أهم الأخبار

 

نحن وفوبيا التقسيم (2 من 2)

مقال اليوم || أورينت نت - مصطفى المصطفى 2022-07-23 10:16:08

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في مقال سابق يحمل نفس العنوان تم استعراض السلوك الاستعماري في كافة بقاع الأرض لنصل لنتيجة مفادها: إن تقسيم المشرق العربي من خلال معاهدة "سايكس – بيكو" كان مضراً لهذه المنطقة لكننا، من خلال الاستعراض توصلنا لرفض فكرة الاستهداف المخصص. أي، إن فكرة التقسيم متعمدة لإيذاء منطقة المشرق العربي ينقصها الكثير من الدقة والمنطقية. ولكن، رغم ذلك، فاقتلاع فكرة عشعشت في الأذهان لعقود طويلة ليست بالمهمة اليسيرة. لذلك، لا بد من دعم ما ورد في المقال الأول بأدلة إضافية من خلال التعريج على قصتين وحدثين لهم علاقة وثيقة بالقضية التي يحاول هذا المقال معالجتها.

القصتان

تتحدث القصة الأولى عن تقرير "كامبل – بنرمان" المزعوم الذي صدر عن مؤتمر بريطاني عُقد في الهند عام 1907 لاستعراض واقع ومستقبل الإمبراطورية البريطانية. وحسب هذا التقرير المزعوم / المقبول لدى النخبة العربية حتى الآن فإن المشاركين في ذلك المؤتمر خلصوا إلى الكشف عن أهمية المنطقة العربية وعن خطورة وحدتها السياسية، ولذلك رأوا "من الضروري زرع جسم غريب في قلبها (إسرائيل) يمنع وحدتها في المستقبل". وحول هذه القصة نشر الباحث الفلسطيني المعروف أنيس صايغ مذكراته التي كشف فيها عن هذه "الأسطورة" (تقرير كامبل- بنرمان)، بعد أن كان مؤمناً بها في شبابه وعن الرحلة الطويلة التي جاب فيها الآفاق ليكشف تلك الحقيقة المرة: لا وجود لما يسمى بـ "تقرير كامبل-بنرمان" عن فلسطين وإسرائيل، وإنه لم يكن أكثر من أسطورة، ليكتشف أن أول ذكرٍ للتقرير ورد في كتاب للمحامي الفلسطيني أنطون كنعان الذي كان قد غادر فلسطين واستقر في القاهرة. وبنوع من التحدي ذهب أنيس صايغ إلى القاهرة ليبحث عن المحامي كنعان فوجده على قيد الحياة، ولكن اكتشف عنده الحقيقة المرة: لا وجود للتقرير ولا لمصدر عن هذا التقرير. كان التقرير المزعوم نتيجة صدفة جمعت في الطائرة بين الشاب كنعان المسافر إلى لندن لدراسة القانون مع راكب هندي، حيث انطلق الحديث بينهما لتمضية الوقت. فقد ذكر له كنعان كيف تآمرت بريطانيا على العرب وأصدرت وعد بلفور في 1917، وهنا ذكر له محدثه الهندي أنه قرأ شيئاً عن مؤتمر بريطاني عُقد في الهند عام 1907 وناقش مصير المنطقة العربية ومنع وحدتها بإقامة دولة يهودية. على إثر ذلك، تم حذف هذه القصة من المقررات المدرسية، لكن المضحك المبكي أنه في يومنا هذا هناك من يطالب بإدراج هذه القصة في المقررات المدرسية، وهو لا يعلم أنها كانت موجودة ثم حذفت لتهافتها. 

أما القصة الثانية فهي ترتبط بتلك الخرائط "الجيوسياسية" للمستشرق البريطاني "برنارد لويس" والتي يُزعم بأن "لويس" قدمها على شكل نصائح مكيافيلية إلى الإدارة الأمريكية، بهدف بناء شرق أوسط وفق ترتيبات وقواعد جديدة، تقوم على معايير عرقية وإثنية مختلفة عن القديمة. رغم أنه لا وجود لمصادر تُثبت هذه المزاعم، إلا أنه يتم الخلط غالباً بين هذا الادّعاء وبين خارطة رسمها العقيد في الجيش الأمريكي "رالف بيترز" كحل متخيل لمشكلات الشرق الأوسط إذ يقول: "الشرق الأوسط لديه مشكلات كثيرة منها الركود الثقافي وعدم المساواة الفاضحة والتطرف الديني المميت، لكن المشكلة الأكبر في فهم أسباب فشل المنطقة ليس الدين، وإنما الحدود الدولية البشعة". وبعد أن اعترف بعجز مقترحه عن حل مشاكل جميع الأقليات؛ استدرك قائلاً: "لكن المؤكد أن هذه الخريطة قادرة على أن تجعل الشرق الأوسط أكثر سلاماً". أهم ملامح هذه الخريطة التي تنسف الشرق الأوسط هو قيام 7 دول جديدة على أنقاض الدول الحالية. أي، هو نوع من التوحيد على أسس دينية وعرقية ومذهبية، فالدول السبع المقترحة هي نتاج إعادة تقسيم ودمج عدد أكبر الدول، فبالإضافة إلى دول المشرق العربي هناك إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان. 

إن أفضل ما يمكن قوله فيما يخص خرائط "رالف بيترز"، وخرائط "لويس" إن وجدت. أنها مجرد وجهات نظر لأشخاص لا وجود لها في دوائر صنع القرار في الدول الغربية لاستحالة تنفيذها على أرض الواقع، كما إن السلوك الأمريكي بشكل خاص، والغربي بشكل عام يتناقض تماماً مع هذه الادّعاءات، فالداعم الأول لاستقرار دول الخليج هو الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت وما زالت توفر المظلة الأمنية لهذه الدول رغم تكلفتها المرتفعة.

الحادثتان

أهم شواهد التقسيم الحديث لدى المؤمنين بخرافات نظرية المؤامرة هو انفصال جنوب السودان، وهي حادثة حقيقية، ولكن ما يجب معرفته أنه لولا وجود الرغبة لدى الحكومة السودانية لما حصل ذلك الانقسام، إذ كان على الحكومة السودانية أن تتصدى للمتمردين في الجنوب لنحو نصف قرن (1955 ـ 2005) على مساحة تقدر 620 كم مربع وهو ما استنزف الكثير من موارد الدولة السودانية وأرهقها. من جهة أخرى، أثبتت السنوات التي تلت عملية الانفصال أن السودان، بالفعل، تخلص من عبء ثقيل أرهق كاهله، حيث ذهبت توقعات مُنظّري نظرية المؤامرة أدراج الرياح بأن الإقليم مدعوم من الغرب لأن سكانه هم من الأغلبية المسيحية، إذ تحولت عملية الانفصال لكابوس مرعب لسكان هذه الدولة الجديدة، فسرعان ما اندلعت حرب أهلية بين قطبي الحركة الشعبية لتحرير السودان (الحزب الحاكم بقيادة الرئيس سلفاكير ميارديت، ونائبه ريك مشار)، لتأخذ أبعاداً عرقية وقبلية (بين قبيلتي الدينكا والنوير). فمئات الآلاف قتلوا خلال الحرب الأهلية (2013 إلى اليوم). باختصار، يمكن القول: إنها أسوأ تجربة انفصال حصلت في العصر الحديث لتكون عبرة لمن يعتبر.

على مبدأ "الانحياز التأكيدي" يتجاهل الجميع حادثة الانفصال الثانية، أو المحاولة التي قام بها إقليم "كردستان العراق" للانفصال على إثر استفتاء شعبي صوت بأغلبية ساحقة موافقاً على الانفصال، لكن الذي حصل هو قمع لهذه المحاولة عل مرأى العالم ومسمعه، بل وتأييده. فالعالم على ما يبدو قد رأى أن محاولات الانفصال قد تفتح باباً يصعب إغلاقه، فسرعان ما أعلن إقليم "كتالونيا" الإسباني عن نيته بالقيام بعمل مشابه. وبكل تأكيد ستمتد العدوى إلى أماكن أخرى من العالم قد تصل إلى ولاية "كاليفورنيا" في الولايات المتحدة ذاتها، أو إلى ولايات أخرى.

بقيت ملاحظة لا بد من تسجيلها، وهي أن اتفاقية "سايكس - بيكو"، وكذلك خرائط "رالف بيترز" خاصة بمنطقة الشرق الأوسط، ولكن بطريقة ما يحاول البعض تعميمها لتشمل كل المنطقة العربية خدمة لبعض التوجهات الأيديولوجية.

مرة أخرى، كل ما سبق لا يعني أن البلدان العربية عصية على التقسيم، بل العكس تماماً، فمقومات التقسيم أقوى من مقومات التوحد، إذ تشكل التركيبة السكانية لمعظم الدول العربية، والمشرقية بالتحديد، عوامل عدم استقرار سياسي في هذه الدول، وقد ينتهي بها المطاف إلى نوع من الانقسامات ما لم تتمكن شعوب هذه البلدان من الوصول إلى دولة المواطنة، والوصول إلى العقد الاجتماعي الذي يرضي الجميع.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات