ديموقراطية العرب المتلفزة: زعماء بروح رياضية وشعوب مكبوتة!

مقال اليوم || مردوك الشامي 2022-07-30 10:11:18

الزعماء العرب
الزعماء العرب

قدّم الزعماء العرب في مؤتمراتهم خلال السنوات السابقة، درساً في الديمقراطية لشعوبهم التي تدّعي دائماً خلوّ البلاد من الديمقراطية،.. وللعالم كذلك،.. الذي غالباً ما يشير إلى أن البلدان العربية محكومة بالقمع والديكتاتوريات!..

في أحد مؤتمرات القمة العربية منذ سنوات،.. كاد أحد الرؤساء العرب يغتال أحد الرؤساء العرب بضربة بواسطة منفضة سجائر! وفي مؤتمرات لاحقة.. كان الاقتتال في الكواليس والصراعات في الاجتماعات المغلقة على أشدّه، بين رئيس هذه الدولة وزعيم تلك!.

ديمقراطية الزعماء والروح الرياضية!

كانت الديمقراطية تمارَس بين الزعماء في الخفاء بعيداً عن الكاميرا!..

في مؤتمر (شرم الشيخ) قبل سنوات أيضاً،.. خرجت الديمقراطية للعلن، وبدا واضحاً أمام الكاميرا والناس والمشاهدين أن ممثلي الدول العربية وقادتها يتمتعون بروح النقد الجريء، وأنهم ديمقراطيون فعلاً، بحيث يمكن لأحدهم أن يستمع إلى شتيمة من أحدهم،.. ويقوم بالردّ عليه بشكل طبيعي وعفوي وبروح رياضية، وأمام عدسات المصوّرين وعلى كل الشاشات العربية والعالمية التي كانت تتابع الحدث المنتظَر!..

انقطاع الصورة وقتها، أظنّه حدث لأمر تقني، أو لخلل في العدسة التي لم تتمكن من كبت ضحكاتها فضحكت وضحكت حتى وقع المصوّر على قفاه!..

ولكي لا نقول إن هذه الجرعة من الديمقراطية وُلدت مصادفة، تكرر الأمر في قمة الدول الإسلامية في الدوحة، واستعاد المشاهدون روحية المشهد السابق من الديمقراطية، مع ممثلي دولتين أُخريين!

يا الله ما أروعنا،.. ونحن نتصرف بحرية هكذا،.. ونمارس كامل ديمقراطيتنا علانية وبلا حرج من الأغراب والأعراب!..

وحتى إذا أدّت تلك الديمقراطية المتلفزة إلى شقاق قد يدوم لسنوات بين المتدمقرطين، وأوصلت الحال إلى سحب السفراء،.. وقطع الحدود، وإلغاء المعاهدات التجارية والأمنية ومحو الاتفاقيات الثقافية والمصرفية، وحتى إذا أدّت إلى انسحاب البعض من المؤتمرات القادمة، ومن الجامعة العربية حتى، فالمهم أن الجماعة مارسوا ديمقراطية المؤتمرات أمام الرأي العام،.. وأثبتوا أنهم يعملون بمبدأ الصراع الفكري والعقائدي، وأن الآراء ليست جميعها من لون واحد،.. ولا الأهداف كذلك!..

أنا شخصياً بعد ما شاهدته،.. صرت من دعاة الديكتاتورية،.. وسأطالب إن كان يحق لي باستجلاب مراقبين وقوات فصل،.. تحضر كل مؤتمرات العرب..

كي لا تأخذهم الديمقراطية في المرات القادمة إلى سحب مُداهم وخناجرهم، وعليهم يا عرب.. على من؟!.. لا تجزعوا الجواب عند "داحس والغبراء". 

ديموقراطية الشعوب العربية

هذا بالنسبة للزعماء، فماذا عن ديموقراطية الشعوب؟ ..

المكان الوحيد في عالمنا العربي الذي يمكن للمواطن أن يعبّر فيه بمنتهى الحرية والشعور بأنه لا يراقبه أحد، هو المرحاض.

في هذا المكان الذي يقصده الجميع، خاصة إذا ما كان واقعاً في الأماكن العامة، كمراحيض المطاعم والفنادق ودور السينما، والدوائر الحكومية ، يكتشف المواطن أنّ بإمكانه استغلال الجدران لكتابة ما يشاء من نقد بنّاء وغير بنّاء على بياضها المفترض. والزائر لتلك الأماكن يكتشف بشكل فعلي  شخصيات الأمم والشعوب.

يكتشف أسلوباً جديداً في حرّية التعبير، لا يمكن أن يوجَد على صفحات الجرائد أو على شاشات التلفزة، وبالطبع لا يمكن العثور عليه في الشوارع والساحات العامة.

"هايد بارك" لندن، المكان الموصوف للتعبير عن الرأي يقابله بشكل فعلي المرحاض في العالم العربي، مع فارق أن الإنسان يعبّر عمّا يريده في "الهايد بارك" أمام الحشود، والمواطن العربي يعبّر عما يريده بعيداً عن الجميع وفي منتهى السرية أمام نفسه فقط.

ومن الطبيعي أن نقرأ العجائب في أسلوب التعبير عن الحرية على جدران المراحيض العمومية، شتائم للحكومات، شتائم للمسؤولين، تعبير عن الرفض، تعبير عن الانتماء السياسي، والبعض يدوّن اسم الفتاة التي يحبها داخل قلب مثقوب بسهم كيوبيد.

البعض يحلو له أن يشتم حماته في المرحاض، فيرسم وجهها قبيحاً وثقيل الظل، إلى جانب كلمات مبهمة تدل ولا تدل علانية عليها. البعض يكتب أبياتاً شعرية، والبعض يدوّن الحكم والأمثال، والبعض يحلو له الرسم، فينقش بالقلم صورة لفتاة عارية.

المهم، تغلّب المواطن العربي على الرقابة وتزمّتِ المراقبين، وابتدع منبره الحر الخاص به، وهو يعرف تماماً أنه يكتب ويرسم لكي يقرأ ويرى الآخرون ما دوّنه شخصياً، وطالما لا أحد قادر على رسم البصمات واكتشاف الفاعلين، فلا باس بأن يطلق العنان لأفكاره ويقول كل ما يريده وفي الوقت الذي يريده طالما المراحيض مفتوحة للجميع، مع فارق أنّ المراحيض أيضا طبقات، وهناك بعض منها لا يمكن للمواطن العادي دخوله، لذلك هو متخصّص في المنابر الشعبية لا أكثر ولا أقل.

هل يفعل الوزراء والنوّاب ذلك؟!

السؤال المُلح: هل يكتب المسؤولون على جدران مراحيض المؤسسات الخاصة بهم؟

هل يهاجم الوزير فلان الوزير علتان على جدار مرحاض مجلس الوزراء؟

هل يفعل النواب ذلك؟ كم أتمنى لو بإمكاني دخول تلك الأماكن، فقط لكي أكتشف هل المسؤولون في بلادنا أيضاً يمتلكون المقدرة على حرية التعبير؟.

في أيام اليفاعة والشباب، أتذكر دخولي أول مرة مرحاض دار السينما الموجودة في بلدتي، تفاجأتُ أن هناك شتيمة كبيرة تطال الرئيس وقتها حافظ الأسد، لم أعرف كيف أخرج سريعاً من شدة القلق أن أكون المتّهم بذلك..

ثم أثار فضولي الأمر، فصرت أدخل مراحيض السينما والمطاعم فقط لأقرأ المكتوب على جدرانها.. وصار عادياً أن أقرأ الشتائم، والقدح والكلام البذيء بحق الأسد والمخابرات، شعرتُ أنني أحب هؤلاء الجريئين، لكنني لم أتجرأ مرة على الكتابة هناك، تجرأت فيما بعد أن أقول كل مشاعري الغاضبة في قصائدي وكل ما أكتبه، ودفعت الثمن لمراتٍ من الملاحقة والاعتقال، وأستغرب اليوم كيف لم يلاحق عسس الحاكم وقتها رواد تلك الأماكن، وبإمكانه اكتشافهم واحداً واحداً، ولاحقني وغيري لأننا كنا نستخدم الورق والصحافة ولا نستخدم الجدران الخفية.

هل كان يُسمح بالحرية فقط في مراحيض البلاد العامة، ويمنعها في العلن؟.

اليوم وفي ظل الثورات وسقوط الجدران، صار بإمكان مواطننا المسكين أن يقول ويكتب ما يشاء.. تحوّلت أوطاننا في غالبيتها إلى مراحيض بلا حدود.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات