أرواد ذاكرة المكان والإنسان-1: سكانها كلهم مسلمون سنة.. ولهجة أهلها قطعة من حلب!

ثقافة وفنون || أحمد عسيلي 2022-08-06 10:27:59

الحلقة الأولى من سلسلة (أرواد ذاكرة المكان والإنسان) وأدب السيرة الذاتية
الحلقة الأولى من سلسلة (أرواد ذاكرة المكان والإنسان) وأدب السيرة الذاتية

في نهاية شهر حزيران عام ٢٠١٢ ، زرت لآخر مرة أرواد، تلك الجزيرة التي احتضنت طفولتي وجزءاً من مراهقتي، لم أكن أدرك وقتها أنها كانت تلويحة وداع، فخيار السفر والهجرة لم يكن جزءاً من مخططاتي، خاصة في تلك الشهور الحافلة بالأحداث السياسية، وكنت كغيري من الشباب، يملؤنا  الحلم بوطن حر وغني وديمقراطي.... فأصبح الوطن نفسه بعد عدة شهور مجرد حلم!

ربما الآن، بعد١٠ سنوات من تلك الرحلة، أصبحت أنظر لتلك الجزيرة، لطفولتي، لشبابي وحتى للمجتمع الأروادي ولكل ما حدث، نظرة مختلفة.

سأحاول من خلال هذه السلسلة (وربما في حلقات لاحقة إن سمحت لي الظروف) العودة قليلاً إلى الوراء، في جلسات أقرب للبوح، ربما للمصالحة مع النفس والتاريخ الشخصي، وللحديث أيضاً عن هذه الجزيرة من الداخل، وهنا لا أقصد فقط من داخلها كأحد أبنائها، وإنما من داخل روحي ووعيي، وكما رأيتها طفلاً وولداً يسكنها، وشاباً هجرها لكنه بقي يتردد عليها بشكل مستمر، ومن ثم رجلاً تجاوز الحادي والأربعين عاماً منذ عدة أيام، وما زال رغم١٠ سنوات من المنفى، محتفظاً برابطة قوية بهذه الجزيرة من خلال تتبع أدق تفاصيل أخبارها، عبر معظم صفحاتها على الفيسبوك من جهة، ومن خلال عائلتي وبعض من علاقات اجتماعية ما زالت صامدة من جهة أخرى. لنبدأ إذن

البدايات: أروادي أباً عن جد!

أنا أروادي، نعم أروادي، أحمل هذه الصفة بمحض الصدفة، لكن بكل قوة، بكل تأصل للجذور، فقد ولدت في أرواد في ١١ تموز ١٩٨١، لأم أروادية وأب أروادي، لجد وأب جد من أرواد ومن كلا الجانبين، وإن كانت كنيتي (عسيلي) تشير كما يقول البعض إلى عسال الورد في ريف دمشق، لست متأكداً، لكن ما عشته كان فقط في أرواد، ولم أزر عسال الورد هذه ولا مرة في حياتي! 

نشأت في إرواد، اكتسبت لهجتها المميزة، والتي لأسباب لا أعرفها تشبه كثيراً اللهجة الحلبية؟ ربما يجدها البعض شيئاً غريباً، فما الرابط بين هذه الجزيرة وحلب حتى نتشابه باللهجات؟ لا أدري، لكننا كلانا نقول: "إشو" المميزة لنا، كلانا يتكلم بتفخيم وتضخيم للكلمات، حتى إن الكثير من سكان الشرق السوري يعتقد حين يسمع لهجتنا أننا من أحد أرياف حلب!!!! على كلٍ فالشبه ليس فقط باللهجة فقط ، بل بأشياء كثيرة سأحدثكم عنها لاحقاً.

ميلاد الأيام السوداء! 

ولدت إذن ببداية الثمانينات، في واحدة من أسوأ فترات التاريخ السوري، حرب النظام مع الإخوان، و وقوف المكتب السياسي للحزب الشيوعي في صف المعارضة، النشاط الشبابي لجماعة العمل الشيوعي، لكن كل هذه الأحداث كانت بعيدة جداً عن أرواد، وكأننا نعيش في بلد آخر...

ولدت لعائلة بسيطة (ككل عائلات أرواد) فقيرة (كمعظم عائلات أرواد أيضاً) 

كنت أعتقد أن صعوبة الحصول على رغيف الخبز شيء بديهي من صعوبات الحياة، وهنا لا أقصد الحصول عليه لفقر مادي،  فقد كان أبي صياداً كادحاً، قادراً دوماً على تأمين ما يلزمنا مادياً، لكن الخبز بكل بساطة غير موجود٠

ولحسن حظي (بكل ما في هذه الكلمة من أنانية) كنت الأصغر بين إخوتي، وبالتالي لا مسؤولية علي، لكن تقع كل المسؤولية على أخويّ الأكبر سناً ( بـ ٤ و ٧ سنوات) كي يقفوا يومياً على باب الفرن لساعات وساعات، و أيضاً على باب المؤسسة الاستهلاكية لأيام و أيام ، كي يحصلوا على الخبز، الشاي، السكر والأرز!

كانت تلك الأيام بالنسبة لي فرصة للعب والبقاء خارج البيت حتى لساعات متأخرة من الليل، طالما مع إخوتي الذين يقفون على باب الفرن طوال الليل للحصول على ربطة خبز!

ولدت إذن لأب صياد ومثقف، عاش خيبة العمل السياسي بعدما سُجن بتهمة الانتماء للحزب السوري القومي، فقرر هجر العمل العام والالتفات للأسرة، فهي مسؤوليته الأولى، ولم يكن يملك (رفاهية الاعتقال السياسي).

الحارة القبلية والشمالية

بيتنا يقع في حي الشمالية، إذن هنا اكتسبت أيضاً هوية جديدة إضافية وإن كانت جداً محلية، فأنا من حي الشمالية، فأرواد تُقسم إلى عدة أحياء، لكننا مجموعتان أساسيتان، شمالية و قِبلية، وعلى كل أروادي أن يعرّف عن نفسه بإحدى هاتين الصفتين، لدرجة أنني حين كنت طفلاً، كنت أعتقد أن العالم كله مقسوم إلى شماليين و قِبليين (ربما لم أكن مخطئاً) لا أدري كيف ولماذا،  لكننا كنا نطور هوية فرعية جداً متأصلة، في اللعب وحتى في الانتماء داخل هذه البقعة المتناهية في الصغر، فأنا كأروادي من الحي الشمالي، حين أذهب للتمشي في الحي القبلي، أعتقد فعلاً أنني ذهبت لـ(هناك) في البعيد .

وأذكر أن إحدى جاراتنا، امتنعت عن إرسال ولدها إلى المدرسة، لأن المدرسة  بعيدة في القبلية، وقالت إنها غير مستعدة لإرسال ولدها (إلى هناك) فهل تتخيلون أن الـ(هناك) تقع على مسافة ١٠ دقائق مشي!!!

صعوبات إدارية للترميم والبناء ممنوع

تفتحت عيوني على بيت كبير نسبياً، كان ورثة أبي عن جدي، الذي ورّثه بدوره عن والده، وفي كل انتقال للبيت بين الأجيال، تنقص مساحته قليلاً ، لكننا كنا آخر عائلة ترثه وتسكن فيه، لأن عائلتي انتقلت لاحقاً في عام ١٩٩٨ إلى طرطوس، مع موجة انتقال العائلات الأروادية إلى المدينة في ظل صغر المساحة، والصعوبات الإدارية في الترميم والبناء، لأن الجزيرة تُعتبر رسمياً كلها منطقة أثرية لا يجوز فيها الترميم؟

تركنا بيتنا فارغاً عدة سنوات ( كمعظم عائلات أرواد) لنحول الطابق الأرضي لاحقا إلى روضة أطفال، بعد صدور قوانين المدارس والروضات الخاصة، شعور غريب وصعب الفهم، حين أشاهد غرفة الجلوس و قد تحولت إلى غرفة إدارة للمدرسة، والصالون إلى أحد الصفوف، وحديقة المنزل الخلفية إلى باحة للعب.....لكنها ميزة أيضاً أنني إلى الآن قادر على رؤية بيتنا يومياً من خلال صفحة الروضة على الفيسبوك...ولا تعتقدون حين أقول الطابق الأرضي أن بيتنا كان ناطحة سحاب، فهو طابقان فقط ، في جزيرة أعلى بناء فيها يتألف من ثلاثة طوابق فقط، ولا أعتقد أنه يوجد في أرواد إلى الآن بناء أكثر ارتفاعاً من ذلك ( في طفولتي، حين كنا نقول بناء شاهق، كانت أول صورة ترد إلى ذهني هو بيت جارتنا ذا الـ٣ طوابق)

المدرسة الابتدائية: سجن بلا دورات مياه! 

لم يكن لدينا في طفولتي روضة للأطفال، وإنما غرفة واحدة تستقبل الأطفال تحت سن ٦ سنوات   بشكل مدفوع، في نفس مبنى المدرسة الابتدائية، وهي مدرسة كبيرة (أو ربما هكذا كنت أراها في طفولتي، طالما أن البناء الشاهق عندنا يتألف من ٣ طوابق)، ببناء يشبه تماماً بناء السجون، كمعظم أبنية المدارس السورية في تلك الفترة.

كنت أرى الموضوع جداً طبيعياً، فالمدرسة سجن يومي للأطفال، يغلق البناء ويمنع الدخول والخروج. قوانين صارمة ، بناء متهالك بلا دورات مياه ولا حنفيات للشرب.....

كنا نأتي المدرسة ومع كل تلميذ قُربة ماء، وفي فترات الحر وحين نشرب القربة، علينا أن نخوض صراعاً عنيفاً في فترة الاستراحة كي نفوز برشفة ماء، و كلنا أمل وأن ينتهي الدوام دون أن نشعر برغبة في الدخول إلى الحمام، لأن الحالة كانت مزرية جداً.

الآن حين أستعيد هذه السنوات، أو حين أرى بعض المدارس في فرنسا، أدرك كم أن طفولتنا كانت مسروقة، ربما حاول أهالينا جهدهم في منحنا الحب والاهتمام، لكن أن يعيش أطفال سنوات دراستهم الأولى دون حمامات ولا مياه، يدرسون بأبنية تشبه السجون، و كتب مدرسة نظرياً كانت مجانية، لكننا جميعاً كنا مضطرين لشراء نسخة جديدة ببداية كل عام دراسي، فهي سرقة لأجمل تفاصيل ذاكرتنا!

المساجد: الفوقا والتحتا!

منذ وعيت على الدنيا، وفي جزيرتنا مسجدان، اسمهما بكل بساطة مسجد الفوق، ومسجد التحت!

ولأن الفاصل بينهما شارع هو السوق المركزي في أرواد، وهو أشبه ما يكون بسفح تلة منخفضة الارتفاع، فإنهما أصبحا “فوق وتحت”!

وبالإضافة إلى هذين المسجدين اللذين يتطلب ارتيادهما أو الصلاة فيهما صعود سلالم، هناك زاويتان للصلاة، هي غرف بسيطة، غالباً يرتادها كبار السن لأنها طابق أرضي.

هجرة المسيحيين الغامضة!  

ربما نسيت أن أخبركم أن أهالي أرواد كلهم مسلمون سُنة، وإن كانت تدل أسماء بعض الأحياء على وجود مسيحي سابق،  في عصرٍ ما ( حي مارتقلا ) وأعتقد أن الوجود المسيحي كان بنسبة معقولة لفترة قريبة، لأنني قرأت صدفة ذات مرة في بعض أوراق شقيق جدي الذي كان يعمل كقاضٍ في أرواد، عن بعض الخلافات وبعض عقود البيع والشراء لبعض الممتلكات في بدايات القرن العشرين، و بأسماء مسيحية (جورج مثلاً) لكن لا أدري ما هي الظروف التي جعلت الجميع يرحلون، وأعتقد أنها كانت فعلاً خسارة لأرواد هجرة المسيحيين منها، وقد حاولت كثيراً أن أعرف الظروف التاريخية لهذه الهجرة لكن لم أحصل على جواب، أو ربما لا يوجد جواب أصلاً، فأرواد جزيرة صغيرة، ربما كانت بها ٥ أو ٦ عائلات سكنت حي مارتقلا هذا، ثم هاجرت كما هاجر معظم أهالي أرواد إلى طرطوس واللاذقية، ومن ثم طرابلس وبيروت ومن ثم في فترة لاحقة إلى اليونان وقبرص في منتصف  التسعينات من القرن العشرين، هذه الهجرات التي ستؤثر كثيراً على بنية المجتمع و طريقة تفكيره وعلى مستواه الاقتصادي وطبيعة العمل بين أفراده، هي هجرة أعتقد أنها تستحق مقالة منفصلة.

 

الحلقة الثانية: السبت القادم 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات