لا مصلحة بالمصالحة.. لماذا لا يريد النظام ولا تركيا الوصول لاتفاق حقيقي؟ ولماذا يناوران؟

أخبار سوريا || عقيل حسين 2022-08-17 10:45:43

تعبيرية
تعبيرية

تجاهل نظام أسد طيلة الأيام الماضية التصريحات التركية الإيجابية تجاهه، قبل أن يشهد يوم الثلاثاء أول ردّات الفعل على هذه التصريحات، والتي جاءت متضاربة، حيث رحّب وزير الدفاع في حكومة أسد بالتوجهات الجديدة لأنقرة، بينما تبادلت ميليشياته القصف مع القوات التركية في ريف حلب، ما أدى لسقوط قتلى عسكريين من الطرفين.

ورغم أن أول الإشارات الإيجابية التي أطلقتها أنقرة جاءت على لسان وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو، في السابع والعشرين من تموز/يوليو الماضي، عندما أكد أن بلاده مستعدة لتقديم "كل أنواع الدعم السياسي لعمل النظام (السوري) من أجل مكافحة الإرهاب"، ورغم صدور تصريحات أخرى متتالية لاحقاً، إلا أن نظام أسد تجاهل كل ذلك حتى الأمس.

ومع يقين الغالبية من أن هذه الإشارات والتوجّهات التركية، التي أثارت حفيظة المعارضة السورية، جاءت نتيجة توافقات بين أطراف محور أستانة، التي تضم كلّاً من حليفي النظام إيران وروسيا بالإضافة إلى تركيا، إلا أن دمشق امتنعت عن التعليق عليها.

لكن اللافت أن أول ردّ فعل إيجابي تُجاهها من النظام جاء يوم الثلاثاء، بالتزامن مع تصعيد عسكري قويّ حيث تبادلت قوات الجيش التركي والنظام القصف في ريف حلب، الأمر الذي أكد بالنسبة لكثيرين أن هذه الإشارات الإيجابية "شكلية"، بينما اعتبر آخرون التصعيد دليلاً على عدم قبول النظام بها.

 

ترحيب وتصعيد!

وخلال مشاركته بمؤتمر موسكو العاشر للأمن الدولي، قال علي محمود عباس وزير الدفاع في حكومة ميليشيا أسد، إن "أبواب سوريا مفتوحة لكل من جاء صديقاً ومحبّاً، أما أولئك الذين يستهدفون أرضنا وتاريخنا ومستقبلنا بالعدوان والدمار، فسيجدون أمامهم شعباً يرفض الذل والهوان، ويقدم كل التضحية في سبيل أرضه الغالية وكرامة وطنه".

وأضاف أن النظام "يتطلّع إلى تعزيز التعاون مع الدول الصديقة والحليفة في المجالات كافة، ولا سيما في مجال مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم" حسب قوله.

اللافت أيضاً أن تصريحات عباس جاءت متزامنة مع تصعيد عسكري قوي جداً، حيث تجاهل (الوزير) مقتل أكثر من عشرين جندياً من قواته جراء قصف تركي عنيف استهدف قواعد لميليشيات النظام وقسد، رداً على قصف هذه الميليشيات قرى حدودية وقاعدة عسكرية تركية في ريف حلب صباح الثلاثاء.

وذكرت مصادر وشبكات محلية أن الطيران التركي شن عدة غارات جوية على نقطة عسكرية مشتركة لميليشيات أسد وقسد في "تل جارقلي" بمنطقة عين العرب (كوباني) شمال حلب، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 عنصراً من ميليشيا أسد وإصابة آخرين.

وجاء القصف التركي ضمن سلسلة استهدافات نفذها ضد مواقع ميليشيا قسد (PYD) بأرياف الحسكة والرقة وحلب يوم أمس، وتركز القصف على مدينة عين العرب (كوباني) بالمدفعية الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيرة، وذلك بعد قصف نفذته قسد على أطراف مدينة شانلي أورفا التركية، وأسفر عن مقتل جندي وإصابة 4 آخرين من الجيش التركي، تبعه قصف من ميليشيا النظام ضد نقطة مراقبة تركية قرب مدينة جرابلس.

 

النظام يتمنّع

تصعيد رأى فيه الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي أنه "تعبير عن عدم اكتفاء النظام بما تعرضه تركيا"، متوقعاً أن تكون المفاوضات بينهما قد شهدت تعثراً خلال الأيام الماضية ما أدى إلى ذلك.

وقال علاوي في تصريح لـ "أورينت نت": "أعتقد أن المحادثات التي انطلقت ولا بدّ بين النظام والجانب التركي بناء على تيسير أو وساطة روسية، بعد قمة سوتشي التي جمعت الرئيسين بوتين وأردوغان، لم تكن تسير بالشكل المطلوب بسبب تعنّت النظام، وأن هذا التعثر تمت ترجمته تصعيداً عسكرياً لم نشهده منذ عامين".

وأضاف: “أتوقع أن النظام وضع شروطاً إضافية للتهرب من الضغط الروسي عليه من أجل القبول باتفاق مع تركيا، وهو أمر لا يبدو أن هذا النظام متحمّس له قبل الحصول على تنازلات كبيرة يرى أنه حان وقتها، وهو لن يكون منزعجاً في حال تعثّرت المفاوضات كما يبدو نتيجة التصعيد العسكري، مع التقاطه ما يكفي من الإشارات على أن تركيا والمعارضة السورية، متمثلة بمؤسساتها الرسمية، مستعجلون على هذا الاتفاق”.

تقديرات علاوي عزّزها إلى حد ما تصريح أدلى به صحفي سياسي تركي معروف، قال إن نظام أسد ما زال يرفض فكرة التفاوض أو المصالحة مع المعارضة.

وقال مالك ياجتل، المقرّب من دوائر صنع القرار في أنقرة، بمداخلة له على قناة CNN التركية مساء الثلاثاء: اتصلت مع الخارجية والاستخبارات (التركية) وكان الردّ أن هناك طلباً من قبل المعارضة السورية، وبالأخص اللجنة الدستورية وهيئة المفاوضات، بالمصالحة مع النظام، لكن النظام يرفض الفكرة.

لكن إن صحّ ما يقوله الصحفي التركي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو: لماذا يرفض نظام أسد الفكرة؟

برأي الكاتب والمحلل السياسي درويش خليفة، فإن النظام يرفض ذلك الآن بسبب رسوخ فكرة لديه ترى أن المعارضة لا قيمة لها ولا تملك من أمرها شيئاً، "فالائتلاف وما تمخّض عنه من حكومة مؤقتة وجيش وطني يراهم النظام مرتهنين بالكامل وليس لديهم هوامش مناورة، فلماذا يفاوضهم أو يعطيهم من حصته في حكم البلد؟" ..لذا يلجأ النظام للذهاب نحو داعمي المعارضة ليحصّل منهم مكاسب إن أراد ذلك.

ويضيف تعليقاً على ذلك في حديث مع "أورينت نت": "لكن وبشكل واضح وبعد القمة الثنائية بين بوتين وأردوغان في سوتشي، كان قرار التقارب مع النظام بين هاتين الدولتين، ما جعل النظام يرفض ويضع شروط لا تتناسب وسلطته على البلاد.، وبذلك يثبت لحليفه الصلب النظام الإيراني بأنه لن يُقدِم على أي خطوة سوى بضوء أخضر منهم.

 

تكتيك تركي

لكن على الطرف الآخر يرى البعض أن روسيا وإيران تقفان خلف تعنّت النظام ومراوغته، بل وسعيه الحثيث لإفشال المبادرة، بسبب استمرار عقدة "حزب العمال الكردستاني" حيث لا تزال وجهات النظر بينهم وبين تركيا حيال مستقبل ومصير الحزب متباعدة، وبدون حل هذه العقدة تبقى كل الأحاديث والتصريحات والعروض مجرد مناورات مؤقتة لا أكثر.

وحسب هؤلاء، فإن تركيا التي أبدت استعدادها من خلال التصريحات الأخيرة التي صدرت عن مسؤولين وسياسيين فيها، للابتعاد بشكل كامل ونهائي عن المعسكر الغربي فيما يتعلق بالملف السوري، مقابل حل عقدة الحزب المصنّف على لوائح الإرهاب، تعرف تماماً أن تخلّي النظام وحلفائه عن هذا التنظيم أقرب ما يكون إلى المستحيل، وبالتالي فإن الحديث عن مصالحة بين دمشق وأنقرة تبدو فكرة غير منطقية.

أمر يوافق عليه الكاتب والسياسي السوري علي تمي، الذي يرى أيضاً أن نظام أسد وحلفاءه يدركون من ناحيتهم وفي الوقت نفسه أن تركيا لا يمكن أن تغادر المعسكر الغربي هكذا بسهولة، ولذا فإن الجميع يتعاطى مع "المصالحة" كمناورة غير جدّية.

ويقول في تصريح لـ"أورينت نت": "المنطق يقول إن الأتراك لن يتصالحوا مع هذا النظام مهما كلف الأمر، والتصريحات التي تصدر هنا وهناك ما هي إلا للالتفاف على الضغوطات الروسية، ويأتي في سياق حسابات انتخابية لا أكثر، فتركيا ستكون المتضرّر الأكبر في حال فكّرت بالتصالح مع هذا النظام، وما دامت سوريا تحت حكم "عائلة الأسد" فحزب العمال الكردستاني باقٍ رغماً عن إرادة الجميع، وستعيش تركيا حالة النزيف الاقتصادي بسبب الحرب المفتوحة التي تخوضها معه منذ عقود، لأن هذا الحزب أداة فتاكة وحادّة موجهة صوبها، وبالتالي فإن أي تصالح مع هذا النظام هو خطأ في الحسابات والتقدير، وحتى مجرد التفكير فيه هو مضيعة للوقت لا أكثر".

ويضيف تمي أيضاً: “بالمقابل فإن النظام وحلفاءه يدركون جيداً أن تركيا، وبحكم عمق علاقتها مع واشنطن، لا يمكن أن تنفرد بالدخول في اتفاق مع النظام، وبالتالي فإنهم يعتقدون أن الاتراك غير جادّين في ما طُرح على الملأ، ولا يمكن لتركيا أن تستغني عن المعارضة السورية مقابل قسد مهما كلف الأمر، ولذلك أنا واثق أن الأتراك يتعاملون مع المعطيات داخل سوريا بهدوء وبخطوات مدروسة”.

ولذلك، يختم تمي، فإن تركيا بحاجة إلى إعادة ترتيب أوراقها وحساباتها، والدخول مع القوى السورية المعتدلة في اتفاق إستراتيجي طويل الأمد، والتنسيق ضمن المصالح المتبادلة، وهذا ما سيعطيها قوة وإمكانيات لمواجهة التحدّيات التي تحيط بها، وبالتالي أي حديث عن المصالحة مع النظام هو مضيعة للوقت ولا يافي بالغرض، كما يقول.

 

غياب المصالحة

وبينما يرى تمي أن أسباباً إستراتيجية بعيدة المدى ستجعل المصالحة غير واردة من جانب تركيا، يرى درويش خليفة أن هذه المصالحة مستبعَدة عندما يتعلق بالأمر بالنظام، لأسباب مرحلية.

ويقول خليفة: "التصالح مع تركيا لن يفيد النظام بشيء، لأن حكومة أنقرة لن تُقدّم له ما يفيد على الصعيد الاقتصادي، بل سترتّب عليه أعباء المناطق الخارجة عن سيطرته، وبالتالي بدلاً من إدارة 67 بالمئة من الجغرافيا والقيام بأعباء 7 ملايين سوري، سيجد نفسه أمام 78 بالمئة من المساحة و15 مليون سوري بين ساكني الشمال والعائدين من تركيا، أي سيحتاج أضعاف ما كان يصرفه كموازنة، ناهيك عن الأعباء الأمنية التي ستُلقى على كاهله، لذلك أعتقد أن النظام سيوافق بحالة واحدة فقط على التصالح، وهي وجود ضمانات أوروبية-خليجية بتقديم الأموال وإعادة الإعمار وتقديم الدعم الكامل له.

بينما يرى البعض أن كلاً من تركيا ونظام أسد غير جاهزين بعد للتطبيع الثنائي وإنجاز اتفاق سياسي سوري-سوري، لأسباب بعضها تكتيكية مرحلية، وأخرى إستراتيجية معقّدة، يرى آخرون أن كل هذه العقبات يمكن تذليلها في حال كان هناك موقف روسي إيراني حاسم بإنجاز هذه المصالحة، خاصة في ظل عدم وجود موقف أمريكي وغربي واضح يدل على عدم الموافقة على هذا الخيار، بالتزامن أيضاً مع ميل المزاج السياسي العام لدول المنطقة نحو تبريد كل بؤر التوتر والتوصل لتفاهمات شاملة وصفقات تُنهي المشاكل العالقة بين هذه الدول جميعها.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة