بعد كتابات طه حسين وشوقي ضيف والزيّات والفاخوري:تاريخ الأدب العربي في مشروع جديد لكاتب سوري

ميخائيل سعد 2022-07-06 10:26:17

خاص أورينت
خاص أورينت

درستُ الأدب العربيَّ في سوريا قبل نصف قرن تقريبًا، ثمَّ هاجرتُ إلى كندا، وأقمتُ فيها، وبعد انطلاق الثَّورة السُّوريَّة سنة 2011.م سافرت إلى تركيا مرَّات عدَّة، وحين تنقَّلتُ في مدنها المتعدِّدة وجدتُ أوابد أثريَّة وتاريخيَّة وحضاريَّة كثيرة؛ زادت شغفي بالتَّاريخ، ودفعتني إلى تكثيف قراءاتي التَّاريخيَّة، إلى حدٍّ رحتُ أبحث فيه عن مقعد دراسيٍّ في جامعة ما، ثمَّ وجدتُ هذا المقعد في جامعة ماردين جنوب شرق تركيا، فرجعتُ إلى القراءة والمطالعة بهمَّة طالب علم في مقتبل عمره؛ ونتيجة لموقع مدينة ماردين في قلب الجزيرة الفراتيَّة وبلاد ما بين النَّهرين وجدتُ نفسي في متحف طبيعيٍّ تحتاج آثاره وأوابده التَّاريخيَّة العريقة إلى مطالعات كثيرة، حيث تقع مدينة ماردين بين مجموعة من المدن ذات الأهمِّيَّة التَّاريخيّة الكبيرة مثل: أورفة وحرَّان المرتبطتين بموقع كوبكلي تبَّه الشَّاهد على تدجين القمح والثَّورة الزِّراعيَّة والرُّها ونصيبين وديار بكر الَّتي تعايش فيها كثير من الشُّعوب القديمة وتفاعلت فيها ثقافات متعدِّدة؛ لإنتاج منجز حضاريٍّ تشهد عليه أوابد هذه المنطقة كلِّها. 

 

طالب سبعيني يكتشف أستاذه

على مقاعد الدِّراسة ظنَّ بعض زملائي وزميلاتي أنَّني أستاذ المادَّة أكثر من مرَّة، وسُرعان ما تشكَّلت علاقة صداقة وثيقة ربطتني بزملائي وأساتذتي الَّذين ينتمون إلى مرحلة الشَّباب في غالبيَّتهم العظمى، وكان الدُّكتور مهنَّا بلال الرَّشيد أستاذ علم الدَّلالة وفلسفة التَّاريخ واحدًا من أساتذتي الَّذين ربطتني بهم صداقة متميَّزة، فراح الدُّكتور يُعطيني بعض نصوصه الإبداعيَّة حينًا والفكريَّة حينًا آخر؛ لأبدي بها وجهة نظري بوصفي قارئًا لا بوصفي ناقدًا محترفًا، ولعلَّ مخطوط كتابه: رحلة الشِّعر العربيِّ وتحوُّلاته الرَّمزيَّة من الأساطير الأولى إلى ما بعد الحداثة (دراسة سيميائيَّة فيلولوجيَّة مقارنة) كان واحدًا من أبرز المخطوطات الَّتي قرأتها له؛ لأنَّ هذا الكتاب يحمل مشروعًا فكريًّا متكاملًا، يدعو فيه إلى إعادة التَّأريخ لأدبنا العربيِّ بعيدًا عن الأفكار القديمة والتَّقليديّة الشَّائعة حوله.

في دروس كثيرة وجلسات خاصَّة وجدتُ نفسي مهتمًّا بدعوة الدُّكتور مهنَّا الرَّشيد لإعادة التَّأريخ لأدبنا العربيِّ لوجود خيط فكريٍّ واضح يُنظِّم هذه الدَّعوة، ويدعمها بقراءات تاريخيَّة ووثائق أثريَّة كثيرة؛ كملحمة جلجامش ونقش عين عبدات وشعر امرئ القيس ونزار قبَّاني ونصوص أدبيَّة أخرى، فقد وجد المؤلِّف أنَّ نموذج الفارس المهزوم يشكِّل نقطة التقاء جوهريَّة بين معظم هذه النُّصوص، وعندما فرغتُ من قراءة مخطوط هذا الكتاب توقَّعت له أن يترك أثرًا متميَّزًا في جانبين مهمَّين؛ هما: تاريخ الأدب العربيِّ وما يرتبط به ويتفرَّع عنه من قضايا نقديَّة وفكريَّة، والأدب المقارن وقضايا تراسُل الفنون والتَّأثير المتبادل بين الآداب والفنون العالميَّة كلِّها.

 

الفارس المهزوم يسري في الأدب والفنون

منذ أيَّام قليلة شعرتُ بسعادة كبيرة حين أخبرني المؤلِّف بأنَّ مجلَّة حوليَّات الآداب والعلوم الاجتماعيَّة الصَّادرة عن مجلس النَّشر العلميِّ في جامعة الكويت قد نشرت كتابه في رسالتها الأخيرة رقم (595) وحوليَّتها ذات الرَّقم (42) للعام 2022.م، فاسترجعتُ مع المؤلِّف بعض القضايا الفكريَّة المهمَّة التَّي تحدَّث عنها في كتابه؛ مثل: تحوُّلات الفارس المهزوم في الملحمة والشِّعر والرِّواية والأغنية والسِّينما والنُّقوش والكتابات والمدوَّنات العربيَّة القديمة، وما يرتبط بها من نقاش حول تحوُّلات الأدب والتَّاريخ بين الملفوظ والمكتوب ومدى شيوع الكتابة وانتشارها بين العرب قبل الإسلام، وقد أثنيت على المؤلِّف نظراً لما يتمتَّع به من همَّة عالية، من وجهة نظري، ناهيك عن إصراره الدَّائم على إلقاء أكثر من حجرة في مياه تراثنا العربيِّ؛ لنغوص في أعماقه حيناً، ونبحث في بعض مساحاته المهجورة عن قضايا فكريَّة سبقتنا بعض الأمم الأخرى في توثيقها وتدوينها والحفر في طبقات تراثها. 

جاءت هذه الرِّسالة الحوليَّة (Monograph) في مئتين وستٍّ وثلاثين صفحة من القطع المتوسِّط، وعرض فيها المؤلِّف لكثير من تحوُّلات أدبنا العربيِّ وتراسل فنونه وتأثيره في الآداب العالميَّة الأخرى من خلال منهجيَّة بحثيَّة واضحة تعتمد على المنهج السِّيميائيِّ وفقه اللُّغات المقارن (Philology)؛ ولعلَّ هذا من أبرز ما يميِّز هذا الكتاب، الَّذي دفعني لاستعادة كثيرٍ ممَّا قرأته حول تاريخ أدبنا العربيِّ من كتابات كارل بروكلمان، وشوقي ضيف، وطه حسين، وناصر الدِّين الأسد وحنَّا الفاخوريِّ وأحمد حسن الزَّيَّات، وبرغم اختلاف منهجيَّة الباحث في كتابه الجديد عن منهجيَّات سابقيه ممَّن ذكرتهم، إلَّا أنَّني آمل لكتابه هذا أن يجد مكانه في المكتبة العربيَّة بجوار هذه الكتب المذكورة، ولعلِّي مؤمن بأهمِّيَّة هذا الكتاب حقًّا. 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات