حين قال له حافظ الأسد: تنتهي مهمتك هنا!

مقال اليوم || نوار الماغوط 2022-07-13 10:10:09

حافظ الأسد ووريث حكم الفساد
حافظ الأسد ووريث حكم الفساد

فيما مضى من الأيام والسنوات في عام 2000 أيام كانت سوريا كلها في فورة النشاط والمناقشات والندوات واللقاءات لتطوير العمل السياسي والاقتصادي والخدمي، ومع انطلاقة برنامجي البيئة والإنسان في التلفزيون السوري، كنت متطوعاً في جمعية البيئة والتنمية المستدامة وعضو مجلس إدارة فيها، مع زملاء أحباء رندة المهتدي، ياسر محمد، نعيم قداح، وغيرهم. ..

وكنت حريصاً على زيادة معرفتي في مجالات التنمية المستدامة التي أعرّفها باختصار: هي إقامة مشاريع اقتصادية زراعة أو صناعية أو سياحية تخدم المجتمع دون الإضرار بالطبيعة ومصالح السكان المحليين. 

وفي ذلك العالم صدر قانون حماية البيئة وتعليماته التنفيذيه الذي أعطاني تفاؤلاً ودفعاً كبيراً بأن سوريا وخلال عدة سنوات قادمة، إن امتلكت الإرادة السياسية والتنفيذية، ستكون مثل سويسرا طبيعياً على الأقل .. 

جاءت منظمة سويسرية تريد تدريب العاملين في المجال البيئي لعدة أيام بعنوان، تقييم الأثر البيئي للمشاريع التنموية، وهو من أهم المواضيع التي يجب على المراقب البيئي أن يمتلكها وذلك بالتعاون مع الجمعية، وكنت أول المرشحين والمتحمسين للمشاركة، مدة الدورة 4 أيام في فندق الشيراتون  

ولكن بحجة أن العدد محدود من المشاركين، وزيرة البيئة أو مدير عام هيئة البيئة أكرم الخوري استبدل اسمي بموظفة من طائفته ليست على رأس عملها ولديها إجازة أمومة، وبعدها جاءت عشرات الدورات والمؤتمرات لوزارة البيئة وكان رأي وزير الإعلام متفقاً مع وزير البيئة أن تكون مهمتي إعداد تقرير إخباري ثلاث دقائق أو أقل عن النشاط وتنتهي مهمتي هنا، ولكنني لم أعِر اهتماماً لهذا التوجيه، بدعم وتعاطف مع مديرين من الجيل الجديد متحمسين يقدرون رسالة الإعلام التوعوية.

أُقيم في دمشق مؤتمر لوزراء البيئة العرب، وكنت متحمساً أن أعرف مداولاتهم، وحضرت الافتتاح وبعد الكلمات الترحيبية والسياسية من رؤساء الوفود التي بمجملها تحمّل إسرائيل مسؤولية التلوث البيئي في المنطقة العربية، تقدمت فاطمة الملاح مسؤولة مكتب البيئة في جامعة الدول العربية وأمسكت الميكرفون من أمام رئيس الجلسة وطلبت من جميع الإعلاميين مع كاميرات التلفزيون بالخروج من القاعة، وعند سماعي لهذا الطلب، نظرت مباشرة إلى وجه وزير البيئة السوري وكان مليئاً بالسعادة والانتشاء والنصر،أنت فهمان الموضوع غلط!

تنتهي مهمتك هنا!

اتصل بي المذيع عمر عيبور يخبرني أنه تم ترشيحي من قبل وزير الإعلام بناءً على طلب وزير الإدارة المحلية أن أتولى مهمة منسق وطني لمشروع التوعية البيئية في سوريا.. كان الوزيران جادّين بالتعاون لإنجاح العمل، فرحت وبدأت العمل وتواصلت مع كل من أعرفه من الخبراء في هذا المجال، وهيأت نفسي لأحلم بسوريا نظيفة بشوارع وساحات وأبنية وأرصفة، واتسع الحلم ليشمل بناء نصب لعمال النظافة عند مداخل المدن والقرى ..

وكنت خلال السنوات السابقة قد اطلعت على مختلف أنواع شكاوى المواطنين المتعلقة بالنظافة في سوريا بشكل عام وفي محافظة دمشق وريفها بشكل خاص…

كانت أبواب المحافظة مغلقة دائماً بوجوههم والمحافظ لا يستقبل أحداً منهم إلا إذا تكلم معه وزير الإدارة المحلية أو أحد قادة الأفرع الأمنية…

فبينما كانت شوارع وأرصفة أبو رمانه والمالكي يعاد رصفها وتعبيدها أكثر من مرة في السنة الواحدة، كانت أكوام النفايات وبقايا الأنقاض تتراكم لتشكل جبلاً أمام مداخل الأبنية والساحات في الحجر الأسود والدويلعة وجرمانا…

بعد مرور أقل من أسبوعين على التكليف، طلبني مكتب وزير الإدارة المحلية السيد تامر الحجة حضرت مساءً حسب الموعد وكانت بانتظاري مسؤولة الإعلام بالوزارة السيدة جربوع 

وقالت بالحرف الواحد: أنت فهمان الموضوع غلط، السيد الوزير يريد ندوة تلفزيونية عن المشروع وتنتهي مهمتك هنا....

بعد هذه الحادثة فقدت الأمل وتأكدت وقتها أن أي تجاوز للسلطة.. بمهمة عمل إصلاحية..تقود البلاد نحو الأفضل هو تهديد مباشر بانهيار الدولة والنظام…

وإن أركان الدولة العميقة الموجودة في كل زاوية ومفصل في سوريا..لا تسمح بأي نشاط أو عمل يمس أي إصلاح في أي قطاع…

الرؤية واضحة عند هذه الموظفة وغيرها…الإفساد والسرقة…ومنع أي كان من الاقتراب من مناطق التمسك بالإصلاح ومبادىء الشرف في العمل الخدمي أو السياسي…

ما كان هذا إلا خلفية للثورة التي قام بها السوريون..على هذا النظام الذي كان يتهيأ طوال كل هذه السنوات لقمعها، وعرفت وتأكدت ما هي مهمة الدولة العميقة ولماذا تفشل مشاريع التنمية ومحاولات الإصلاح والتطوير…

ولم يكن إبعادي أنا وأمثالي المخدوعون، عن مهامهم إلا محاولة لعدم كشف حقدهم ونياتهم…بالانحطاط بالوطن لا لترتقي به، بالاستبداد لا بالتمسك بالأمل نحو دولة ديمقراطية حرة تحافظ على كرامة الإنسان وتدافع عن حياته من أجل مستقبل آمن له ولأولاده مزدهر وحر وكريم…

تبين لاحقاً أن مهام وزارة الإدارة المحلية والبيئة هي إدارة الفساد وجباية الأموال وتكريس موظفيها وعمالها لقمع المتظاهرين وتشكيل خلايا من عناصرها الأمنية والحزبية لإدارة غرف العمليات لقمع المظاهرات 

عند اندلاع الثورة سخّرت محافظة دمشق كل من يعمل في أقسام مديريات النظافة والبيئة بقمع تلك الاحتجاجات وإعطاؤهم توجيهات مباشرة بالضرب المبرح وكسر العظم…وتدمير كل ما يطال أيديهم وتخريبه لاتهام المتظاهرين بتلك الأعمال.

حتى وصل الأمر حسب اعترافات بعض من رفضوا هذه الأوامر إلى إعطاء العمال في المحافظة …الأعلام السوداء..وقصاصات ورقية مطلوب منهم ترديدها ..لتكريس المفهوم الإسلامي للثورة التي وسمت به لاحقاً .

التقارير عليكم والتقييم والتصرف علينا

طوال الخمسين عاماً كان يوضعُ الرجل الفاسد في المكان المناسب للفساد، يدرب جيشه لكي يقتل شعبه، لا يهمه لا نظافة ولا بيئة ولا تنمية، يريد أن يجهز الفاشلين والانتهازيين ليكونوا واجهته الاقتصادية والمالية والإعلامية 

روى لي أحد الأصدقاء من بلدتي التي تقع عند مدخل الصحراء أن قريباً له كان يعمل بدون صفة في السفارة السورية في برلين، وهو عمل مكّنه من مساعدة أقاربه للوصول إلى ألمانيا ومنحهم اللجوء والدراسة والاستقرار والعمل، وهو أمر كان مستحيلًا في فترة الثمانينات والتسعينات..

طلب هذا الموظف عندما زار دمشق مقابلة حافظ الأسد شخصيًا.. وتم ذلك، قال لحافظ الأسد: أنا منذ عشرين عاماً وقد بلغت من الكبر عتياً،أرسل لك ما تطلبه مني من تقييمات أمنية وملاحقات ومتابعات وتحركات وما يدار من أحاديث ونقاشات..لأي شخص تطلب مني مراقبته.. وأنا في كل مرة كنت الوفي والصادق لك والوطني، ولكن اسمح لي أن أقول لك إنني وبعد كل هذه السنوات وقد تجاوزت السنوات القانونية للتقاعد وأصبحت هرماً وأريد جواباً لسؤال لم أجد له تفسيراً:

إن كل من كان رأيي بهم سيئاً وتقييمهم كان ضعيفاً وغير صالحين لأي إدارة أو مفصل هام في الدولة..يتم تعيينهم وزراء ونواباً لرئيس الوزراء ومحافظين ومديرين عامين، بينما الذين كان تقييمي لهم جيداً ..كانوا محاربين في سوريا، ومبعدين عن أي منصب سياسي أو اقتصادي أو خدمي أو ثقافي في الدولة، ويشغلون وظائف أقل من إمكانياتهم العلمية بكثير ..ما دفع قسماً كبيراً منهم للعودة من حيث أتى أو بقي ومات كمداً

قال له حافظ الأسد:

"أنت مهمتك أن تكتب وتقيّم ونحن لا نشك بصدقك ووفائك وشجاعتك ووصفك الآخرين بماهم عليه، ولكن نحن نحلل ما تكتب ونقيّم النتائج ونتصرف بناءً عليه…"

لا أمل يا صديقي!

رحمك الله أيها الصديق الدكتور “عصام الزعيم”

الإنسان الذي أعطاني يوماً ما أملاً بأن سوريا يمكن أن تكون بخير، زرته في بيته بأتوستراد المزة بعد خروجه من الوزارة وتكليفه بمكتب "استشراف مستقبل سوريا عام 2020" وكان غارقاً بالمجلات والصحف يقرأ ويضع الملاحظات.... قلت له: لا يوجد أمل...!

قال لي نحن من علينا أن نزرع الأمل لتظل سوريا بخير، رنّ جرس البيت واستلم رسالة قرأها بصوت مرتفع.. إنه "محمد الحسين" يريدني أن أخرج من البيت، تنهد وصمت…

بعدها استأجر منزلاً عند أول مزة جبل جانب بيته القديم، واستأجر سيارة مع سائق، بخلاف جميع الوزراء المُنهى تكليفهم الذين تُخصص لهم الحكومة سيارة مع سائق!...

كانوا يريدون التخلص منه، ولكن الزعيم استمر في نشاطه وبمشروع مستقبل سوريا 2020 ليعطي وطنه الذي يحبه خلاصة خبرته الاقتصادية والأخلاقية لتكون دروساً في مؤسسات الدولة وفي الجامعات ولكل من يعرفه ولا يعرفه.. رحل الزعيم ولكن ستبقى سوريا مزهوة بمحبتك لها وفخورة بك أيها الأمير النبيل.

ونحن سنبقى على أمل أن تصبح سوريا دولة ديموقراطية حرة ونجعل من البيت الذي كنت تسكنه متحفاً يخلد محبتك لسوريا.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات