من حافظ الأسد إلى قسد.. أهالي قرى الغمر بين انتقامين

أورينت نت- دير الزور: أحمد المصطفى 2022-08-05 11:05:09

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

"المغمورون" الملف المغلق منذ أكثر من أربعين عاماً، ويعاد فتحه بين الحين والآخر، منذ عام 2014 إلى يومنا هذا، لا يزال يؤرّق من تعرّضوا للتهجير من قراهم وبلداتهم بريف الرقة بأمر من حافظ الأسد عام 1974، في ظل محاولات ميليشيا قسد المستمرة لتغيير التركيبة السكانية، وطرد العرب أو التضييق عليهم، من خلال ممارساتها التي لا تخفى على أحد.

مصادر "أورينت" أكّدت أن "قسد" بدأت منذ نحو ثلاثة أشهر بجمع بيانات لأصحاب الأراضي التي تم تسليمها من قبل النظام في فترة حكم حافظ الأسد لمن تم تهجيرهم من مناطقهم بريف الرقة بعد أن غمرت مياه بحيرة "الأسد" أراضيهم عام 1974.

عنصرية قسد الممنهجة ضد العرب

وأشارت المصادر إلى أن "قسد" بررت هذه الخطوة بمطالبات أصحاب الأراضي وورثتهم بما وصفتها بـ"حقوقهم" بأراضيهم التي تم إجبار أهالي المناطق التي غمرتها بحيرة "الأسد" على النزوح إليها، بقرار من نظام الأسد الأب، وحصل تهجيرهم من قراهم بين عامي 1972-1979 وكانت أعدادهم تقدر حينها بـ 25 ألف نسمة حيث استقروا في الجزيرة العليا بقرى استُحدثت حين نزوحهم إليها ويبلغ عددها وفق مطّلعين 41 قرية.

وتَعتبر "قسد" وموالوها أن هذه العملية (تهجير أهالي المناطق المغمورة) جاءت لتطويق الوجود الكردي بما يصفونه بـ"الحزام العربي العنصري" على الحدود التركية السورية، ويعتبرون أن قرار "الغمر" ضد الأكراد فقط، متناسين قانون "الإصلاح الزراعي" الذي صدر عام 1958 وأن الأراضي لم تكن لملّاك أكراد فقط، بل كان بينهم عرب، وتم تطبيق هذا القانون، على من تزيد ملكيتهم على حد مسموح به، حيث اقتُطعت أراضٍ لمُلّاك من دير الزور، بلغ عددهم نحو 900، وفي الحسكة بلغ عددهم نحو 1100 شخص، لم يكونوا أكراداً فقط، بل بينهم شيوخ قبائل عربية وكردية ومَلّاكين ومزارعين سريان.

ويرى الشيخ "مضر حماد الأسعد" أحد شيوخ قبيلة الجبور، ومدير منظمة “السلام لفض النزاعات” حول فتح "قسد" ملف المغمورين في هذه الأيام، أن "إصدار القرارات التعسفية الانتقامية بحق العرب في محافظة الحسكة من جانب "الإدارة الذاتية الكردية" التابعة لميليشيا "بي واي دي" الجناح العسكري السوري لتنظيم "بي كي كي" الإرهابي ليس بجديد، وذلك لأن المضايقات بحق الشعب السوري في منطقة الجزيرة والفرات وخاصة لأبناء محافظة الحسكة مستمرة".

وأضاف أن العرب والسريان يشكلون أكثر من 75% من سكان المحافظة، و"بصراحة هذه القرارات والإجراءات الانتقامية وبناء السجون والمعتقلات وكذلك التجنيد الإجباري والقسري وتجنيد الأطفال والقاصرات ومصادرة الممتلكات العامة والخاصة وسرقة الموارد النفطية والغاز والثروات الباطنية الأخرى والزراعية والحيوانية والأراضي الزراعية في "خط العشرة" وفي أقصى شمال شرق سوريا لم تتوقف منذ سيطرة "قسد" على المنطقة"، والهدف من ذلك هو تهجير العرب، المكوّن الأكبر في الحسكة ثم السريان والتركمان، وذلك من أجل إسكان أهالي عناصر الـ"بي واي دي" وتوطينهم بعد أن تم جلبهم من تركيا وإيران والعراق وجبال قنديل وسنجار وبقية دول العالم.

صورة عن استمار الإحصاء التي تجريها قسد تستثني منها أراضي قرى الغمر

إعادة تهجير وطرد العرب

وأشار الأسعد لموقع "أورينت" أن “إجراء الإحصاء السكاني الذي قامت به ميليشيا قسد ”هو من أجل إعادة تهجير وطرد العرب الذين يقطنون محافظة الحسكة وخاصة من المناطق المهمة مثل القامشلي وعامودا والقحطانية والمالكية ورميلان وجبل عبد العزيز واليعربية، لتزوير الإحصاء، وجعل عدد العرب أقل، وخاصة بعد تهجير نصف سكان المحافظة وأغلبهم من العرب بسبب المضايقات الأمنية".

وحول استخدام "قسد" لهذا الملف كورقة ضغط على المغمورين والتلويح به مراراً وتكراراً يقول الشيخ مضر الأسعد، إن "قسد تسعى وبكل الطرق لتنفيذ أي قرار يصدرونه لمصلحتهم الخاصة وليس للمصلحة العامة، لأن المصلحة العامة تقول إن هذا الإجراء سيؤدي إلى مشاكل وفتنة عشائرية وقومية في محافظة الحسكة، وستكون له منعكسات سيئة جداً، وربما سيتم حمل السلاح واستعماله لأن عملية طرد سكان نحو 40 قرية في الحسكة هو أمر خطير جداً وهؤلاء السكان سيتصدّون بالسلاح لمن يحاول أن يطردهم من مزارعهم ومنازلهم ويشردهم".

وعن ممارسات قسد تُجاه أهالي الغمر يقول الأسعد: "إن المغمورين تعرّضوا إلى كثير من المضايقات من جانب قوات "قسد" التي سيطرت على ريف محافظة الحسكة بالتعاون مع ميليشيا أسد، على اعتبار أنهم وافدون إلى المحافظة، وما عادت قوتهم كما كانت في زمن مضى، بخاصّة مع انقسامهم أمام ما جرى في سوريا، ولعل فرض قانون التجنيد الإجباري، ماهو إلا وسيلة لدفع شباب العرب إلى الهروب خارج حدود المحافظة، كما تمّ ترحيل الكثير من أبناء المغمورين في قرى القيروان وتل حلف والراوية والعزيزية والدهماء وتل الأرقم وتلال العلو التي تم إحراق بعض البيوت وتهجير أهلها".

 تهجير المغمورين

وأشار الأسعد إلى أن الأوضاع الأمنية السيئة بمناطق "قسد" التي دفعت بعض العائلات إلى بيع أراضيهم وكذلك تدهور الوضع المعيشي، وغياب فرص العمل، وتعزيز التفرقة بين مكوّنات المجتمع، واستمرار إرسال النفط لمناطق سيطرة أسد، وعدم توزيع أي من عوائده على المدنيين، عوامل كان لها الدور الكبير في عمليات تهجير قسري غير معلن، واستخدمت "قسد" كذلك في حربها ضد المكون العربي ولا سيما المغمورون ملف "التبعية لتنظيم الدولة".

ورغم ذلك لا تزال عيون "قسد" ومن يحكمهم في العلن وفي الخفاء، تبحث عن أي ملف يمكن أن يجعل العرب أقليّة، وذلك بالتزامن مع سياسة التضييق على العربي الذي أجبرته ظروف القصف من ميليشيا أسد وإيران وروسيا، على ترك أرضه والنزوح لمناطق سيطرة "قسد"، وتستصدر قوانين، أقل ما يمكن وصفها بأنها "عنصرية" ولا سيما قانون "الكفيل"، إذ لا يُسمح لأي نازح بالدخول إلى الحسكة إلا بكفيل "كردي"، وتبرر هذا "القانون" بأنه "أمني".

ويقول أحد المغمورين الذي رفض الكشف عن اسمه لأسباب تتعلق بسلامته من ردة فعل انتقامية من "قسد" إن الميليشيا تمارس التضييق فقط ولا تستطيع تهجير المغمورين إلى حاضرة الفرات، إذ إنهم يشكلون كتلة كبيرة من السكان في مناطق سيطرتها، ويرى أن العيون موجهة إلى المليشيات الكردية التي لا يمكن أن تتصرف بشكل يثير الرأي العام المحلي والعالمي، ولكنها تستخدم الحرب النفسية، وسياسة التضييق فقط، لكي تضمن هجرة المغمورين بطريقة لا يكون فيها التهجير جماعياً، ويرى أن التهجير يمكن أن يكون واقعاً في حالة واحدة وهي تقسيم سوريا، وعند ذلك يمكن أن تعيد "قسد" إجبارياً جميع المغمورين إلى حاضرة الفرات حسب رأيه.

ولا يزال وصف "محتلّين" أو مستوطنين" مزروعاً ولو بشكل غير معلن، بفكر من يريدون تهجير "المغمورين" الذين كانوا ضحية للأسد الأب الذي رأى في تهجيرهم وإجبارهم على عدم الانتقال إلى أراضٍ بجانب قراهم التي تركوها، مهرباً من دفع تعويضات لهم عن أراضيهم، وصفّق المخدوعونَ حينها لإنجاز حافظ الأسد، متناسين ما خلّفته البحيرة من مشاكل لم يكن أحد يتوقع أن يأتي يوم، وتكون ورقة تهديد، بتهجير آخر، بدوافع "قومية"، ولا سيما أن المسيطِر على المنطقة اليوم هو ميليشيات “قسد”.

معاناة مستمرة منذ حكم حافظ الأسد حتى قسد

الصحفي حسن عبد الله الخلف وهو أحد المغمورين يقول في مقالة واصفاً الأثر النفسي على المغمورين إن "عامل التهجير ترك أثراً نفسياً بالغاً في نفوس الذين أُجبروا على الرحيل، إذ خسر أهالي القرى المغمورة ذكرياتهم وتاريخهم، ولم يحصلوا على حياة جديدة كريمة، كما كان يدّعي أصحاب الحكم آنذاك، وتحاول كتب التاريخ محو ذكرى القرى التي كانت موجودة، وبقايا حكاية هذا المكان، لتبقى أسيرة لكتب التربية القومية الاشتراكية البعثية التي تروي حكايته بوصفها أحد إنجازات “سورية الحديثة”.

ويتابع: "وربما ضاعت حكاية تهجير أهالي القرى المغمورة ومعاناتهم في زحمة حكايات الثورة التي شِيد السدّ باسمها، ذلك الاسم الذي رفضه أهل المنطقة، واستمروا في تسميته سد الطبقة، فقد أكلت ( ثورة ) سد الفرات أبناءها، واليوم يحتاج السد إلى حملة لإعادة كتابة تاريخه، فيما لا يزال الفلاحون الذين أخذ السد وبحيرته أرضهم ينتظرون. ويا للمفارقة تسميها المطبوعات الرسمية (بحيرة الأسد). لم يُقدِم عرب الغمر على دفن موتاهم في مناطق سكناهم الجديدة بل كانوا ينقلونهم إلى الرقة حتى بداية الثمانينات".

ويضيف أن "شعور العزلة يمثّل المغمورين أكثر الأقليات أقلية في سورية، لا أقلية بعدها، يُنظر إليهم نظرة احتقار وعدائية من الأكراد ومنطلقات أفكارهم الحزبية، ومن جزء لا بأس به من عرب المنطقة. فهم مستوطنون ومحتلون، انطوت هذه الجماعة على نفسها، وصارت لا تتزاوج أو تتصاهر سـوى من داخلها، وأصبح لهذه الجماعة (المغمورين) عالم داخلي مهمش خاص بها داخل منطقة الجزيرة المهمشة أصلاً، وكأنها طائفة دينية غامضة. 

وأوضح أن "المغمورين الآن نحو 165 ألف نسمة من ثلاثة أجيال (الجيل الأول جيل الآباء، وجيل المراهقين أثناء الغمر والجيل الثالث الذي وُلد بالحسكة) وكل جيل له همومه ومشكلاته التي يوحّدها التهجير القسري كما حدث عند أهالي منطقة النوبة في مصر والتبت، فهناك آلاف الأجيال التي تربت، وكبرت في تلك المناطق، واختلط عرقهم بملح تلك الأرض، وصارت لهم ذكريات وأفراح وأتراح وأعراس ومقابر".

وعن نظرة الأكراد وموقفهم من المغمورين يقول الصحفي "المغمور" بأن موقف المحيطين العربي والكردي من أبناء المناطق التي هُجروا إليها تجاه المغمورين، كان متماثلاً على المستوى الشعبي، ولكن الأحزاب الكردية استغلت وجود المغمورين وقراهم التي تشكل أقل من 2 بالمئة من سكان محافظة الحسكة في منشوراتها الحزبية، وسنة 2009 ، أصدر التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا، والذي كان يتألف من 6 أحزاب كردية هي عماد القوى التي شكلت المجلس الوطني الكردي لاحقاً، كراساً حمل عنوان حملة (تعريب أسماء المدن والقرى الكوردية في كوردستان سورية)، تطرق من خلالها إلى قرى المغمورين، الذين تم وصفهم وسأقتبس (أنهم أشد أعداء القومية الكردية، واليد الضارية للحكومة السورية في إرهاب الأهالي الكورد إلى جانب الأجهزة الأمنية المتنوعة والأخطبوطية المنتشرة في كل ركن من أركان المنطقة الكردية).

المغمورون: سكان وادي الفرات

ولمن لا يعرف شيئاً عن قضية "المغمورين" فـ"المغمورون" لفظ يطلق على سكان وادي الفرات الذين غُمرت أراضيهم بمياه بحيرة سد الفرات عام 1974، ومشروع السد بدأت فكرته سنة 1955م لكنه تعثر أيام الوحدة، ليعاد التفاوض بخصوصه مع الفرنسيين والألمان الذين تعهدوا بتمويله وإنشائه في عهد حكومة الانفصال، لكن مع وصول البعث للسلطة توقف تنفيذ المشروع، قبل أن يُستأنف بمنحة من الاتحاد السوفييتي سنة 1968.

الأديب السوري موسى الأسعد وهو أيضاً أحد المغمورين ذهب إلى مقارنة بين ما حصل عند بناء السد العالي بمصر وما حصل للمغمورين في سوريا يقول: "حاولت أن أعود لتاريخ السد العالي في مصر وله بحيرة أكبر من بحيرة سد الطبقة، فلم أجد ذلك الحيف الذي مورس علينا"، ويضيف: "عدتُ حتى للروايات والقصص التي تناولت السد فوجدتها تُمجّد السد والكهرباء والبحيرة وكأنها جزء من نشرة أخبار التلفزيون الحكومي، وهذا جيد لا أنكره بل أنا سعيد بحصوله -إن حصل- ولكنني حزين جداً لأنني لم أجد من يتحدث عني وعن أهلي وقبور أجدادي، وكأن هذا السد أُقيم في صحراء الربع الخالي، ولم يُقَم على رؤوس عشرات الألوف من البشر الذين عوملوا وكأنهم مجرد بيادق نستعملها في لعبة الديموغرافيا ومشاريع السياسة العبثية بدلاً من بناء مواطنة حقيقية تشمل كل سكان المنطقة بمختلف قومياتهم ولغاتهم وهذا أساس بناء الدولة الحديثة، وماذا كانت النتيجة؟ زراعة الحقد والكره بين مكونات مجتمعنا وحصاد الفشل الاقتصادي فحتى الملكيات التي مُنحت للمغمورين في الحسكة والقامشلي لم تعُد مُجزية بعد تفتّت الملكية ونشوء الأسر الفرعية التي لم تجد ما تعمل به، فعادوا للعمل بالمياومة في لبنان والأردن ولاحقاً في تركيا ومعظمهم عاد إلى الرقة، ليبحث عن سكن وعمل بعد نضوب مياه الآبار وفشل الزراعة وتكاليفها الباهظة، سيرة القهر الذي دفعنا ثمنه أعمارنا، ولما نزل ندفع!".

جانب من اعتصامات نظمتها قسد للمطالبة بطرد أهالي الغمر

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات