أربع عشرة مادّة حكمت سوريا خمسين عاماً

محمد صخر بعث 2022-08-05 10:22:29

بشار وحافظ الأسد
بشار وحافظ الأسد

لا أعلم كم من السوريين قد عرفوا بمحتوى "قانون الطوارئ" الذي حكم حياتهم خمسين سنةً "رسمياً" وبشكل علنيّ صريح و"قانوني"، قانون طوارئ ليس من سنّة الدساتير، ليس من طائفة القوانين، ولا من فئة التشريعات، ولا ثمّة حاجة له أو تبرير سوى لتكريس حكم العسكر الطائفيين، رغم أنّهم لم يكونوا قد حكموا سوريا بعد، لكنّه صدر بعد انفصال سوريا ومصر، عندما أصبح “ناظم القدسي” رئيساً "للجمهورية السورية" التي امتدّت من 1932 وحتّى 1961 فأصبح اسمها بعد تعديل الدستور السوري الأكثر دقّة وصحّة ووضوحاً وهو دستور 1950 "الجمهورية العربية السورية". 

يُعدّ "القدسي" الذي حكم من 14 كانون الثاني 1961 عقب الانفصال عن مصر وحتّى 8 آذار 1963 تاريخ انقلاب العسكر البعثيين أوّل رئيس سوري "حلبي"، وآخر رئيس في "الجمهورية السورية"، والرئيس الوحيد الذي كان ينتمي إلى "حزب الشعب"، الحزب الذي تشكّل سنة 1948 بعد الاستقلال عن فرنسا، ثمّ الانفصال عن "الكتلة الوطنية" التي كانت تضمّ أعضاء آخرين شكّلوا وقتها "الحزب الوطني"، ولقد حصل حزب الشعب في انتخابات 1949 (التي وُصفت بأنّها أفضل انتخابات برلمانية في تاريخ سوريا) على أغلب مقاعد "البرلمان السوري"، ثمّ أطاحت الانقلابات العسكرية المتتالية بالحكومة التي شكّلها هذا الحزب، وبعد الإطاحة بحكومة "أديب الشيشكلي" عاد حزب الشعب إلى الحكم وشكّل جميع حكومات "الجمهورية السورية الأولى" قبل الوحدة مع "مصر"، ثمّ حلّ نفسه مثل جميع الأحزاب السورية الأخرى بناءً على شروط "جمال عبد الناصر" من أجل الوحدة، وبعد الانفصال عاد مجدّداً إلى واجهة الحكم إثر فوزه بانتخابات 1961، فتمّ انتخاب "ناظم القدسي" رئيساً للجمهورية، وفي عهده وبتاريخ 22 كانون الأوّل 1962 صدر قانون "إعلان حالة الطوارئ" بالمرسوم التشريعي رقم 51، وعن "مجلس الوزراء"، فكيف صدر هذا "القانون" ولماذا؟. 

كان "خالد العظم" رئيساً للوزراء في سوريا من 17 أيلول 1962 حتّى انقلاب البعث في آذار 1963، أي إنّ قانون الطوارئ الذي نتكلّم عنه قد صدر خلال حكم "ناظم القدسي" كرئيس لسوريا و"خالد العظم" كرئيس للوزراء، ناظم القدسي الذي وقف ضدّ "حسني الزعيم" ورفض أن يشكّل حكومة بسبب الطريقة "غير الدستورية" التي وصل بها "الزعيم" إلى السلطة، فتمّ وضع "القدسي" تحت الإقامة الجبرية وإغلاق مكاتب حزب الشعب، وخالد العظم الذي وقف ضدّ "جمال عبد الناصر" قائلاً إنّه سيدمّر النظام الديمقراطي واقتصاد السوق الحرّة في سوريا، العظم الذي استولى الانقلابيون البعثيون بعد ذلك على كلّ أملاكه. 

القدسي والعظم، الرجلان الرئيسان اللذان رحلا أو هربا إلى "بريطانيا" بعد آذار الأسود المعتم المظلم، كيف سمحا في عهدهما بسنّ "قانون الطوارئ"، القانون الذي لم يغيّره "العسكر والبعثيون" وظلّوا يحكمون سوريا من خلاله حتّى نيسان 2011 بعد اندلاع الثورة السورية، وما تمّ عملياً وفي الحقيقة هو استبداله بقانون مكافحة الإرهاب الذي صدر في تمّوز 2012. 

قانون الطوارئ هو القانون الذي يعيّن بموجبه رئيس مجلس الوزراء في البلاد "حاكماً عُرفياً" لها، يحقّ له مراقبة الرسائل والمخابرات والصحف والنشرات والمؤلّفات والمطبوعات قبل النشر، والضبط والمصادرة والتعطيل وإلغاء أماكن الطباعة، ووضع القيود على حرّية الاجتماعات والتنقّل والإقامة والمرور، وتوقيف الناس احتياطياً والتحرّي بلا إذن قضائي، و"الاستيلاء" على أيّ منقول أو عقار، وتحديد العقوبات على "المخالفين"، ما هذا يا خالد العظم؟، وكيف يمكن محاسبة من استولوا على أملاكك بقانون وقّعته أنت بنفسك وأقرّه "القدسي" وصدّقه وأقرّه؟. 

الحقيقة لا!، فلقد كان تطبيق القانون كلّه مشروطاً بنصّ المادّة الأولى منه، أي إنّ إعلان "حالة الطوارئ" يصحّ فقط في حالة الحرب أو الاحتمال الوشيك لحدوثها، أو تعرّض الأمن الوطني للخطر، أو في أحوال الكوارث، وما حصل هو سنّ قانون افتراضي أو احتياطي لهذه الحالات، ولم تكن موجودةً، لكنّه كان لزاماً أن يسنّ كي يصبح نافذاً إذا حدثت أو تحققّت، وفي الحقيقة أيضاً أنّ كلّ دول العالم لديها "قوانين طوارئ"، لكن ينبغي ألّا تُستخدم إلّا في حالات الطوارئ!. 

في 9 آذار 1963 قام العسكر البعثيون أو البعثيون العسكر بعد يوم من انقلابهم على الشرعية وعلى الحرّية والديمقراطية والتعدّدية والوطنية والإنسانية وإلخ، باستخدام هذا القانون وتشغيله وتفعيله، ولم يكن ثمّة حالة حرب سوى على الشعب، ولا تزعزع أمنيّاً يُخشى منه سوى تزعزع أمنهم، ولا كارثة في سوريا سوى كارثة 8 آذار 1963 نفسها، التي أوصلت الحثالة لحكم سوريا، ثمّ حثالة حثالتهم "حافظ أسد"، ثمّ حثالة حثالته، تعرفونه. 

قانون إعلان حالة الطوارئ في سوريا، الصادر بالمرسوم التشريعي 51، وتاريخ 22 كانون الأوّل 1962، ينصّ على جواز إعلان حالة الطوارئ في حالة الحرب، أو قيام حالة تهدّد بوقوعها، أو في حالة تعرّض الأمن أو النظام العامّ في أراضي الجمهورية أو في جزء منها للخطر بسبب حدوث اضطرابات داخلية أو وقوع كوارث عامّة، ويكون ذلك بمرسوم يُتّخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية وبأكثرية ثلثي أعضائه، على أن يُعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له، وعند إعلان حالة الطوارئ يُسمى رئيس مجلس الوزراء حاكماً عرفياً، وتوضع تحت تصرّفه جميع قوى الأمن الداخلي والخارجي، وللحاكم العرفي أو نائبه أن يُصدر أوامر كتابية باتّخاذ جميع القيود والتدابير الآتية أو بعضها، وأن يحيل مخالفيها إلى المحاكم العسكرية، ومن ذلك: 

- وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقّل والمرور في أوقات معيّنة، وتوقيف المشتبه بهم أو الخطرين على الأمن والنظام العامّ توقيفاً احتياطياً، والإجازة في تحرّي الأشخاص والأماكن في أي وقت، وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال.

- مراقبة الرسائل والمخابرات أيّاً كان نوعها، ومراقبة الصحف، والنشرات، والمؤلّفات، والرسوم والمطبوعات والإذاعات وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإلغاء امتيازها وإغلاق أماكن طبعها.

- تحديد مواعيد فتح الأماكن العامّة وإغلاقها.

- سحب إجازات الأسلحة والذخائر والموادّ القابلة للانفجار والمفرقعات على اختلاف أنواعها، والأمر بتسليمها، وضبطها، وإغلاق مخازن الأسلحة.

- إخلاء بعض المناطق أو عزلها، وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.

- الاستيلاء على أي منقول أو عقار، وفرض الحراسة المؤقّتة على الشركات والمؤسّسات، وتأجيل الديون والالتزامات المستحقّة والتي تستحقّ على ما يجري الاستيلاء عليه.

- تحديد العقوبات التي تُفرض على مخالفة هذه الأوامر، على ألا تزيد على الحبس مدّة ثلاث سنوات، وعلى الغرامة حتّى ثلاثة آلاف ليرة، أو إحداهما. 

تألّف قانون إعلان الطوارئ في سوريا تماماً من أربع عشرة مادّة، حكمت السوريين -بلا طوارئ- نصف قرن وعقد وسنة. 

اللهمّ الخلاص. 

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات