في الحبائل التركية: من هو عدونا.. ومن هو صديقنا؟!

مقال اليوم || أورينت نت - محمد صخر بعث 2022-08-19 11:18:32

كمال كليتشدار أوغلو
كمال كليتشدار أوغلو

منذ سنة على الأقلّ فإنّ الانتخابات التركية وليست السورية هي ما يشغل بال السوريين الذين "يعيشون بلا حياة" في "تركيا"، ومتى شغلت أصلاً "الانتخابات في سوريا" بال السوريين؟  بل ومتى عرفوا معنى الحياة في "سوريا" كي يعرفوه خارجها؟. 

في ثمانينيات القرن الماضي أو في سبعينياته على أبعد تقدير، كتب "محمّد نصرت نيسين" المعروف بـ"عزيز نيسين" وهو أبو الأدب التركي الساخر الذي اعتُقِل مرّات حين كان "عسكرياً" ومِراراً بعدما أصبح "مدنياً": (إنّ القهوة والديمقراطية لا يَنبتان في بلدنا، فقط يأتيان من الخارج!)، وقد تكون قصّته عن المدرّس العائد من أمريكا إلى تركيا والذي أصرّ على تعليم تلامذته معنى "الديمقراطية" سبباً في اعتقاله في إحدى المرّات، والقصّة باختصار شديد تحكي عن مدرّس فيزياء شابّ واسمه "بهيج"، كان موفداً إلى بلاد العمّ سام وعاد متشرّباً بأفكار الحداثة والحرّية والديمقراطية. أراد لتلامذته أن يتشرّبوا منها أيضاً ويتعلّموها خلال دروس الفيزياء، لكنّهم لم يتشرّبوا أو يتعلّموا سوى شيئين: أن يخاطبوا بعضهم البعض بكلمة يا "سيّد" بدلاً عمّا كانوا يتداولونه: "ياجحش" و"يا بغل" و"يا حمار" و"يا كلب" ويا حقير ويا سافل ويا واطي، وأن يحظوا بفرصة "الاستفتاء" بخصوص قرار إغلاق نوافذ غرفة الصفّ أو تركها مفتوحة، وكان الأستاذ "بهيج" يقول لهم "أي التلاميذ": ما دام الجوّ حارّاً فلنفتح النوافذ، وحين يكون بارداً يقول: هيّا.. لا بدّ من إغلاقها، ومضت السنة الدراسية على هذا المنوال، افتحوا النوافذ وأغلقوا النوافذ، ورغب جميع التلامذة بشدّة أن يحذو جميع الأساتذة الآخرين نحو منهج الأستاذ "بهيج" في التعليم، والذي أصبحوا يدعونه "بهيج الديمقراطي"، وبأن تمضي الدروس في شرح معاني الديمقراطية والحرّية والانتخابات. 

بالنتيجة وفي النهاية لم يتعلّم تلميذ واحد شيئاً واحداً أو نصف معادلة عن "الفيزياء" التي كان من المفترض أن يدرّسها لهم أستاذ الفيزياء "بهيج الديمقراطي"!

الصراع التركي: يمين ويسار.. وقومي وإسلامي!

عاشت "تركيا" منذ نشأتها بحدودها "شبه الحالية" مراحل من العنف والفوضى ومن الاستبداد، ومن الصراعات ما بين أصحاب الفكر القومي أو الإسلامي، أو ما بين الجيش والحكومات، أو بين الحكومات وأصحاب الأهداف الانفصالية، أو بين اليمين واليسار، أو بين الراديكالية الإسلامية والعلمانية المتشدّدة، ولم تبدأ البلاد بالاستقرار السياسي حتّى انقضى انقلاب شباط 1997 الذي أطاح  بحكومة رئيس الوزراء آنذاك "نجم الدين أربكان" وعامان آخران بعده، الانقلاب الذي تبعه انتهاك سافر للحرّيات الدينية مثل إلغاء الحجاب تماماً في الجامعات وإغلاق معاهد تدريس وتحفيظ القرآن ومداهمة مدارس "الصوفية" ونحو ذلك، وهو الانقلاب الذي سبّب بشكل أو بآخر صعود "حزب العدالة والتنمية" كردّة فعل معارضة نخبوية وشعبية على حالة الاستبداد والقمع التي حصلت بعد هذا الانقلاب وهو آخر انقلاب ناجح في تركيا، ومنذ ذلك الوقت بدأ الأتراك بالتفكير: الديمقراطية أم الانقلابات، الانقلابات أم الديمقراطية؟. 

الديمقراطية في "تركيا"، الديمقراطية الحقيقية التي تتحقّق بالانتخابات بأركانها التامّة وهي الحرّية والنزاهة والشفافية والمسؤولية الوطنية وبالأمن الانتخابي، حديثة العهد وليست بقدم تجارب النجاحات المتتالية في الديمقراطيات الغربية ولا في الكثير من ديمقراطيات أمريكا اللاتينية حتّى، لكنّ القفزة التركية بعد ذلك كانت واسعةً قويّة مركّزة سريعة وضرورية، فلقد عانى الشعب التركي من أربعة انقلابات ناجحة قبل ذلك في 1960 و1971 و1980 و1997، أي خلال سبعة وثلاثين عاماً فقط، وربّما كانت هذه الذكريات التاريخية القريبة المعروفة والمفهوم أثرها على "تركيا" وعلى الشعب التركي سبباً رئيساً من أسباب إفشال محاولة الانقلاب في تمّوز 2016، وبتدخّل مباشر من الشعب التركي، الأتراك الذين كفروا بالعسكر وانقلاباتهم، ثمّ حانت وآنت لهم الظروف كي يؤمنوا بـ"الصناديق".

الخير لنا أو الويلُ؟!

كلّها "شؤون تركية"، لا دخل لنا بها "نحن السوريين"، لا نملة ولا نحلة لنا بها، ولا بصلة ولا فجلة، لكنّها -يا للمصيبة- تعنينا كثيراً، وجميع السوريين الذين يعيشون في "تركيا" يعرفون لماذا، ولا طاقة لهذا المقال بشرح ذلك، فلقد شرحه الشرّاح والخبراء والمفسّرون والمحلّلون السياسيون منهم والاقتصاديون والقانونيون منهم والاجتماعيون، وبالطبع النفسيون أيضاً، والأهمّ "الاستراتيجيون"، وقالوا جميعاً أو أغلب جميعهم شيئاً واحداً تقاربوا فيه للغاية: إن نجح "حزب العدالة والتنمية" فالسوريون بخير، وإذا لم ينجح فيا لويل السوريين!. 

الحقيقة وبعيداً عن أيّة "تحليلات" وعن أيّة فكرة تذاكي، السوريون ليسوا بخير أبداً، لأنّهم ببساطة سوريون، ولا علاقة تربطهم البتّة بأيّ شأن سياسي في أيّ مكان من هذه الدنيا، و"اللعب" على أوتار ترحيلهم وبقائهم تجنيسهم ودوامهم في "تركيا" أو غيرها، مثل اللعب بالبوكر، نعم "البوكر"، وفي هذه "اللعبة" وكي تزيد من احتمالات الربح لديك فعليك: أن تراهن على كلّ الأوراق، فإن لم تكن أوراقك جيّدة انسحب، وكُن تماماً غامض الملامح إن قرّرت الاستمرار في اللعب فلا تُبدِ أيّ ملمح يوحي للّاعبين الآخرين بل والمتفرّجين بسرورك أو استيائك، وإن جرت أوراق "اللعبة" في صالحك فلا تتردّد أبداً، إلى الأمام استمرّ وثابر!. 

لم يحصل "عزيز نيسين" على جائزة "البوكر" في الآداب ولا على "نوبل"، لكنّه خلّد الخير في نفسه منذ أنشأ سنة 1977 وقفاً لرعاية الأطفال الأيتام من ريع أعماله التي أحبّها القرّاء حول العالم، ومن أجمل أقواله وأرجو أن يكون هذا مفهوماً: (إنّ درجة فضولي هي أمنيتي أن أعيش يوماً واحداً بعد شهر من موتي، كي أعرف تماماً من هو عدوّي، ومن صديقي!). 

هذا هو الانتخاب الحقيقي، الذي لن يحصل أبداً! 

وسلامتنا.. 

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات