تصريحات تشاووش أوغلو.. الشارع يسبق المعارضة من جديد: ثلاثة انطباعات وثلاث رسائل

أخبار سوريا || أورينت نت- عقيل حسين 2022-08-13 08:32:29

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

ما إن نشرت وكالة الأناضول، عصر الخميس، تصريحات وزير الخارجية التركي مولود تشاووش حول "ضرورة المصالحة بين المعارضة السورية والنظام" حتى ثارت موجة كبيرة جداً من ردود الفعل في أوساط الثورة السورية، بينما كان لافتاً تأخر المعارضة في التفاعل مع هذه التصريحات، الأمر الذي خلّف انطباعات عديدة وردود فعل واسعة يمكن ترجمتها كرسائل مباشرة أو ضمنية.

الأول: احتقان الشارع الثوري ووعيه

لم تمضِ سوى دقائق على انتشار تصريح الوزير التركي حتى ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالتفاعل السلبي معها من جانب السوريين، وكان لافتاً طوفان التغريدات والمنشورات التي تعبر عن رفض هذا التصريح واعتباره، ليس فقط تأكيداً على انقلاب في الموقف التركي تجاه القضية السورية، بل وإمعاناً في الوصاية على المعارضة، التي بات الكثيرون يخشون من انجرارها في السياق الذي يبدو أن دول محور أستانة قد توافقت عليه.

ولم يمض سوى وقت قصير على ظهورها، حتى تدفق المئات إلى شوارع وساحات المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في الشمال السوري، بمظاهرات احتجاجية على ما قاله تشاوويش أوغلو.

تعليقات السوريين ومظاهراتهم كان واضحاً فيها الغضب الشديد، والرفض الحاسم لأي تصالح مع نظام ميليشيا أسد تحت أي طائل، قبل تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بسوريا، حيث بات الجميع يخشى من أن تدفع دول مسار أستانة إلى تنفيذ حلّ خارج إطار هذه القرارات، وهو ما لم تُخفِه روسيا وإيران من قبل وفي أكثر من مناسبة.

لكن المتابع للشعارات التي رُفعت في هذه المظاهرات، والتعليقات التي نشرها الناشطون والسكان في تلك المناطق، يجد أنها تجاوزت مجرد انتقاد تصريحات تشاوويش أوغلو الأخيرة هذه، لتشمل مجمل المواقف والتصريحات التركية، على الأقل تلك التي صدرت منذ التحضير لقمة دول أستانا، التي عقدت في العاصمة الإيرانية طهران، في التاسع عشر من تموز/يوليو الماضي، والتي كانت تصب في هذا الاتجاه.

ولم يتوقف الأمر عند هذه النقطة، بل ظهر جلياً أن الجمهور انتهز هذه الفرصة للتعبير عن غضبه من إدارة المناطق الخاضعة للنفوذ التركي، والقصور الفجائعي لمؤسسات المعارضة وقياداتها، المتهمة بالارتهان والتبعية الكاملة لأنقرة.

النقطة التي يجب التوقف عندها بهذا الصدد أيضاً تمثلت بأقدام أحد المشاركين في المظاهرات التي اندلعت في تلك المناطق على إحراق العلم التركي، الأمر الذي جرت مواجهته بحزم، ورغم غياب الشرطة أو القوات المسلحة عن هذه المظاهرات، إلا أن التعامل الحاسم للمشاركين فيها منع أي تجاوزات.

الثاني: حضور المعارضة العسكرية

على عكس توقعات الكثيرين ربما، فقد سارع العديد من قادة الفصائل العسكرية، سواء المنضوية داخل الجيش الوطني أو خارجه، إلى التعبير عن رفضهم لتصريحات الوزير التركي خلال الساعات الأولى التي أعقبت نشرها.

ورغم تباين مستوى الجرأة في نقد هذه التصريحات، إلا أن القاسم المشترك فيها كان رفض البند المتعلق بمصالحة النظام، والتأكيد على التمسك بمطالب الشارع الثوري وخياراته.

بالطبع لم يكن أمام هؤلاء القادة سوى مجاراة الرأي العام الغاضب والرافض للتصريحات التركية، حيث كان الجميع يترقب ما سيصدر عن الفصائل العسكرية من مواقف، إلا أن اللافت في الوقت نفسه غياب قادة فصائل أخرى عن التفاعل مع الحدث، بينما حضر آخرون في وقت متأخر يوم الجمعة.

تأخر موقف المعارضة الرسمية

لكن انتظار الشارع الثوري لمواقف مؤسسات المعارضة الرسمية بهذا الخصوص طال كثيراً، حيث نام الجميع ليلة الخميس/الجمعة دون نتيجة.

صباح يوم الجمعة، وبينما كان الشارع في المناطق المحررة يتحضر لمظاهرات بعد صلاة الظهر، أصدرت وزارة الخارجية التركية بياناً علقت فيه على ما صرح به الوزير أوغلو وجددت تمسك تركيا بموقفها من القضية السورية.

ولم تمض سوى دقائق على صدور البيان حتى أخذ صوت مؤسسات المعارضات السياسية بالظهور، وكانت البداية من عند رئيس هيئة التفاوض بدر جاموس، الذي اعتبر أن "‏الحل في سورية ينطلق من القرارات الأممية وعلى رأسها القرار 2254 وتحقيق الانتقال السياسي".

لكن جاموس الذي قال “‏تواصلنا مع الجهات التركية الرسمية، وأكدوا على استمرار دعم الشعب السوري وتطبيق القرار الدولي 2254 للوصول إلى حل سياسي يشمل الانتقال السياسي والإفراج عن المعتقلين وعودة المهجّرين ومحاسبة المجرمين” لم يُشر لا من قريب أو من بعيد إلى ما صدر عن الوزير التركي !

اللافت أيضاً هو تركيز رئيس الهيئة على حادثة حرق العلم التركي التي كانت فردية كما قلنا، مقابل التعامل مع العلم ومختلف الرموز بالشكل اللائق من قبل الشارع الثوري، حيث أكد جاموس على "رفض ما حصل من "تجاوزات وحرق لعلم دولة شقيقة اختلط دم أبنائها بدمنا في تحرير الأرض ومحاربة الإرهاب، وتحتضن أربعة ملايين سوري على أرضها".

الموقف ذاته وبشكل حرفي تقريباً كررته تباعاً وبفارق دقائق فقط، كل من الحكومة السورية المؤقتة والائتلاف ووزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة، وقبلها إدارة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني.

"بيانات مبتورة" هكذا وصفها أحد الناشطين في تعليق مقتضب عليها، وأضاف: اللافت أنها صدرت عن شخصيات عامة تسعى جاهدة ومجتمعة إلى تمييع الهدف القائم على رفض التصريحات التركية، وتحويل القضية نحو عدم المساس بالعلم التركي الذي يعتبر من المسلمات لدى شباب الثورة.

تأخر إصدار هذه المؤسسات موقفاً من تصريحات وزير الخارجية التركي إلى ما بعد نشر الوزارة بيانها التوضيحي، وتزامنها الفاضح من حيث التوقيت، وتكرارها الكلمات نفسها من المضمون، وتركيزها النقاط ذاتها أيضاً، كل ذلك تسبب بموجة جديدة من السخط والسخرية أيضاً، حيث رأى الكثير من السوريين أنها نتاج تعليمات تلقتها هذه المؤسسات من جهة واحدة في وقت واحد.

الثالث: تردد المعارضة المستقلة وتباين مواقفها

أما بالنسبة لشخصيات وقوى وهيئات المعارضة المستقلة، فقد تباين مستوى حضورها مع المناسبة التي كانت كل ما يشغل السوريين خلال الساعات الماضية.

أول الجهات المبادرة إلى إصدار موقف صريح ومباشر كانت نقابة المحاميين الأحرار التي أدانت في بيان لها تصريحات الوزير تشاوويش أوغلو، وطالبت برفع الوصاية التركية عن الثورة السورية، ووقف التفاوض مع النظام.

عدة تجمعات وأحزاب أخرى أصدرت بيانات فورية عصر الخميس، تباينت من حيث اللغة، لكنها أجمعت على رفض ما صدر عن وزير الخارجية التركي بخصوص المصالحة بين المعارضة والنظام، إلا أن اللافت هو صمت الغالبية العظمى من الشخصيات والتيارات والهيئات غير الممثلة بأي من أطر المعارضة الرسمية وتجاهلها الحدث كأن شيئاً لم يكن.

أمر فاقم غضب الرأي العام الثوري الذي طالب، إلى جانب إسقاط الائتلاف وبقية المؤسسات التابعة له، بالعمل على إنتاج ممثلين للثورة على وجه السرعة من خارج هذه الأطر والقوى والشخصيات، التي وصفت بأنها لم تكن على مستوى الحدث، وأكد طيف واسع فيه أنها ليست بأفضل حال من المؤسسات الرسمية ولا يمكن الاستمرار في التعويل عليها.

ثلاث رسائل واضحة

من خلال ردود الفعل والجدل الذي ساد المشهد السوري عقب التصريحات الأخيرة لوزير خارجية تركيا، يمكن تلمس العديد من الرسائل التي وجهها الشارع الثوري، بعضها كان صريحاً والبعض ضمنياً، لكن يمكن دمجها في ثلاث رسائل أساسية:

الأولى| لا تصالح مع النظام: كان واضحاً الرفض الحاسم والقوي لفكرة المصالحة ببن المعارضة ونظام ميليشيا أسد، والتمسك ببنود القرارات الدولية التي تنص على مرحلة انتقال سياسي تقودها هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات لا مكان فيها لبشار أسد ونظامه، وهي الرسالة التي وصلت سريعاً إلى بريد الخارجية التركية على ما يبدو، لتسارع بعد ساعتين فقط إلى تعديل تصريح تشاوويش أوغلو من أن "وجوب المصالحة بين المعارضة والنظام"، إلى العمل على التوصل "لاتفاق بين المعارضة والنظام".

الثانية| رفض الوصاية والفساد: الرسالة الثانية الواضحة أيضاً تمثلت بالتعبير عن أن كيل المناطق المحررة قد طفح، بسبب سوء إدارة المناطق المحررة التي تخضع للنفوذ التركي والفساد المستشري فيها، إلى جانب عدم القبول باستمرار تحكم أنقرة بشؤون الثورة والمعارضة، وهي وصاية سمح بها وجود قادة سياسيين وعسكريين قبلوا بالتنازل عن كل الصلاحيات والمسؤوليات مقابل بقائهم في مناصبهم، كما يقول أكثر السوريين.

الثالثة| البحث عن بدائل: إلى جانب التعبير عن تقلص الآمال الشعبية بغالبية القوى والشخصيات المعارضة التي لم تكن عند مستوى التطلعات في هذا الموقف والمواقف الأخرى، فقد بدا جلياً في نقاشات الناشطين والشارع الثوري ضرورة البحث عن بديل لهذه المؤسسات وهؤلاء القادة من أجل تمثيل الثورة. كما لم يُخفِ الكثير منهم ضرورة العمل على عقد تحالفات جديدة مع دول أخرى، طالما أن تركيا قدمت كل ما بوسعها ولم تعد قادرة على تحمل المزيد من الأعباء في الملف السوري.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة