح ابن الشيخ أحمد قشلان في حي القنوات الدمشقي عام 1929 فكان ابنا لأحد مشايخها المرموقين (الشيخ أحمد قشلان) ولأسرة عريقة اشتهرت بالعمل في تجارة الأقمشة، وكان لها دور بارز بين تجار دمشق 

في خمسينيات القرن العشرين، اتخذ ممدوح قشلان قراره الصادم بدراسة الفن التشكيلي.. كان قراراً صعبا بالنسبة لأسرة محافظة، لكن موهبة الابن الذي أغرم باكرا برسم حارات وأزقة ومساجد مدينته أرغمت الأهل على الموافقة، وجاءته الفرصة من خلال  قرار وزارة المعارف عام 1953، بإيفاد أول دفعة من الطلاب لدراسة الفنون الجميلة في روما، وكان ممدوح قشلان واحداً من هؤلاء، ليدرس في قسم التصوير ثم يدرس فن الحفر والغرافيك في سان جاكومو ـ روما. ويتخرج عام 1957 ويمارس هناك  فنون التصوير والحفر والميداليا والاعلان والسيراميك.. مبديا نبوغاً مبكرا 

الميولوية - لوحة شهيرة لممدوح قشلان

محطات مسيرته البارزة على لسانه

بعد عودته إلى سورية أقام أول معرض فردي له في المتحف الوطني عام 1958 وخلال ستة عقود من عمره الفني أقام  قشلان 104 معرضاً فنياً ليتربع بذلك على قمة النشاط التشكيلي في تاريخ الحركة الفنية في سورية.. وقد لخص جوانب مهمة من مسيرته الفنية في حوار نشر عام 2021 بالقول:

"أقمت حتى الآن 104 معارض في كل أنحاء العالم… ونلت جوائز وتكريمات وأوسمة كثيرة .. وكل دولة زرتها لها ذكريات جميلة عندي.. هناك 15 متحفاً عالمياً اشترى لوحاتي كمتحف (فارنا) على البحر الأسود، ومتحف بلدية (ليل) بفرنسا، ومتحف (الساتير) في بلغاريا (وهو من ضمن أربعة متاحف بلغارية اقتنت لوحاتي) و(الساتير) يعني النكتة المُعبّر عنها بالفن وقد نلت جوائز منه وحصلت على المرتبة الأولى فيه ثم دُعيت لمدة سبع سنوات لكي أكون محكّماً أو ضيف شرف.. في متحف (الفن الحديث) بالقاهرة أخبروني بأن 16 شخصاً قرروا اختيار لوحتين لي بالإجماع وهي سابقة تاريخية من نوعها وعلى إثرها أصبحت علماً من أعلام الثقافة السورية، حيث تم (تنسيبي) إلى عشرات الجمعيات الفنية دون طلب مني.. كثيراً ما سمعت كلمات مؤثرة حول أعمالي.. ذات مرة دعاني محافظ مدينة (روستو) الإيطالية لإقامة معرض هناك وكتب على بطاقة الدعوة :”أريد دمشق تعرض في روستو”، وفي أحد الأيام قيل لي بأن أحد الدبلوماسيين الغربيين قال: ”أتمنى أن أرى دمشق كما تظهر في لوحات قشلان”.. في حفل افتتاح معرضي الأول في فنلندا وهي دولة في القطب الشمالي هناك جاءني رجل فنلندي وأخبرني بأنه شاهد لوحاتي في التلفزيون صباحاً وبأنه شعر بالدفء نحوها وقطع مسافة 500 كيلو متر مع زوجته من أجل حضور المعرض وفي نفس المعرض خلع الزوار معاطفهم الشتوية قائلين لي “إن ألوانك بعثت الدفء فينا”!!.. ومرة أرسلت لوحة عن دمشق إلى سيدة إيطالية كنت قد تعرفت إليها بالطائرة خلال سفري من مدريد إلى روما.. أذكر أن زوج السيدة اتصل بي شاكراً لأن بيته الذي يقع في بلدة نائية شمال إيطاليا تحوّل إلى مزار بسبب لوحتي التي شاهدها عمال البريد والجمارك وأصبحت حديث القرية.. أسرد هذه الذكريات لأقول بأن الفن تفاعل وتواصل وحوار ثقافي ولغة عالميـة تسمو فـوق الحدود القومية والإيديولوجية وكل ما حدث معي أعتبره بمثابة التكريم لي".

دمشق ممدوح قشلان

شكلت دمشق مفتاحاً أساسياً من مفاتيح إبداع ممدوح قشلان.. فقد استطاع هذا الشاعر أن يكتب عنها عشرات اللوحات الملونة.. وأن ينتشل من ماضيها ذاكرة الدفء والبهجة، وطقوس الحياة والموت والميلاد، ودروب الحارات ونوافذ البيوت، وهمس الجدران العتيقة وحجارة السنين.. وحين أطل عليها من علُ ليرسم لوحاته البانورامية عنها، أطل الأموي بقبة النسر، كنسر تشكيلي يطير في سماء اللوحة الفريدة التي امتلأت بالبيوت المتراصة والجدران المتلاصقة وفضاء الحب والخشوع في حضرة أقدم مسجد ما زال محتفظاً بهيكله الأصلي منذ قرون.

حي الشيخ محيي الدين- من دمشقيات ممدوح قشلان

كانت دمشق ممدوح قشلان، أكبر من لوحة، وأرق من قصيدة، وأطول من رواية، وأكثر امتداداً وغنى بالقصص والحكايا والشخصيات من حلقات مسلسل. كانت دمشق ممدوح قشلان معماراً اجتماعياً، وطقساً دينياً، وعالماً جمالياً لا تنتهي تفاصيله، ولهذا قال عن دمشق عندما سئل عنها في آخر حوار أُجري معه: 

 "أنا ابن هذه المدينة العريقة.. نشأت وترعرعت في أزقتها وحاراتها القديمة ضمن حي القنوات، في هذا الحي العتيق تشربت من كل شيء أصيل فيها عاداتها تقاليدها أجوائها المفعمة بالتدين والأصول والأخلاق.. على مستوى الشكل كان بيتنا القديم عبارة عن صورة مصغرة لقصر العظم الأثري.. بحيرات مائية وأشجار ونباتات ورود وأحجار ملونة وفسحة مفتوحة على السماء والياسمين وزقزقة العصافير.. لذلك تبقى دمشق هي ذكرياتي الأجمل.. هي أمي الحنون التي احتضنتي طفلاً يتيماً وشاباً وكهلاً و فناناً وإنساناً.. دمشق هي معشوقتي الأبدية الأزلية التي سحرتني في وقت مبكر.. وحين أقدمها في لوحاتي أرسمها بحلتها الأجمل.. أرسمها كما أحلم بها أن تكون".

وربما كان أضخم معرض جسد علاقة ممدوح قشلان بدمشق معرضه (رسوم ولوحات دمشقية) الذي افتتح في صالة الشعب بدمشق في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2008 وكان معرضا تكريمياً لأعماله حيث تضمن (44) عملاً جدارياً، استخدمت فيها تقنيات التصوير الزيتي والحفر، وفيه نرى صورة دمشق المفعمة بالتفاصيل بكل دلالاتها وأبعادها.. ممزوجة بألوان زاهية عامر بالفرح والحياة. وقد قدمت لنا تلك الأعمال صوراً مختارة من أحياء دمشق القديمة وبيوتها، وأظهرت عمق الذائقة الجمالية لدى الفنان الذي وصف بأنه، "صاغ مقامات تشكيلية فاتنة الأسلوب، غنية بالتضاد اللوني المدروس الذي يستثير في الذاكرة جوانب التساؤل والإعجاب".

رحلة نزوح- تشريد السوريين على يد الأسد 

المرأة المحتشمة والأمومة المعطاءة 

نعي ممدوح قشلان بصفة (الحاج) وكان ذلك نادراً بين الفنانين التشكيليين الذين يغلب عليهم ثقافة البعث واليسار، ويعتبرون مظاهر التدين جزءاً من ثقافة شعبية يجب محاربتها.. لكن ممدوح قشلان لم يكن "حاجاً فقط، بل كان فناناً ملتزماً بالضوابط الدينية في فنه.. فلم ينتج خلال سنوات عمره المديدة لوحات لنساء عاريات، رغم كثرة ما رسم من لوحات عن المرأة، جسدت العشرات منها فكرة الأمومة بكافة تجلياتها وعطاءاتها وحنانها، كما جسد في بعض الآخر النساء الدمشقيات المجتمعات في المناسبات الاجتماعية والدينية أو المتشحات بالأزياء التقليدية كما في لوحته الشهيرة عن نساء المزة اللواتي يرتدين الملاءة المخططة البرتقالية اللون. وعلى العموم ظهرت المرأة كقيمة تشكيلية جمالية ضمن سياق تصوير البيئة الشعبية الدمشقية، وكانت كذلك عنوان فرح وحياة واستقرار وعطاء.  

مؤلفاته في الفن التشكيلي 

ثمة وجه آخر لعطاء ممدوح قشلان الفني يتجلى في مؤلفاته الرفيعة المستوى في مجال النقد والتوثيق التشكيليين، حيث ألف العديد من كتب الفن والتربية الفنية، ووثق بجهود فردية حياة الكثير من الفنانين التشكيليين الرواد من زملائه كما في كتابه عن الفنانين (محمود جلال) و(لؤي كيالي) وهما مرجعان أصليان ونادران في مجالهما التوثيقي، وكتابه (نصف قرن من الإبداع التشكيلي)، وكتابه (رسالة لونية من الشرق إلى الغرب)، وهو كتاب توثيقي، يقع في 173 صفحة من القطع الكبير، يحوي بين صفحاته مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية العادية والملونة لأعماله في التصوير الزيتي بمختلف الموضوعات، التي اختارها لتكون عملاً تشكيلياً يمثل قراءاته للواقع الدمشقي والإنساني.

كان قشلان أستاذ شرف في أكاديمية (نورما) للفنون الجميلة في إيطاليا، أسس في "سورية" الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب) عام 1971، ومن قبله (نقابة الفنون الجميلة) عام 1968 وكان نقيباً لها لعدّة مرات، وهو مؤسس ومدير لصالة "إيبلا" للفنون الجميلة "بدمشق" منذ عام 1980، وتكريماً له قامت منظمة "اليونيسيف" بطباعة بطاقات فنية عن لوحاته الكبيرة المجسدة لدمشق وعملت على توزعها في أنحاء العالم لصالح الطفولة.. وكان قشلان أخيرا من الفنانين القلائل الذين بقوا في مناطق سيطرة نظام الأسد إلا أن صدى الحرب التي شنها على الشعب السوري لم يغب عن أعماله، حيث رسم في أكثر من لوحة مرارة النزوح السوري.. وظهرت العائلات السورية المشردة حاملة معها متاع الطريق، ولون التشرد الكابي الحزين، الذي طالما طبع ذاكرة السوريين اليوم، فأنساهم لون البهجة ومعنى الوطن!

لوحة تجهيز العروس- نموذج للجمعات النسائية المحتشمة في لوحات ممدوح قشلان

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات