سورية.. السياحة السياسية

مقال اليوم || غازي دحمان 2022-08-02 11:09:54

مدينة تدمر
مدينة تدمر

لعلها مفارقة غريبة أن يتزامن الحديث عن نشاط سياحي في سورية مع تصنيف دمشق كأسوأ مدينة في العالم للعيش، الأمر الذي يطرح السؤال عن نوعية هؤلاء البشر الذين يقصدون مثل هذا المكان وينفقون مدخراتهم التي جمعوها من كدهم طوال العام؟، أم إن المسألة ليست سوى دعاية كاذبة أطلقها نظام الأسد ليقول إن البلاد بخير!.

لا يبدو الأمر كذلك، فصحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية هي التي أوردت الخبر، مؤكدة أن سيّاحاً أوروبيين بدؤوا بزيارات لسورية مؤخراً، وأن شركات سياحية بريطانية وألمانية تقوم بالترويج للسياحة في سورية. ولا يوجد أرقام حقيقية عن عدد السياح الغربيين الذين قدموا لسورية مؤخراً، لكن المؤكد أنها أعداد بسيطة، ذلك أن سورية لم تبدأ بمنح الموافقات الأمنية للسياح إلا قبل وقت قصير.

صحيفة "الغارديان" البريطانية، سبق أن تناولت ظاهرة السياحة إلى سورية بعد الحرب، وقد أطلقت عليها مصطلح" السياحة المظلمة" وهو مصطلح ليس شائعاً في الثقافة العربية، لكنه معروف في الثقافة الغربية، وكتبت بشأنه العديد من الكتب والدراسات، وكان أول من صاغه جون فولي ومالكوم فولي في دراسة نشرتها "المجلة الدولية لدراسات التراث" سنة 1996.

ويعرف فولي هذا النوع من السياحة بأنه يتجلى في السفر إلى مواقع ارتبطت تاريخياً أو سابقاً بالموت والمآسي الإنسانية، وذلك بهدف الاطلاع على وجه المأساة الإنسانية أو الوجه المقيت والبشع للإنسان والحظيظ الإنساني، في حين يرى كل من جون لينون ومالكوم فولي، في دراسة بعنوان: جون كينيدي والسياحة المظلمة: افتتان بالاغتيال، بأن هذا النوع من السياحة هو إيحاء لما بعد الحداثة، حيث يصبح الموت محايداً ومتوسطاً ويصبح أقل تهديداً.

على ذلك، فإن سورية قد تكون مرشحة في السنوات المقبلة لأن تكون وجهة سياحية لكثير من الأشخاص الذين يفضلون هذا النمط السياحي، بالرغم من اعتراض العديد من منظمات حقوق الإنسان على هذه الزيارات التي تشكّل دعماً للنظام السوري الذي لا يزال يقوم بممارسات القتل والتعذيب والإخفاء للسوريين، والأكثر من ذلك فإن ملايين السوريين مهجرون قسراً ولا يحق لهم العودة لبلدهم، فأي سياحة هذه التي يقصدها الآخرون في سورية؟.

والمفارقة، كما أشرنا، أن يتزامن قدوم السيّاح الغربيين مع صدور تصنيف لمجلة "الإيكونوميست" يضع دمشق كأسوأ مدينة للعيش بناءً على عدة أسباب من بينها: البنية التحتية والمعايير الاقتصادية، إضافة إلى الخدمات الصحية والأنشطة الترفيهية الثقافية ومعدلات الجريمة، وهو ما يجعل دمشق جهة غير جاذبة للسياسة.

بعض الآراء نحت باتجاه آخر في تفسير هذه الظاهرة، بالقول إن السياح الذين يقدمون إلى دمشق مدفوعين بخلفيات سياسية، حيث حضور هؤلاء هو نوع من الدعم للنظام السوري المأزوم وبهدف الإيحاء بأن الأزمة انتهت وأن النظام انتصر، ولرفد خزينته بالمال، علماً أن الرحلة تكلف حوالي 1700 دولار أميركي للشخص، ورغم غرابة هذا التفسير إلا أنه ينطوي على شيء من الواقعية، إذ طالما كانت هناك تيارات، يمينية ويسارية، مؤيدة للأسد في حربه ضد شعبه، بذريعة أنه يخوض حرباً ضد التطرف الإسلامي.

لكن رأياً آخر يرى أن هذه السياحة محدودة جداً، وغالباً لا تكون إلى سورية مباشرة، بل تكون وجهتها الأساسية بيروت وربما عمان، ويتم أحياناً ذهاب بعض المجموعات، وليس كلها، إلى سورية، ويبالغ إعلام نظام الأسد في أعداد السياح لأهداف سياسية.

تاريخياً، لم تكن سورية وجهة سياحية للأوروبيين، ففي سنوات الذروة السياحية، من 2005 إلى 2010، وهي السنوات التي سجلت أعلى أرقام للسياحة الوافدة إلى سورية، حوالي 8 ملايين سائح، حسب مصادر وزارة السياحة السورية، كان الرقم الأكبر من هؤلاء هم من السياح العرب الذين شكلوا أكثر من 6 ملايين ونصف مليون سائح، أغلبهم يُطلق عليهم" سيّاح اليوم الواحد" وهم الذين يزورون دمشق من الأردن والعراق ولبنان ويقضون فيها ساعات محدودة لقضاء بعض الحاجيات والتسوّق من أسواق دمشق الرخيصة مقارنة بالأسعار في بلادهم.

أما السياح الأجانب فبلغ عددهم حسب الإحصائيات السورية حوالي مليون ونصف، الجزء الأكبر منهم إيرانيون وأتراك بالدرجة الثانية، في حين لم تتعدَّ أعداد الأوروبيون الآلاف، من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، وهؤلاء كانوا يقصدون دمشق على وجه التحديد للتجول في المدينة القديمة والأسواق ذات النمط العثماني، مثل سوق الحميدية وسوق الحريقة، وجزء كبير من هؤلاء كان عبارة عن مجموعات سياحية حضرت إلى دمشق في إطار جولة سياحية إقليمية تشمل بالعادة الأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية " القدس وبيت لحم".

ومقارنة بتلك المناطق، لبنان والأردن وفلسطين، لم تكن سورية جاذبة للسياح الغربيين، لأسباب عديدة أهمها افتقار سورية لصناعة سياحية، وضعف الخبرة في الترويج السياحي وعدم وجود برامج سياحية نشطة، كالمهرجانات والكرنفالات، لكن الأهم من كل ذلك عدم توفر بنية سياحية تحتية، وحسب المكتب المركزي للإحصاء، فإنه لم يكن في سورية حتى عام 2005 أكثر من 42 ألف سرير موزعة على: 17 فندقاً من فئة خمس نجوم، و40 فندقاً أربع نجوم، و57 فندقاً ثلاث نجوم، و156 فندقاً نجمة واحدة، و70 نزلاً، ويوجد خمسون بالمئة من هذه الأسرّة في مدينة دمشق، إذ يوجد في منطقة السيدة زينب التي يزورها الحجاج الشيعة حوالي 50 فندقاً.

يقودنا هذا إلى الحديث عن أهم أنواع السياحة في سورية، وهي السياحة الدينية، والتي تشكّل في الغالب، الجزء الأكبر من نسبة السياحة عموماً في سورية، وغالبية هؤلاء السياح من الشيعة، ويأتون من إيران والعراق ولبنان وباكستان والبحرين، ويقصدون مقامات السيدة زينب والسيدة رقية في دمشق، وفي السنوات الأخيرة باتت السياحة في سورية تعتمد بشكل شبه كامل على السياحة الدينية.

هذا النوع من السياحة ينطبق عليه صفة (السياحة السياسية) لكونه سياحة موجهة تقوم على تشجيعها جهات حكومية في إيران والعراق، وحزبية في لبنان، ودعوية في البحرين وباكستان، والهدف منها إظهار الدعم السياسي للنظام السوري من قبل محور إيران، ورفد خزينته بالأموال.

إلا أن هذه السياحة، تنطوي على مخاطر عديدة على الهوية السورية، حيث تضطر الأسواق السياحية إلى التكيّف مع هذا المعطى الجديد، ويجري تحويل جزء كبير من المنتجات السورية إلى رموز دينية وهدايا تذكارية تحمل طابعاً دينياً تلبية لرغبة السياح، ويحصل ذلك في ظل هجمة تشييع إيرانية تستهدف المجتمعات المحلية السورية القريبة من مناطق المراقد الشيعية، وفي ظل إحساس غالبية المجتمع السوري أنهم تركوا في مواجهة التغوّل الطائفي الإيراني.

والخلاصة، أن سورية ورغم غناها الحضاري، إلا إنها لم تكن يوماً مقصداً سياحياً، وحتى "السياحة المظلمة" من غير المتوقع أن تزدهر في ظل ظروف عدم الأمان والافتقار للبنى التحتية اللازمة، والنمط السياحي الوحيد المنتعش في سورية هو السياحة الدينية والتي يبدو البعد السياسي واضحاً فيها.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات