(زهر القطن) لخليل النعيمي: الرواية البدوية تزدهر.. وأحاسيس الصحراء تحاور الكون الواسع

أورينت نت - أحمد صلال 2022-07-28 10:23:25

رواية (زهر القطن) لخليل النعيمي: واقعية سحرية بأجواء بدوية
رواية (زهر القطن) لخليل النعيمي: واقعية سحرية بأجواء بدوية

نحاول في هذه الدراسة رصد مظاهر الواقعية السحرية في رواية (زهر القطن) للروائي السوري خليل النعيمي. الرواية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت مؤخراً، والتي غاصت في أعماق الفرد السوري في بادية محافظة الحسكة، لتحدثنا عن ثقافة بدوية حافلة بالتفاصيل. 

وقد ركّزت الرواية معظم اهتمامها على المكان؛ باعتباره المكوِّن السردي الفعّال، إذ تُلحَظ آثاره الواضحة المنعكسة على الشخصيات، كما أدّت الأسطورة دوراً مميزاً كرافد ثقافي مهم في تجلية المظهر الواقعي السحري في المتوالية السردية؛ حيث نجح الروائي في استثمار هذا الرافد، وبالتالي تقديم نص ذي ثيمة أسطورية.

الحدث الروائي

طفل الحكاية الذي كان يسمع أكثر مما كان يرى، والذي كان يحس العالم بجلده مثل قنفذ صغير قبل أن يتعلّم الكلام، كَبُر بالاستماع إلى أحاسيس الكون الذي كان يتقلّب في أطرافه، وهو الذي سيسحبنا إلى حكايته الأثيرة، ويجعلنا نرى «الأرض الأولى» التي شبّ فوقها، ومنها تبعثر في أنحاء الكون.

"فترة مربكة من الصمت مرّت. رأى الصبي من خلالها ألوان الفضاء حوله تتبدل، فأمسك أصابع أبيه الكبيرة بيديه الصغيرة، فأحس بكف أبيه تلم يده، فسكن وهو يلبد خلفه كالعصفور".

البادية والبحث عن الحب المفقود

في رواية (زهرة القطن) للكاتب خليل النعيمي، لعبت الأسطورة دوراً أساسياً في تشكيل متوالية سردية، فمن وسط البادية ونقاء سريرة أبنائها راح الكاتب يروي أحداث حكايته، حيث بادية الحسكة المتوهّجة والمضيئة كشخصية البطل "الطفل" الراوي، سلطان البادية وسيد للبادية، انطلق الروائي مبحراً في ملكوت البادية سارداً حكايته في ملكوت "القاع" الغامض، مستعيناً على ذلك بقدرته الروائية الفذة، والأسطورة الشعبية ذات الملامح الأخاذة، ليغوص بكل ثقة في مجاهل فانتازية، حفّتها المخاطر والمخاوف من جميع جوانبها.

إنه الكاتب خليل النعيمي؛ يحكي عن قوة سحرية من قوى الكون الواسعة، لها صوت يحاكي الوجدان "وجدان المغامرة" وحب الاستكشاف. إن الاغتراف من الأساطير والحكايات الشعبية هو إحدى السمات البارزة في رواية "الحداثة" وما بعد "الحداثة"، ونجد الروائي خليل النعيمي يوظّفها بشكل مميز، يساعد على خلق النص ومنحه فاعليته الكتابية، وفي "زهرة القطن" نلحظ حضوراً فاعلاً للأسطورة وأكاد أجزم أن الروائي يرى فيها القدرة على إغناء النص، سواء بما تنطوي عليه من ثيمات أو بما تمتلك من لغة تقترب من لغة الشعر.

لقد عمل الكاتب على استثمار هذا الرافد الثقافي داخل النص الروائي؛ مجتازاً بذلك عتبة المعنى المباشر من خلال تفعيله ما هو مضمر في الواقعة من إضافة بعض الرتوش والتغيير عليها بما يسهم في تقديم نص ذي ثيمة أسطورية.

إن التعامل مع الأسطورة في رواية (زهر القطن) يتم على أساس أنها قيمة معيارية وليس بوصفها مجرد حكاية تشرح وتفسر، لذا كان حضور الأسطورة يدفع بالنص نحو الاغتراف من بحر الغرائبية والنهل منه، ما يعزز ملامح الواقعية السحرية.

التناقض والازدواجية

الواقعية السحرية نوع من السرد لا يميز بين الأحداث الواقعية والخيالية أو غير الواقعية، إنه يضعهما في سياق سردي وجمالي واحد يُنتج مستوى دلالياً جديداً. هذا التناقض يجعل منه الروائي خليل النعيمي شيئاً سحرياً متناقضاً، ينقض فيه الواقع وما وراء الواقع، حيث الواقع تكمن فيه الواقعية السحرية، وتنمو تحت تصرف الخيال.

ومن العناصر البارزة في الواقعية السحرية في (زهرة القطن)، التعايش الطبيعي بين العناصر المتضادة، مثل تقابل الواقعية بالخيالية، والطبيعة بما وراء الطبيعة. ولكن هذه العناصر المتضادة لا تتعلق تماماً في عالم الخيال، كما لا تتعلق بعالم الواقع؛ بل لها وجود مستقل منهما لكل من الواقع والخيال تندمج ببعض. وبعبارة أخرى لا نجد أن يغلب عنصر من هذه العناصر المتضادة الأخرى ويسيطر عليها، بل على العكس من ذلك، نجد أن العناصر المتضادة تتناسق مع بعض وتتساوى في أحداث الرواية.

ونجد للتقابل والازدواجية التي تعتبر من عناصر الواقعية السحرية، نماذج عدة في رواية (زهرة القطن) فتتجلى الازدواجية في هذه الرواية في تقابل عنصرَي "الخير" و "الشر"، بحيث يواجهها القارئ من بداية الرواية، وفي هذه الرواية، أيضاً، نجد التناقض والازدواجية في شخصية البطل؛ ليس شخصاً وحداً، إنه الكثير في شخص، ومجموع الأشخاص في واحد، والكثير والواحد يجمع بينهم الجوار.

الوهم والخيال

يتجلى الوهم والخيال في هذه الرواية بقوة وفي مظاهر عديدة؛ ومنها وصف الأمكنة ونسج خيال الناس عنها، واعتقاده بحضور العفاريت وتصرفاتها، العلاقة مع المرأة وخاصةً الجنس.

ويمكن القول أخيراً بشأن الروائي السوري خليل النعيمي صاحب الحضور الواسع عربياً؛ إن استخدامه لعناصر الواقعية السحرية في روايته، جاء استخداماً ناجحاً وموظفاً؛ بحيث لا يفاجَأ القارئ عندما يواجه الأحداث اللاواقعية بل يقبلها ويصدقها. هكذا تطمح الواقعية السحرية في الرواية للمزج والتصوير بين الواقع والفانتازيا والخرافة ليتشكل من خلال هذا المزج؛ عالم غنيّ يكون مألوفاً وغير مألوف، في الوقت ذاته!

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات