مسارات الموت السوري وصناعه

مقال اليوم || د. علي حافظ 2022-08-15 10:32:41

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

بعد مرور عشرة أعوام على بداية الثورة السورية أصبح واضحاً موقف حميع الأشخاص والتنظيمات والقوى السياسية السورية تجاه الوضع القائم في بلد المآسي والكوارث الأسدية، فقد انعقدت مؤتمرات واجتماعات ولقاءات ضمت أطرافاً عديدة، وجرت حوارات ونقاشات كثيرة داخل الوطن وخارجه. ورافق ذلك صخب إعلامي وضجيج كلامي وتبادل ممل للاتهامات راحت تتكرر مواضيعه ووجوه أبطاله في كل مناسبة، مع تغيير بسيط في الوظائف والمناصب والولاءات والمصطلحات..

كيانات سياسية غير متجانسة! 

في البداية استطاعت بعض التنظيمات الليبرالية والحركات الدينية وجزء من أعضاء تنسيقيات الثورة المحلية ، لاسيَّما في الخارج ، من تشكيل ما يشبه التجمعات والتحالفات المعارضة أو الكيانات السياسية غير المتجانسة، هدفها إسقاط النظام بأي شكل من الأشكال؛ حتى ولو كان هذا عن طريق مساعدة دولية أو تدخل عسكري أجنبي. أما بعض الأحزاب اليسارية والاشتراكية والقومية ، لاسيَّما في الداخل، فقد طالبت بإصلاح النظام فقط، معتبرة إسقاطه بقوة السلاح أمراً صعب المنال، وأن الاستعانة بالأجنبي ستجر البلاد إلى حرب طائفية طاحنة، مستحضرة التجربة العراقية كمثال، متناسية أن حليفها السلطوي المتشبث بالكرسي حتى آخر رمق من خلال شعار جنوده، أثناء اقتحامهم للمدن والقرى "الأسد أو نحرق البلد"؛ والذي تطور فيما بعد ليصبح "الأسد أو لا أحد"؛ كان أول من لمّح بسلاح الطائفية عبر صقوره المشبعين باللحم الطائفي، لاسيما مستشارته بثينة شعبان. ومن ثم دفع بالميليشيات العابرة للمزارات الشيعية، لاسيما "حزب الله" اللبناني، للقتال إلى جانبه في مدن القصير وتلكلخ وحمص وحلب وغيرها من المناطق؛ ولولاها لما صمد هناك كثيراً، وكانت النتائج مغايرة تماماً.. حتى هذه الميليشيات مع جيش الأسد لم تتمكن من إيقاف قوى الثورة المسلحة؛ لذلك ما لبث أن توجه إلى روسيا، لتدخل في 30 أيلول/سبتمبر 2015 بكل ثقلها العسكري والتدميري، وتحقق الفارق على الأرض لصالح مختار حي المهاجرين!

هذه القوى آمنت بإمكان إصلاح النظام من الداخل، وبأن الأمور تحتاج لبعض الوقت والصبر؛ لكن الشارع السوري الثائر المندفع لم يقبل بوجهات نظرها القاصرة آنذاك واعتبرها تخاذلية متآمرة مؤيدة للنظام ومدافعة عنه؛ وأصر على السير حتى النهاية في معركته العنيفة ضد قواته المجرمة، ومن يدعمها من قوى طائفية وإقليمية ودولية.

معارضة الداخل! 

في حين حاول بعضهم أن يشكل طريقاً ثالثاً، مثل الأحزاب والتنظيمات المنضوية ضمن ما يعرف بـ "هيئة التنسيق الوطنية" ـ لكنه فشل أيضاً بسبب حساسية الشارع المفرطة تجاه كل ما يتعلق بالنظام وشعاراته وأطروحاته ورموزه.. هذه الهيئة لم ترغب بإسقاط النظام، واعتبرت "الجيش الحر" منذ البداية تنظيماً إرهابياً؛ وراحت منصاتها ـ بتوصية من النظام نفسه على ما يبدو ـ تمثل المعارضة السورية في المحافل الدولية الداعمة للأسد! 

ربما لم يضر أحد بالثورة السورية مثلما أضرت بها المعارضة الداخلية المتمثلة بـ"هيئة التنسيق الوطنية" و"تيار بناء الدولة" وتحالف قدري جميل - علي حيدر وبعض التنظيمات الكردية التابعة ضمنياً لـ "البي. كا. كا"؟ 

وكانت هناك أحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية" المشكلة للحكومة ولغالبية "مجلس الشعب"، والأحزاب التي تأسست في مناطق الأسد بعد انطلاق الثورة، وذلك عن طريق الأجهزة الأمنية وبعض الجهات المحسوبة على المافيا الأسدية الحاكمة، والتي لم تعترف حتى الآن بأن ما جرى ويجري في سوريا هو ثورة أو انتفاضة أو حتى حركة عصيان وتمرد؛ حيث حاولت دائماً التشكيك بمصداقية حراكها ونعت مقاتليها الأحرار بشتى الأوصاف، وربطتهم بأجندات خارجية هدفها إثارة الفتنة والقلاقل في البلاد، متهمة دولاً عربية وأجنبية معينة بالتآمر على سوريا - قلب العروبة النابض بالمقاومة والممانعة. وهذا أمر طبيعي لأنها ساعدت "حزب البعث" صاحب اليد الطولى في السيطرة على مقاليد الحياة السياسية بأكملها طوال نصف قرن تقريباً من الزمن؛ وجاء دورها لتتنحى وتغادر المنصة غير مأسوف عليها، وأن تترك المكان لقوى سياسية بديلة...

الضخ المالي القطري والدعم التركي

أخذت تظهر قوى جديدة مع انتشار رقعة الثورة وتمكنها في بعض المناطق، وتتبلور ملامحها وبرامجها وإيديولوجياتها وأنظمتها الداخلية فيما تبع من سنوات، لكن أغلبها ، أو قل كلها تقريباً ، خرج من سوريا نتيجة هاجس الخوف من القوى الإسلامية المتطرفة التي أخذت تظهر تباعاً وتسيطر على الأرض والعقول بشعاراتها المغلفة بسلفان الجهاد وتأسيس الخلافة المنشودة، ومع ذلك، لم يتعرف أحد على ماهيتها، وعلى من يمولها، ومن يقف خلفها؟ وما هي أفكارها وخططها وشعاراتها وأنظمتها الداخلية؟.. كل ذلك بسبب ضعفها وتبعثرها وعملها خارج البلاد ونشاطها المقتصر على بعض الأعضاء.. كذلك لم تكن معروفة جيداً من قبل أغلب الجهات المقاتلة على الأرض؛ رغم أنها أرسلت مبعوثيها وعرابيها إلى هنا وهناك، محاولة استقطاب بعض هذه الجهات! 

لم ينجح في هذه المهمة سوى "جماعة الإخوان المسلمين" بسبب خبرتها التنظيمية الطويلة، وعملها التقوي عبر عدد من الأشخاص والمؤسسات والحركات والتنظيمات غير معلنة، والضخ المالي القطري غير المحدود، والدعم اللوجيستي التركي!!

حركة الشارع

إن حركة الشارع المتسارعة قد جرفت في طريقها كل شيء يخص تلك الأحزاب والحركات السياسية، التي فوجئت بقوة الثورة وامتدادها إلى كل بقاع الوطن؛ ولم تستطع استيعاب واقع الرمال السورية المتحركة.. لم تعد هذه الثورة التصاعدية تطالب بالإصلاحات والتغييرات الجزئية فحسب، بل أصرت على التغيير الثوري الجذري من خلال إسقاط النظام كلياً ومحاكمة رموزه وقادته وكل من ارتكب جريمة بحق الناس العزل، مهما كلف الثمن وارتفع حجم التضحيات.. هذه الثورة بدأت سلمية، ومن ثم تسلحت، وبعد ذلك تأسلمت، لتصبح في النهاية أداة في أيدي قوى إقليمية ودولية.. وهنا لم تعد تسير إلى الأمام، بل تتراجع للوراء؛ حتى توقفت ترواح في مكانها وتنتظر تصدقات المجهول!

إذا أرادت مؤسسات ومنظمات وأحزاب وفصائل الثورة أن تنبعث من جديد، فلابد لها من امتلاك الجرأة الكافية للاعتراف بأخطائها وجمودها وتبعيتها وتخلفها عن روح العصر الثوري.. عليها أن تذيب الثلوج المتراكمة فوق عقول أصحابها الجلدية، كي يبتعدوا عن عنجهيتهم وثقتهم الزائدة بأنفسهم وبصحة تصرفاتهم.. عليهم أن يدركوا أن زمن القائد الخالد والحزب الواحد، وما يدور في فلكهم من أشخاص كرتونيين قد انتهى إلى الأبد! 

هذا لا يخص طرفاً بعينه، وإنما يخص جميع القوى السياسية الأخرى، بما فيها الحركات الإسلامية التقليدية والتنظيمات المتطرفة التي تثير جدلاً واسعاً حول غموض برامجها وأهدافها وشفافيتها وصدق نواياها.. هذه الحركات مثل غيرها من الأحزاب تعرضت لانشقاقات وانقسامات عديدة، وضعفت كثيراً داخل سوريا وخارجها؛ ومع ذلك تحاول النهوض ثانية والسيطرة على المناطق المحررة؛ رغم معرفة الجميع أنه لم يكن لها أي دور يذكر في انطلاق الثورة، ولا في مظاهراتها السلمية، ولا حتى في مسيرتها التحريرية الأولى... 

الثورة السورية هي ثورة وطنية شعبية شاركت فيها جميع فئات وأطياف المجتمع السوري، لكن بنسب متفاوتة. وهذا أمر طبيعي لأن مجتمعنا ليس مجتمعاً عشائرياً تُسيّره العصبيات القبلية العمياء، أو النزعات القومية الشوفينية، أو المذهبيات الطائفية السوداء...

الدعوات إلى الجهاد أعطت الثورة بعداً دينياً؛ وهذا طبيعي لأن أغلبية السوريين هم من المسلمين السُنة؛ لكنهم ليسوا إسلاميين بالمفهوم السياسي.. لقد استجار الثوار السوريون بالله وحده بعد أن فقدوا الأمل بأية مساعدة أو دعم عربي أو دولي، ولم يبقَ لهم عون سواه وبعض الثوار والمجاهدين الشرفاء.. هذا واضح من خلال الشعارات والهتافات التي نادى بها المتظاهرون والمقاتلون معاً: "الله أكبر حرية"؛ "الله أكبر على الظالم"؛ "ما لنا غيرك يا الله"؛ "قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد"... هذا يحمل دلالات رمزية ترفعنا نحو فضاء علوي جميل، يحمل في طياته جنسوية موته السورية فقط!

يتوجب على جميع القادة والأحزاب والتنظيمات والجماعات والحركات السياسية والعسكرية في سوريا أن يعيدوا دراسة تجربتهم ويضعوا تقييماً موضوعياً ناقداً لمسيرتهم، حتى يستطيعوا فهم وإدراك الحالة الراهنة التي نشأت نتيجة تدخل الدول الإقليمية، ومحاولة إيجاد الحلول في الواقع الجديد، فمن أراد أن يبقى على الساحة السورية من قوى - قديمة وناشئة حديثاً - عليه أن يؤمن إيماناً كاملاً - نظرياً وعملياً - بمبادئ الحرية والكرامة والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان والمواطنة والدولة المدنية..، وأن يبتعد عن العنف والتطرف ويكون حضارياً في سلوكه وممارساته؛ وأن يطبق مبدأ الديمقراطية الحقيقية في بيته التنظيمي الداخلي أولاً، ومن ثم عليه أن يفتح لها طريقاً نحو الحياة السياسية العامة للدولة والمجتمع المنشودتين.. كذلك يجب أن يكون منظماً تنظيماً جيداً، ويملك المال.. المال النظيف طبعاً؛ وهذا أمر صعب المنال. لكن، مع ذلك نظل محكومين بوهم الأمل!

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة