شاعرة فلسطينية سورية تكتب (تمرين على النباح): وتعزف على وتر الحرب واللجوء

أورينت نت - دلال إسحق 2022-07-30 10:39:22

"تمرين على النباح" للشاعرة الفلسطينية السورية منى العاصي
"تمرين على النباح" للشاعرة الفلسطينية السورية منى العاصي

يقول سومرست موم: “الشعر تاج الأدب”. هذا الكائن الذي يخرجُ ويُخرجنا إلى العراء؛ لتتمكن منا الموسيقى وكلاب الدهشة التي يفلتها علينا الكاتب؛ ليختلط النباح بالنواح…

وقد يَعتبر كثير من المطلعين أن "النثر" نوع أدبي منفرد له قواعده وتنظيره النقدي، والبعض الآخر يراه في الضفة الأخرى من الشعر وربما إلى جانب الخاطرة، لكن إن نظرنا إلى بعض الأعمال "النثرية" سنراها موغلة في الشعرية إلى درجة كبيرة، وقد تفوق أحياناً ما يُنظم موزوناً، وهذا ما يجعلنا نتجاوز التسميات والتصنيفات، لنطلق رصاصة الجمال فقط على صدغ النص الماثل أمامنا من دون أن ننهمك في إيجاد تسمية مناسبة…

رمزية العنوان والانحياز لروح الشعر 

تُعتبر تجربة الشاعرة الفلسطينية السورية "منى العاصي" من التجارب الشعرية المتفردة، على الرغم من عدم طرحها عملاً كاملاً حتى الأيام الأخيرة، حيث صدرت لها مجموعة نثرية بعنوان "تمرين على النباح".

وإن تمعّنا في العنوان المطروح قبل الدخول في عمق المجموعة، سنلاحظ توغلاً في الرمزية، فقد يكون هذا النباح الذي تدعونا "منى" إلى سماعه أو قراءته، هو الشعر، الذي بات مؤخراً في نهاية أولويات القارئ، فقافلة الأنواع الأدبية ماضية.. كما لم يعد هو ذلك التاج الذي أخبرنا عنه "سومرست".

هذا إلى جانب المباشرة في تشكيل العنوان، وهذا ينطبق أيضاً على معظم المجموعة، فإذا تخطينا العنونة سنجد تكنيكاً خاصاً اشتغلت عليه الشاعرة في تشكيل جملتها الشعرية، فهي اجتازت البساطة والسطحية التي رافقت كثيراً من النصوص النثرية؛ لتدخل في عمق العمق، فكل تركيب وجملة وصورة عملت عليهم "منى" تظهر فيها متانة الطرح والإيحاء الذي عرفت الشاعرة بأي طريقة ستقدمه، كما ينمّ هذا عن دراية كبيرة بتشكيل وتسطير القصيدة النثرية، فتقول مثلاً:

لتكن هزائمه محلّ شك

فبايعها

أسماؤهم على الطاولة

والندوب ترفع الأنخاب

الرجل يسأل غبار الصوت

عن انتظار

وعن (من الذي)

خمسون مفترقاً، ويُقسم أنه بلا ظل

وأن خطوته المسرعة

لم تطأ خارج قلبه.

خلطة شعورية طازجة

ولم تقتصر المجموعة بين سطورها على التقنية والحرفية، بل حملت معظم النصوص أيضاً مشاعر متنوعة، ففيها "الحب، الأمومة، المشاعر الإنسانية كالصداقة"، فقد أهدت نصوصاً إلى أصدقاء كانوا يوماً يستظلون بشجرة الحياة بقربها، لكن أنثى الموت التي زارت البلاد أبت إلا أن تشاكسهم، كما جاءت الحرب، وجاء اللجوء، إلى جانب الوحدة والفراغ اللّذين ظهرا بوضوح فيما وراء الكلمات.

ومن هنا نلاحظ الخلطة التي نقلتها إلينا "منى" طازجة، شعراً وشعوراً وحِرَفية في الطرح… 

إلى ابنتي نايا

يوم مماتي

ستكونين آخر غريبة

في هذه البلاد

تعلّمي لغة الأمواتِ

وأنصتي للطرقات الصمّاء

اتّبعي صغار السمكِ

إلى مجرى الدمع

كي لا تكوني وحيدةً

وحين تسقطين في فنجان قهوة

لشاعرة ترتدي ثوباً

تطيرُ منه المدن

وتقرأ سيرتك

ستعرف أنّ أمّك خرجتْ للعاصفة

ببندقية صيد فاخرة

وقنينة عرق بلدي.

في النص السابق تحاول الشاعرة إخراج كمٍّ هائل من الشعرية الشعورية، فتخاطب ابنتها تاركة لها الكلمات كوصية، أو نهجاً لخطاها القادمة، وهذه الحكمة التي اتخذتها "منى" في معظم نصوصها، فسردت بلسان المخاطب، ثم تحدثت إلى ضمائر مجهولة تارةً، ومعروفة تارةً أخرى.

مقامات وزوايا معتمة

إذا أردنا تسليط الضوء أكثر على مجموعة "تمرين على النباح"، فلا بد من الوقوف في الزاوية التي تناولت منها الشاعرة موضوعاتها، فهي اختارت زاوية معتمة لا يوجد فيها إلاها، تلتقط التفاصيل الدقيقة المارة، تشتغلها بحكمة الشاعرة الأم، الشاعرة المعايشة العارفة، الشاعرة التي تشوب عالمها الصغير فوضى صماء تثير الريبة في داخلها…

وفي تقسيم الشاعرة لمجموعتها على أبواب أو مقامات كما أرادت تسميتها، مثل: "مقام الناب، مقام النباح، مقام الندم"، وانحيازها نحو العنونة الجيدة للنصوص، خلقاً لوحدة مواضيع في النصوص ضمن كل مقام.

أما عن البيئة التي خُلقت فيها هذه النصوص، فقد كانت مبهمة، إذْ لم تأخذ الشاعرة بيد قارئها لتمشي به في غابة القصيدة، بل تركته وحيداً يتخبط ويعيش الطريق كما عاشته واختبرته هي، بقساوة شعوره وصلابة لغته…

تسألني الحرب: كيف أنت يا منى؟

لا جديد أيتها الحرب

ها أنا في قفص التجارب

أربي مخيلتي

غرفتين وصالة

شرفةً لحبق أمي

أُراكِم الأنهار

لأغسل القميص الأخير لأخي

كاتبة لا تفكر بالقارئ

كما يظهر أيضاً عدم مثول الشاعرة لسلطة وسطوة القارئ، وربما لم تفكر فيه، فهي تكتب أولاً وأخيراً للفوضى التي تعتلي روحها، ولا يهم إن جاء القارئ فيما بعد لينفض غبار هذه الفوضى، أو ليغيب بين ذراتها هو الآخر.

لا اشتغال تصاعدياً في "تمرين على النباح"، ولم يكن هذا على مستوى النص الواحد أيضاً، بل كان الهم الشاغل للشاعرة هي اللغة في الدرجة الأولى، ثم تفريغ الشحنة الشعرية.

ويُعدّ كل ما قلناه سابقاً تميزاً أرادت به "منى" الحصول على مساحة خاصة بها ولنصها، مساحة لا يهم حجمها بقدر ما يهم أن تكون مفروشة بالبلاغة.

وأخيراً، لن يختلف قارئان على قدرات الشاعرة ونصها في الوصول، على الرغم من اللغة العالية التي حكمت الجو العام للمجموعة.

من أجواء المجموعة:

لقلبه عنوان واضح،

ومحجوب بالملح،

لا ينمو أحد هناك

أو شيء.

يكسّر الأغنية ذاتها،

على سلّم الحرب والحب.

مردّداً: العالم محزن.

يوماً بعد يوم،

وليلةً بعد ليلة

خبا لهيب صوته.

تَذْكُر جارته، أن أمه الحبلى

ابتلعت رغباتها،

فجاء موته مبقّعاً…

عن الكتاب والكاتبة:

"تمرين على النباح" : مجموعة نثرية صدرت مؤخراً عن دار موزاييك للدراسات والنشر في تركيا، جاءت في 119 صفحة من القطع المتوسط وتضمّنت عدة أبواب.

منى العاصي: شاعرة وصحفية فلسطينية سورية حاصلة على بكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة دمشق، تُرجم عدد من نصوصها إلى الفرنسية في موسوعة الشعر العالمي مع 188 شاعراً من حول العالم، وإلى البلغارية في كتاب يجمعها مع 39 شاعرة.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات