بسبب سوريا.. فايننشال تايمز تسلط السهام على تركيا: مخطط لم يحدث منذ مئة عام

أخبار سوريا || أورينت نت - إعداد: إبراهيم هايل 2022-07-26 13:01:22

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن خطة استراتيجية كبرى لتركيا في سوريا وذلك بعد أن أصبحت تتحكم في معظم مفاصل الحياة بالشمال السوري وأجرت العديد من العمليات العسكرية فيه، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن وجود أنقرة في سوريا اليوم بات الأول والأكبر لها في بلد عربي منذ سقوط الخلافة العثمانية.

وكتب الصحفيان أندرو إنغلاند ولورا بيتل في تقرير لهما بالصحيفة تحت عنوان "خطة تركيا الكبرى في سوريا" أن تسعة ملايين سوري تحت مسؤولية أنقرة، ما يوفر لها جسراً لمحاربة "حزب العمال الكردستاني"، إلا أن ذهابها أبعد من ذلك قد يثير لها مشاكل دولية.

أكبر تدخل تركي في دولة عربية منذ 100 عام

ووفق الصحيفة فإنه منذ أن شنت تركيا أولى العمليات العسكرية لها شمال سوريا منذ نحو 6 سنوات باتت تتحكم في مختلف مجالات الأمن والحياة المدنية في ثلاثة جيوب، والتي تضم مجتمعة نحو مليوني سوري.

وأوضحت أن تدخل أنقرة في سوريا أصبح يمثل أكبر بصمة تركية في دولة عربية منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1918، خاصة وسط تهديدات من أردوغان بشن هجوم جديد، ما يكرس مزيداً من التدقيق على استراتيجية تركيا طويلة المدى ودور الجهات الأجنبية في سوريا، بعد أكثر من عقد من الصراع في الدولة العربية، وفق ما ترجم موقع "أوغاريت بوست".

وبيّنت الصحيفة أن سوريا أصبحت ممزقة بسبب تدخل القوى الخارجية وفي مقدمتها روسيا وإيران وأمريكا وتركيا، وسط تضاءل اهتمام الغرب بإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، حيث بات التقسيم حقيقة فعلية طالما يرفض أسد قبول أي تنازلات سياسية وبقاء القوى الأجنبية في البلاد.

وتعليقاً على ذلك، قالت دارين خليفة، محللة الشؤون السورية في مجموعة الأزمات الدولية: “لا أحد يحب أن يقول ذلك بصوت عالٍ لأنه مثير للجدل سياسياً ولا يريد الأمريكيون أن يشعروا بأنهم يساهمون في ذلك، والأتراك لا يريدون من أحد أن يقول ذلك. لكن في الواقع، تحفز ديناميكيات ومخاطر صراع القوى الأجنبية على البقاء في سوريا، وطالما فعلوا ذلك، فمن المرجح أن يستمر المأزق الحالي الذي يشبه تقسيماً فعلياً للبلد”.

التبعية للأتراك

وقالت الصحيفة إنه في المناطق الثلاث التي تقع تحت إشراف أنقرة، يتعلم تلاميذ المدارس السورية اللغة التركية كلغة ثانية، الليرة التركية هي العملة المهيمنة وتُستخدم خدمة البريد المملوكة للدولة في تركيا، PTT، لتحويل الرواتب إلى العمال السوريين، وتشرف مكاتب ولاة المحافظات الحدودية التركية على عمليات التوظيف والطرد في المناطق السورية المجاورة.

أما على الجبهة الأمنية، فإن تركيا تدرب وتدفع رواتب أكثر من 50 ألف مقاتل سوري، ونشرت قواتها داخل سوريا، وأنشأت قواعد عسكرية ضخمة على الحدود وجداراً حدودياً بطول 873 كيلومتراً.

وعن الهدف العسكري الرئيسي لأنقرة في المنطقة فهو يتمثل بإضعاف الميليشيات الكردية، التي استغلت فوضى الصراع، ودورها الحاسم في المعركة ضد داعش لاقتطاع أراضيها، إذ أقاموا إداراتهم المدنيّة الخاصة في منطقة غنية بالعديد من الموارد الطبيعية في سوريا، بما في ذلك النفط والغاز والأراضي الزراعية.

منطقة آمنة

ويريد أردوغان أيضاً توفير ما يُسمى بالمناطق الآمنة لتشجيع عودة بعض من 3.7 مليون لاجئ سوري فروا إلى تركيا، حيث بات وجودهم مكروها في الداخل التركي، وأدت العمليات إلى دخول جنود أتراك إلى مناطق قتال أجنبية، يكلف أنقرة مليارات الدولارات، العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة وأوروبا والقوى العربية، وجهت اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان ومخاطر بوقوع اشتباكات أوسع مع الأسد وداعميه الخارجيين.

ومع ذلك، أخبر أردوغان أعضاء البرلمان في حزيران أنه يخطط “لمرحلة جديدة” من هدفها المتمثل في إنشاء “منطقة آمنة” بعمق 30 كم من الحدود لطرد المسلحين الأكراد من منبج، وهي مدينة استراتيجية تقع غرب نهر الفرات وتل رفعت. 

ويلفت الدبلوماسيون إلى أنه لا أدلة كثيرة على أن العملية العسكرية قريبة، في وقت حذرت فيه روسيا وإيران والولايات المتحدة من توغل عميق في الأراضي السورية بشكل سيؤدي إلى نزاع عسكري أوسع، إلا أن القادة الأتراك في داخل سوريا أبلغوا سلطات المعارضة المحلية بضرورة تحضير المقاتلين من "الجيش الوطني السوري" وفقاً لمدير المكتب السياسي للجيش الوطني السوري محمود الليطو، وأضاف أن تركيا نشرت قوات وأسلحة على طول الحدود "وحتى الشهر الماضي كانت تركيا جادة بشأن العملية".

الغرب منشغل بأوكرانيا

ويرى محللون أن هناك عدة عوامل وراء إعلان أردوغان عن حملة جديدة، بما في ذلك فكرة أن الحرب الروسية في أوكرانيا صرفت انتباه موسكو والغرب، فضلاً عن رغبة الرئيس في حشد المؤيدين قبل الانتخابات المقرر إجراؤها في حزيران 2023 وتفاقم الاضطرابات الاقتصادية في تركيا.

ومع ذلك، فإن تركيا، في جوهرها، تعتبر بصدق ميليشيا قسد تهديداً للأمن القومي ولا يأخذها أحد على محمل الجد، كما تقول خليفة.

وتقول: “سواء كنا نتفق أم لا، فهذه مسألة منفصلة، لكن الجميع في أنقرة، سواء أكان أردوغان أم قيادة أخرى، ما زالوا يفكرون في ذلك ويمكنهم التصرف بناءً عليه”.

تكلفة ضخمة في سوريا

اليوم، تتحمل أنقرة درجات متفاوتة من المسؤولية عن أكثر من 9 ملايين سوري، بما في ذلك اللاجئون داخل تركيا، أي أقل بقليل من نصف سكان الدولة العربية قبل الحرب.

ويقدر مراد يشلطاش من معهد سيتا المقرب من أردوغان وحكومته أن التدخل في سوريا يكلف الخزينة التركية مليارَي دولار سنوياً، ولديها ما بين 4,000 – 5,000 جندي في المناطق التي تسيطر عليها وحوالي 8,000  جندي في إدلب وما حولها.

وقال إن تركيا تصارع التناقض بين دعوتها للحفاظ على وحدة سوريا بمنع نشوء كيان كردي وفي الوقت نفسه تضعف من وحدة الأراضي السورية، مشيراً إلى أن خيارات تركيا هي حكم مباشر والذي سيعطي تركيا مساحة لحل المشاكل الأمنية والاقتصادية على الأرض، وسيكون بمثابة الضم الفعلي أو الخروج ووضع ثقتها بالقوات الموالية لها.

وتابع يشلطاش أن “الخريطة الحالية” لا تسمح باستراتيجية خروج، مقترحاً أن السيطرة على تل رفعت ومنبج ستعزز من أهداف أنقرة الأمنية والاقتصادية طويلة الأمد، وأي عملية جديدة ستكون محفوفة بالمخاطر، فهناك تقارير عن وجود قوات تابعة لميليشيا أسد وأخرى موالية لإيران حول البلدتين، فيما هدد الأكراد بالتنسيق مع دمشق لو حدث هجوم.

مخاوف مشتركة لدى الأتراك من قسد

على الرغم من حربها في أوكرانيا، يقول المسؤولون الأتراك والغربيون إن هناك مؤشرات قليلة على أن الموقف الروسي في سوريا قد تغير. ويقدر دبلوماسي غربي أن عدد القوات الروسية يتراوح بين 2000 و 5000، المفتاح هو الدعم الجوي لنظام الأسد.

يقول جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق في تركيا والمبعوث السابق إلى سوريا: ” بالنسبة لروسيا، سوريا هي نجاح كبير، لا أعتقد أنهم سيخاطرون بذلك وينسحبون”. فلم يحرف التدخل الروسي في عام 2015 ميزان الحرب لصالح الأسد فقط، بل وقوّت تأثير موسكو في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط، ولا يرى جيفري أي إمكانية لانسحاب أمريكا من سوريا في الوقت الحالي، وبخاصة بعد كارثة أفغانستان.

ويُعتقد أن الوضع الراهن مناسب لكل القوى الخارجية، ما يؤدي إلى استقرار هش، ويرى “أنهم يفضلون التعايش مع التزامات عسكرية فوضوية لا تحقق أي شيء سوى أنها تمنع الطرف الآخر من تحقيق النصر وخلق وضع أمني خطير لهم”.

وهناك عامل في الحسابات التركية هو تراجع شعبية أردوغان لتحقيق انتصار في الانتخابات المقبلة، وفي الوقت الذي تشترك فيه المعارضة مع مخاوفه من الأكراد إلا أنها تنتقد دعمه للمعارضة السورية، وتعهدت جميعها لو فازت بإعادة العلاقات مع أسد، كمقدمة لترحيل السوريين. لكن قلة منهم تريد العودة إلى بلد محطم ونظام ديكتاتوري فروا منه، ومن المحتمل مطالبة الأسد برحيل القوات التركية بشكل يحوّل المناطق الحدودية لملجأ للمتشددين الأكراد.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة