حين ينافس الأسد وزير الدعاية النازية: اكذب ثم اكذب حتى تصدِّق نفسك!

مقال اليوم || نوار الماغوط 2022-07-27 10:36:29

بشار الأسد
بشار الأسد

منذ أن بدأت عملية “التحديث والتطوير“ والإصلاحات الشاملة عام 2000 من أجل "بناء سورية عصرية على مختلف الأصعدة" السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الإدارية، القضائية، الثقافية، التعليمية التربوية والإعلامية، حدّد النظام محاور أساسية متكاملة لعملية التطوير والتحديث ومن أبرزها هرس بذرة المستقبل!

ربيع وإعلان دمشق

عندما طالب ربيع وإعلان دمشق الإصلاح والتغيير في سوريا القائم على التعددية السياسية والفكرية ووجوب رفع حالة الطوارئ المعمول بها في البلاد، من خلال أكثر من بيان وقّع عليه المئات من السياسيين والمثقفين السوريين، في الربع الأخير من عام 2000. عندها قمع ربيع دمشق وزجّ قياداتها في السجون والآن بعد أحد عشر عاماً من انطلاقة أنبل وأجمل انتفاضة شعبية بالتاريخ لم يكتب لها الحياة لأكثر من أشهر معدودة، نستطيع أن نؤكد استمرار عملية “التحديث والتطوير والإصلاحات“

عندما تركّز أجهزة السلطة السورية على أمر ما إعلامياً، تجارياً واقتصادياً ومالياً، زراعياً صناعياً أو خدمياً، لتحسين الوضع الحياتي للمواطنين في سوريا أو لإنعاش الوضع الاقتصادي أو المالي للوطن، فمعنى ذلك أنه سيصدر قرار ما قريباً سيضر بجميع أفراد المجتمع السوري. فمثلاً: عندما يصدر وزير المالية قراراً بتخفيض الضريبة على كيس الإسمنت، قلت لمن حولي دون تردّد أو مناقشة إن أسعار مواد البناء ستتضاعف قريباً بعكس التحليل الرياضي لهذا التخفيض...!

مع كل تصريح: فتّش عن الأسوأ

عندما قرّرت حكومة ميليشيا أسد السماح بتركيب أجهزة الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء وإمكانية أصحاب الدخل المحدود الحصول على قرض من البنك بأقساط شهرياً 150000 فمعنى ذلك أن إمكانية تركيبها للأغنياء أصحاب الدخل المفتوح فقط! 

وعندما تُعقد الندوات والورش الإعلامية لتوعية الناس من خطر تعاطي المخدرات والاتّجار بها، تكون الأمور بعكس ما يصرّح به المسؤولون في وزارة الداخلية أن سوريا بلد عبور، بل منتج ومسوّق لهذه المواد!

وعندما تسمع أن وزيراً سورياً يقول إن الاقتصاد السوري يتعافى لأنه يتميز عن باقي الدول بكونه الاقتصاد المعتمِد على السوق الاجتماعي وهي تجربة يدرسها الغرب. فترجمة ذلك على أرض الواقع تحرير الأسعار وقراءة الفاتحة على حياة أكثر من 95 بالمئة من الشعب السوري من الطبقة الوسطى والسفلى! وعندما ركزت الأجهزة أن هناك عقوداً ستُبرم مع شركات أجنبية للتنقيب واستخراج النفط وأن هناك شركات عالمية تتهافت على الاستثمار في المجال النفطي في سورية، معنى هذا أن النفط سيُفقد قريباً وسيرتفع سعره وعلينا الاستعداد لاستخدام بدائل عنه في التدفئة ووسائل النقل.

وعندما تركّز على موضوع تخفيض أسعار العقارات، أسارع على الفور وأتصل بكل من أعرفه أن يشتري بكل ما يملك دكاناً أو منزلاً أو قطعة أرض، لأن معنى ذلك أن العقارات ستشهد ارتفاعاً كبيراً عما قريب. وعندما يصرح مسؤول أن سوريا أصبحت كلها خضراء بسبب حملات التشجير المكثفة و المنتشرة في جميع أنحاء سوريا، تقوم الوحدات الإدارية في المحافظات بشق الطرق في أكثر الأماكن اكتظاظاً بالأشجار المعمرة وتحترق آلاف الهكتارات في مصياف وصلنفة والفرلق بنيران الإهمال والفساد، والتغاضي عن الزحف العمراني باتجاه الأراضي الزراعية.

الرجل المناسب ومكافحة الفساد 

عندما تركّز على موضوع وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، استعدَّ لسماع أو قراءة خبر مفاده تعيين أحد حملة التاريخ وزيراً للصناعة، أو مهندس إنشائي وزيراً للبيئة، أو ضابط شرطة وزيراً للإعلام وعندما تركّز هذه الأجهزة على مكافحة الفساد والهدر والضرب بيد من حديد على الفاسدين يصدُر قرار بصرف عدد من العاملين من الدولة من الخدمة لأسباب تمس النزاهة وهم من الحلقة الأضعف من السلسلة والذين كنزوا مبالغ طائلة يبقون دون محاسبة سواء كانوا قضاة أو أمناء صندوق وعفا الله عمّا مضى خوفاً على باقي حلقات السلسلة!

وعندما تركز حكومة ميليشيا أسد، متمثلة بفريقها الاقتصادي الروماني (نسبةً إلى رومانيا) على أن الاقتصاد السوري جيد ومتنوع وواعد ويسير بشكل مَرضي، معنى هذا أنه سيّئ وغير قادر على مواكبة الوضع المعيشي للمواطنين ومحدود ببعض المشاريع الاستهلاكية من وزن الذبابة، إلا إذا كان المقصود بالجهة المستهدفة هم المسؤولون في السلطة فقط. وعندما يتباهون أن سعر صرف الليرة يتحسن هذا يعني أن الليرة السورية ستعوّم قريباً. وعندما يتكلمون عن المشاريع الزراعة الناجحة والري بالتنقيط معنى هذا أن الزراعة سيئة والخسائر بالغمر!

وعندما يتكلمون عن التجارة البينية أو العالمية معنى هذا أن الأسواق ستمتلئ باالبضاعة الرديئة والرخيصة من آسيا و إفريقيا وبالمياه المحلّاة المعبّأة، المعقّمة بالأوزون من الدول المجاورة. وكذلك الصناعة أسوأ فتكلفة كيلو السكر من معاملنا أغلى من المستورد وأردأ منه وصناعتنا غير مطلوبة بدليل أنها مطاردة بعبارة (احذروا البضاعة السورية) بعكس ما كان يروّج له البرنامج التلفزيوني“صنع في سوريا“ على القناة الأولى، ولا ننسى القطاعات الخدمية من صحة وتعليم وبلديات وإسكان وتعمير واتصالات ونقل فهي الأسوأ في العالم وهي من المصادر المهمة، المُدافَع عنها لما فيها من هدر ونهب للمال العام، وكذلك قانون الاستثمار الذي غُسلت به الأموال... وحتى المنظمات الدولية العاملة لدينا تحت شعارات سامية نبيلة مثل حماية البيئة والتنمية المستدامة وتحسين الجودة التعليمية والوضع الصحي وتقوية المجتمع المدني لم تسلم من مناخ الفساد العام فهي الوجه الآخر لنفس عملة القطاعات الحكومية فهي مصادر للسرقات، ولسحق أي مشروع قد يفيد من تبقى من أبناء هذا الوطن، هل أتابع بين ما يصرحون به و ما هو حاصل على أرض الواقع؟، أم أتوقف وأدع خيالكم الخصب يتشبّع بمثل هذه الأمثلة!

تشديد العقوبات على مستخدمي مواقع التواصل 

وعندما قررت حكومة الأسد تشديد العقوبة على الصحافيين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي وفقاً لقانون الجرائم المعلوماتية، وفتحت التعليمات الجديدة الباب واسعاً لتوسيع مفهوم الأخبار الكاذبة والشائعات على الشبكات، فإن مجرد إشاعات عن التجنيد أو زيادة الرواتب أو خبر ينال من شرف موظف عام، أو كرامته في معرض ممارسته لوظيفته. تعتبر جريمة مثيرة للقلقلة ومن شأنها أن توهن نفسية الأمة ويعاقب عليها بالأشغال الشاقة لمدة تصل إلى 15 سنة.. إذا كان يعلم أنها كاذبة.. وإن لم يكن يعلم أنها كاذبة فإن العقوبة تكون الحبس ثلاثة أشهر على الأقل.

عندها أنت بحاجة لأربعة شهود لتسجيل واقعة ما، ولشهود لأن تسأل عن أي شيء، ولتستفسر عن أي شيء و يجب أن تحفظ وثائق أصلية أو طبق الأصل لأي شيء، لذلك على المواطن أن يمتلك سيارة فان ويضع فيها كاميرا تصوير وجهازاً لتصوير الوثائق والمستندات وتدوّن كل ما حولك بالصوت والصورة، من إشغال الرصيف بالصناديق الفارغة والفاكهة والخضروات أو بالأكشاك والسيارات إلى الشوارع القذرة والدخان المتصاعد من المركبات. ورشوة مخالفات البناء وتجاوزات القوانين وهنا لن تستطيع بالطبع وقتها إلا أن تلتقط ما يطاله نظرك في الشارع من مناظر مؤذية وفساد مقدور عليه، ويبقى الفساد الكبير فساد السلطة نفسها التي تغيب عن جميع العيون باستثناء العين التي تحميها، وبعيدة عن أي يد يمكن أن تطالها، باستثناء اليد التي ترعاها، إن تكلمت عنها فمصيرك الحبس أو غرامة مالية تعجز عن تسديدها ما دمت مواطناً شريفاً وعندها أنت بحاجة إما إلى التماهي مع لعبة التصريحات الحكومية وقبض مستحقاتك منهم لتغطي معيشتك وتعري ( من العار ) نزاهتك، أو لأن تثبت واقعة وحدانية الله بالصوت والصورة مع أربعة شهود.

ذكريات الفضائية السورية والإرهابيون المندهشون! 

أذكر عندما بثّت الفضائية السورية الصور الأولى لمقبرة جماعية كما قالوا إنه ارتكبها مسلحون متطرفون في جسر الشغور  في الشهر السادس من عام ٢٠١١ وأجرت الفضائية السورية مع أكثر من عشرين وسيلة إعلامية وأجنبية لقاء مع أحد أفراد الجماعات المسلحة المشاركين بالمجزرة.

يسأله مراسل «المنار» وحوله عدد كبير من الجنود السوريين والمراسلين: لماذا قطعتم رؤوس الضحايا؟ 

يسأله آخر ما هو السلاح الذي استخدمتموه؟ 

أجاب الموقوف وهو الأقل دهشة من الجميع ووجهه ملاصق لجميع من يسأله وغير مقيّد ويؤشر بيديه في كافة الاتجاهات قال: “أنا ارهابي وكما تعلمون إن الارهاب لا دين له انتظرنا لما بعد الغذاء متخفين بالقرب من مفرزة الأمن العسكري ثم هجمنا عليهم وخلّصناهم الأسلحة ولم تحصل أي مقاومة لأنهم تفاجؤوا بنا في فترة الاستراحة. كان عددهم ١٤ عنصراً ونحن كنا ثلاثة أنا وحسن وحسين بعدها أنا مسكني الأمن وشركائي سافروا إلى تركيا”!!!

في فترة الحرب العالمية الثانية قال جوزيف غوبلز، مسؤول الإعلام في الحزب النازي وذراع هتلر القمعية: اكذب ثم اكذب حتى يصدّقك الناس. 

ما حصل في سوريا هو شعار مختلف وأخطر "اكذب ثم اكذب حتى تصدّق نفسك"، وغير مهم أن يصدّقك الآخرون.

هذا هو التحديث والتطوير والإصلاحات الجديدة ، لبناء “سورية  الحديثة" المهم وقف "التجاوزات المسيئة" على الشبكة التي تؤثر سلباً في الدولة والمجتمع وتوهن نفسية الأمة.

أما فقدان معظم النظم والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان - الصحة والتغذية والمياه والصرف الصحي والتعليم والحماية الاجتماعية والبحث عن الطعام وعلامات الضيق النفسي و القلق والحزن والتعب والأرق المتكرر.. أكثر من 90% من إجمالي عدد سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر، وإن كثيراً منهم يُضطر إلى اتخاذ خيارات صعبة للغاية لتغطية نفقاتهم.

ناهيك عن اضطر الملايين للفرار من بيوتهم بحثاً عن الأمان كلاجئين في دول الجوار لبنان والأردن والعراق، وبلدان أخرى، أو كنازحين داخل سوريا.

وعندما تطالب حكومة الأسد بعودة اللاجئين السوريين مشددة على استعداد سورية ليس لإعادة مواطنيها فحسب بل ومواصلة جميع الجهود لتوفير ظروف معيشية كريمة لهم، معنى ذلك دفع السوريين إلى السفر خارج سوريا أو مباركة هذه العملية أو السكوت عنها، هرباً من الخدمة العسكرية أو الخوف من الملاحقة الأمنية، أو قلة فرص العمل بشكل عام والبحث عن حياة أفضل....

ومع استمرار "التحديث والتطوير"، فإن الأمل يتلاشى على هذه الأرض سيدة الأرض، أمّ البدايات أم النهايات ما يستحقّ الحياةْ.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة