أرواد ذاكرة المكان والإنسان -2: ضحايا التجارة البحرية.. ونساء الأعراس الفضوليات وورق العنب يجمع الأرواديين

ثقافة وفنون || أورينت نت - أحمد عسيلي 2022-08-13 08:55:35

الحلقة الثانية من (أرواد ذاكرة المكان والإنسان) وذكريات الشقاء والفرح
الحلقة الثانية من (أرواد ذاكرة المكان والإنسان) وذكريات الشقاء والفرح

عن ألم الانتظار، لكن أيضا عن بحر العيد، وتقاليد الأعراس! 

لن أحدثكم في محطتنا الثانية هذه عن أرواد كما ممكن أن تقرؤونها في (الويكيبيديا) أو المواقع الأخرى، بل سأترك لكم مهمة القراءة عنها (إن شئتم) عن مساحتها وعن المسافة الفاصلة بينها وبين طرطوس المدينة الأقرب إليها، عن تاريخها منذ العصور الفينيقية إلى اليوم، فأنا مدرك لتوفر بعض من هذه المعلومات عبر النت، ولكن سأحاول أن أحكي هنا بتقنية التداعي الحر. بالمناسبة هل تعرفون هذه التقنية؟

هي بكل بساطة تعتمد على مبدأ العلاج بالكلام، وقد كانت الطريقة المفضلة لمعلمنا وأستاذنا (سيجموند فرويد) في تحليله النفسي لمرضاه في هذا الأسلوب العلاجي.  يجعل (فرويد) المريض يستلقي على سرير التحليل، ويجلس هو  خلفه، وبعيداً عن مدى نظره، ويطلب من الشخص أن يتكلم عما يشاء، دون قيد أو أي حاجز نفسي، فما يخطر على بالنا، هو ما يشكل شخصيتنا، وغالباً أول ما يخطر على البال حين يجلس الإنسان مع نفسه، هي الأحداث  الأكثر تأثيراً على روحه (طبعاً بعد مجموعة من أساليب المقاومة لإخراج هذه الرضوض الدفينة)

أنا كطبيب نفسي أستخدم هذه الطريقة أحياناً، وفي حالات محددة مع مرضى معينين، لكن هنا اسمح لي أيها القارئ أن أستبدل الأدوار، وأكون أنا هذه الشخص الذي يستلقي على السرير بصفتي الشخصية وبانتمائي الاجتماعي، وتكون أنت فرويد، واسمع مني ما سأبوح به لك. 

غائب إلى الأبد

يعمل معظم أهالي أرواد إما بالصيد، وهي المجموعة الأقل حالياً، أو بالتجارة البحرية، أي على ظهر السفن التي تنقل البضائع المختلفة عبر العالم. هي مهنة مريحة مادياً نوعاً ما، إذا قارنا الأجور الشهرية مع بقية السوريين، لكنها الأصعب جسدياً ونفسياً، على البحّار وعلى عائلته ومحيطه.

كنت يوماً ما مارّاً من أحد أحياء أرواد، كان عمري وقتها ربما ٦ أو ٧ سنوات على أبعد تقدير، فسمعت صراخاً ونواحاً لعدة نساء أرواديات، وحين اقتربت لأعرف السبب، قيل لي إن ابنهم قد اختفى! 

اختفاء؟ ما الذي تعنيه هذه الكلمة؟

رأيت صورة هذا الابن. أعرفه، أو بمعنى أدق سبق ورأيته هنا أو هناك، ما به؟ سافر واختفى عن ظهر المركب. هذه العبارة ستتكرر كثيراً بعدها في طفولتي.  مركب غرق، مركب ضاع عن إشارات الرادار والأغلب أنه غرق أيضاً. شخص جاءته نوبة قلبية في عرض البحر، ولا أطباء أو إمكانية للعلاج، فسقط عن ظهر المركب، وربما وقع في ماكينة المحرك، وقع على عنبر السفينة (إذا كنت لا تعرف ما معنى عنبر، فلا بأس من البحث في غوغل)، فمات! لكن يظل الألم أشد حين يغرق المركب ويختفي الشخص. هنا يتعلق الأهالي ببريق أمل أن يكون في مكان ما، ربما أنقذته جهة ما وفقد ذاكرته، ربما اعتقلته جهة أخرى لأنها تريد منه معلومة ما، مع أن الجميع يدرك أن البحارة عادة لا يملكون معلومات هامة، وليس هناك أي جهة مهتمة باعتقاله، لكن الإنسان بحاجة دوماً إلى الأمل، حتى لو خرج على المنطق تماماً، لكن الحاجة للأمل أكبر حتى من العقل والعقلانية، وهنا تتحول دعوة كل المحيط لأهله "يرجعلكم بالسلامة" والأهل يردون دائماً  بـ: "آمين يا رب"

هو نوع من التواطؤ الاجتماعي بين جميع أهالي الجزيرة، الكل يعرف أن لا أمل بالعودة، لكن الكل يتظاهر بأنه ينتظرها. هنا تحملني ذاكرتي إلى العديد والعديد من الحالات التي أثرت بي شخصياً، بعضها سبب لي لحظات صدمة، لكني للأسف لا أستطيع ذكرها، فهي ذكريات أناس آخرين، ورضوض جيراني وأحبابي، ولا يحق لي ذكرها لأنها ليست ذاكرتي فقط، بل هي ألمهم الشخصي فسأحترمها وأصمت. أعتقد جازماً، أن هذه الأحداث لم تؤثر بي وحدي، بل على جميع أهالي أرواد، وقد كتبت أختي سوزان عسيلي رواية عن هذه المأساة بعنوان (أرواد حكاية سفر وانتظار) وزعت في طرطوس وأرواد بشكل محدود، فيها تشريح دقيق للمراحل النفسية التي يعيشها أهالي من يرحلون دون عودة، دون أي إثر لهم، ليتحولوا مع الزمن إلى لازمة (يرجعلكم بالسلامة)

أذكر هنا فقط حالة لشخص كان قريباً من الجميع (بمن فيهم أنا وعائلتي)، دائم الحركة والضحكة، بقيت والدته تنتظره سنوات وسنوات، وحين ماتت كان أول ما خطر على بالي: (ارتاحت من ألم الانتظار). أعلم أنه من غير العدل أن تمر ببالي هذه الخاطرة، وقد حزنت كثيراً على هذه السيدة، فبرحيلها ترحل بعض ممن شاركني ذكرياتي. أحبتني وأحبت عائلتي، لكن مقدار الوجع الذي رافق تلك السيدة كان شديداً جداً، لدرجة فعلاً أنه شعرت كما لو أن الموت كان راحة لها، رحمها الله هي وولدها.

"فرّاجي" الأعراس والنساء الفضوليات

أعلم أنه انتقال صعب ربما بين حالتين نفسيتين متضاربتين، لكن لا تعتقد أن الحزن هو دوماً المسيطر في أرواد، بل العكس تماماً، فأهالي أرواد يعشقون الفرح والرقص والغناء، وأكثر ما كان يُبهجني حين كنت طفلاً هو منظر (الإرّاجي) بتشديد الراء، وكي تفهم معنى الكلمة، هي بالأصل قادمة من كلمة (فرّاجي) أي من الفرجة، لكننا في أرواد لا نحترم كثيراً قواعد اللغة العربية في كلامنا المحكي، وحتى لا أدوات الصرف؛ فالإرّاجي هي المرأة التي تتفرج على العرس دون أن تكون مدعوة إليه. هي كلمة أعتقد أنها غابت الآن بعد تغيّر أساليب العرس الأروادي وبعد نهضة المجتمع الاقتصادية، فقد أصبحت الأعراس منذ أكثر من عشرين سنة تُقام في الصالات و الفنادق الفخمة، لكنها منذ قديم الزمان وحتى منتصف التسعينات تقريباً، كانت تقام حفلات الأعراس في البيوت. ولأن معظم البيوت صغيرة، فقد كان الأهل يكتفون بدعوة المقربين فقط، ولأن الأرواديين يحبون الفرح والغناء، كانت النساء غير المدعوات،  تلبسن الطرحة التي تغطي الجسم كله بما فيه الوجه، لتظهر عيونهم فقط و لباس أسود أشبه بالنقاب، لكنه يلبس فقط في هذه الحالة. يذهبون إلى العرس ليتفرّجوا على الرقص، ويسمعوا الدربكة والطبول، بجو كله ضحك وبهجة، مع قصد إخفاء المعالم لأنهم مشاركون دون دعوة، لكن الجو العام كله محبة وتسامح، وخاصة حين تتعرف بعض النسوة إلى الأخريات، فتفاجأها بسؤالها مثلاً عن صحة أخيها أو أمها أو أحد أفراد أسرتها، فتضحك الأخرى لأن سرّها قد انكشف، لكن الجميع يعلم أن الجميع يفعلها، والجميع يعلم أن كل الأرواديين نساءً ورجالاً، يشاركون في أعراس بعضهم مدعوين كانوا أو غير مدعوين!

 

اقرأ أيضا: أرواد ذاكرة المكان والإنسان-1: سكانها كلهم مسلمون سنة.. ولهجة أهلها قطعة من حلب!

العيد في أرواد 

ولأننا بدأنا الكلام عن الفرح فلنتابع به قليلاً، ولأحدثكم عن واحدة من أجمل ذكريات طفولتي، وهي "بحر العيد". هذه الكلمة واثق أنها مصدر فرح لكل أروادي، فقد اعتدنا في كل عيد، أي العيد الصغير (الفطر) والعيد الكبير (الأضحى)، أن تقام مراجيح العيد في منطقة تقع أقصى كورنيش أرواد (في الهناك بالنسبة لي، في الحارة القبلية يعني إذا كنتم تتذكرون) وغالباً (شقليبة) واحدة، واعذروني إذا استخدمت كلمة شقليبة، لأني لا أعرف غيرها كلمة تدل على هذه اللعبة، كانت تتألف من خمسة صناديق على ما أذكر، نركبها و(تشقلبنا) صاحبة هذا المشروع الموسمي، التي كانت هي ذاتها منذ أول لحظات وعيي على الدنيا بعمر ٣ ونصف أو أربعة، حتى لحظة هجرتي النهائية من أرواد. 

بالإضافة إلى المراجيح، كان هناك الكثير من المقاهي والمطاعم التي تصبح مزدحمة، فكل الأرواديين يخرجون إلى هذه المنطقة خلال ثلاثة أيام العيد، وهي الفترة الوحيدة التي تخرج بها البنات أيضاً ويشربون القهوة والأركيلة في المقاهي والمطاعم. عادة المجتمع الأروادي محافظ، لا اختلاط فيه سوى في هذه الأيام، لكني لا أذكر أي حادثة تحرش مثلاً أو إساءة، فالمجتمع الأروادي كله يعرف بعضه، لا أقصد هنا القول إنه لا زعران مثلاً أو متحرشين، لكن القوانين الاجتماعية والضبط الاجتماعي لهم كان كفيلاً بعدم ممارسة أي شخص لأي تصرف خارج عن الأدب، وخاصة تقنية أعتقد أن السوريين يستخدمونها كثيراً وهي (خاف ع إختك)!

ولأن بحر العيد عادة متأصلة يشارك بها الجميع ، فلكل شخص قريبة ما في بحر العيد هذا، وربما ذلك ما يحمي أي ممارسة خاطئة. وهنا لا أستطيع إلا أن أتذكر خطبة العيد لأحد رجال الدين (وليسامحني على ذلك) كان معروفاً بخطبته كل عيد، وحض الناس على التوقف عن هذه العادة (أي خروج الجميع من بيوتهم، نساء ورجالاً إلى المقاهي والمطاعم) لدرجة أن خطبته صارت محفوظة والكل يرددها غيباً، وأنا بدوري أيضا كنت أحفظ هذه الخطبة عن ظهر قلب (وما زلت، خطبة يرددها منذ منتصف التسعينات، وأعتقد أنه ما زال يفعل إلى اليوم، دون أن يطرأ أي تبدل على هذا التقليد)، فهي عادة غير قابلة للتغيير. أعلم أنها موجودة إلى الآن، وأتمنى أن تبقى موجودة دائماً.

ورق العنب في كل بيت

وبمناسبة العيد، هل هناك في مدينتك (عزيزي القارئ الذي ما زال متابعاً معي إلى الآن) طبخة معينة، يتشارك الجميع في تناولها؟

أتذكر أن شخصاً ما أخبرني أنه في دمشق، الكل يفضل أكل الشاكرية أول أيام العيد، أما نحن في أرواد فنطبخ ورق العنب، وأعتقد أن الأرواديين في جميع أنحاء العالم، ما زالوا محافظين على هذا التقليد.

وبمناسبة الحديث عن العيد، كنت أودّ أن أتحدث عن عادات رمضان أيضاً، بكل خصوصيتها في أرواد، لكني أخاف أن أصيبكم بالملل، وأود فعلاً أن تتابعوا معي رحلة الذكريات هذه، لذلك سأتركها لحلقة القادمة، فإلى الأسبوع القادم إن شاء الله.

 الحلقة الثالثة: السبت القادم

 

 

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات