رحلة للطَّيران الإسرائيليِّ في جبال العلويِّين

د.مهنا بلال الرشيد 2022-07-05 10:46:48

قصف إسرائيلي على اللاذقية
قصف إسرائيلي على اللاذقية

ليس عبثًا أن يتقاطع عنوان هذا المقال مع عنوانِ كتابٍ شهير للفرنسيِّ ليون كاهون؛ نشره بعدما زار مدينة القرداحة وسائر جبال العلويِّين سنة 1878.م؛ أي قبل أربعين سنة تقريبًا من سقوط الدَّولة العثمانيَّة، وسجَّل في كتابه جملة من الملاحظات المهمَّة، الَّتي تصوِّر الواقع الاجتماعيِّ في القرداحة وسائر جبال العلويِّين، وتضيء على جانب مهمٍّ من عادات أهل هذه الجبال وسلوكها الاجتماعيِّ، الَّذي حاول حافظ أسد بوصفه أحد أفراد هذه المجموعة البشريَّة إخفاء بعضه أو تحويله أو التَّنكُّر له بعدما اغتصب السُّلطة في انقلابه الشَّهير سنة 1970.م، ولعلَّ تحويل اسم العائلة من عائلة الوحش إلى عائلة أسد واحد من أبسط هذه التَّحوُّلات، الَّتي تصبُّ في خانة التَّنكُّر للأصل، وبرغم دوران الاسمين (وحش/أسد) في حقل الحيوانات الدَّلاليّ، وجدت تلك العائلة أنَّ التَّنكُّر لاسم جدِّها الحقيقيِّ واحد من جملة من الأسباب، الَّتي تساعدها على حشد مجموعتها البشريَّة من أهل الجبال خلفها، وهذا سوف يُمكِّنها من التَّغلغل في مجتمع متمايز عنها-من وجهة نظرها-في قسم من سلوكه وعاداته وتقاليده؛ لتحكمه بالحديد والنَّار، ويُعينها على التَّهرُّب من كلِّ ما يثير حفيظته تجاهها أو تجاه سلوكها الطَّائفيِّ وعاداتها الاجتماعيَّة، ولعلَّ تغيير اسم العائلة واحد من أهمِّ المفارقات الَّتي تكشف عن الجذر السِّيكولوجيِّ الحقيقيِّ لتفكير حافظ أسد ووريثه بشَّار برغم مَا أشاعوه في إعلامهم عن غياب الطَّائفيَّة في سوريا قبل انطلاق الثَّورة ضدَّ حكم الوريث القاصر في آذار 2011.م.

حاول ليون كاهون أن يُطري على سكَّان هذه المنطقة؛ ليأخذ منهم أكبر قدرٍ من المعلومات حول مجموعتهم البشريَّة؛ ليجعل منها جماعة وظيفيَّة تخدم في المستقبل مَن يفهم خصائصها وطباعها، وهذا جوهر التَّوظيف السِّياسيِّ والأيديولوجيّ، الَّذى ادَّعى كاهون رغبته العارمة في الابتعاد عنه وعن أيِّ حديث سياسيٍّ خالص؛ لأنَّه يفضِّل التَّفكير بصوتٍ عالٍ، ويميل إلى الابتعاد عن الهمس، ولعلَّ إشاراته في الكتاب إلى سلوك هذه المجموعة البشريَّة القديم توضِّح لنا تجذُّر الفكر الطَّائفيِّ لدى حافظ أسد وتعويله عليه من أجل الوصول إلى حكم سوريا، وتوريثه من بعده لابنه باسل أو ابنه بشَّار، لقد استقطب حافظ أسد حوله جُملة من السِّياسيِّين والضُّبَّاط المخلصين له، وشكَّل تنظيمًا لهم على أساس الولاء الشَّخصيِّ مستلزمات تفكيره الطَّائفيِّ ومخاوفه الدِّينيَّة والعرقيَّة والمذهبيَّة، ولم يَفُتْهُ تطعيم هذه المنظومة بوجوه غير فاعلة تنتمي إلى طوائف أخرى؛ لديها سلوكيَّات ومعتقدات غير معتقدات سُكَّان الجبال، الَّتي أشار إليها ليون كاهون عندما ذهب في رحلته إلى جبال العلويِّين؛ وبرغم تسليط الإعلام لدى الأب ووريثه القاصر الضَّوءَ على رئيس وزراء سنِّيٍّ أو مفتٍ كرديٍّ أو وزير دفاع مسيحيٍّ أو موظَّف دُرزيٍّ لم تكن تلك الشُّخوص إلَّا أدوات طيِّعة لتنفيذ أفكار الأب والابن مقابل بعض المكاسب الشَّخصيَّة الضَّيِّقة، ولعلَّ هذه الخلطة المضلِّلة تساعد حاكم سوريا العسكريِّ على إحكام قبضته وتضليل النَّاس في دائرة الغموض الَّتي تشكِّل جزءًا من سيكولوجيا سكَّان الجبال، وهنا نقتبس من كتاب ليون كاهون بعضاً ممَّا يوضِّح منهجيَّته في تأليفه هذا الكتاب، وبرغم شَطَطِ منهجيَّته وبُعْدِه عن الموضوعيَّة في إطلاق بعض الأحكام التَّعسُّفيَّة على مَن يستحقُّ الخير الأوروبِّيَّ من مجموعات سوريا ومَن لا يستحقُّ هذا الخير، إلَّا أنَّنا مضطرُّون لسرد اقتباس يوضِّح بعضاً من هذه المنهجيَّة، حين قال: (لم أحاول الخوضَ في أحاديث ذات مواضيع سياسيَّة كيلا ينتهي الأمر بالتَّحدُّث همساً في الأذن. إذ إنَّ الشَّرقيِّين يهوون الغموض، الأمر الَّذي يمنعهم من البوح جهرًا بالأفكار السِّياسيَّة، ولكنَّني أعترف بأنَّه ليس هناك من شعب يستحقُّ الخير أكثر من هذا الشَّعب الشَّريف والقويِّ، والَّذي يصبو بكلِّ جوارحه إلى الحضارة، ويحترم ذاته، كما إنَّه بقليل من الدَّعم الأوروبِّيِّ سيُعلِّم بكلِّ تأكيد الشُّعوب الَّتي تُحيط به كيف تحترم ذاتها).

زار كاهون جبال العلويِّين، ويبدو أنَّه وقع في فخِّ التَّعميم حين رأى حبّ الغموض صفة عامَّة من صفات المشرقيِّين عمومًا، وليست صفة خاصَّة بهذه المجموعة البشريَّة الَّتي زارها في جبال العلويِّين، وكان باستطاعته أن ينحو منحًى موضوعيًّا في إطلاق بعض هذه الأحكام حول الشُّعوب المشرقيَّة الأخرى بناء على دراستها لا على دراسة نموذج خاصٍّ منها، ولعلَّ خصوصيَّة المجموعة البشريَّة المدروسة واحدة من أبرز معضلات سوريا المعاصرة؛ لأنَّ أسرة أسد الحاكمة غيَّبت وعيَ هذه المجموعة، وضلَّلتها، وعمَّمت عليها ثقافة القطيع من خلال تضليل إعلاميٍّ مكثَّف، يُشرف عليه أبناء عمومة بشَّار الأسد في وقتنا الرَّاهن؛ وهم لا يفتؤون عن تخويف أبناء طائفتهم من سلوك عدوانيٍّ لدى كلِّ من لا يدور في فلكهم من أبناء الطَّائفة السُّنِّيَّة، ويصوِّرون لهم الفرد السُّنِّيَّ الَّذي يُعاني من بطش العائلة الحاكمة المجرمة كأنَّه شبح يحمل سيفًا لينقضَّ ضدَّ أفراد هذه المجموعة في أوَّل فرصة سانحة، ولعلَّ الأسرة الحاكمة المجرمة لم يبق لها أيُّ رصيد تستثمر فيه غير ترويج هذه الشَّائعات؛ لأنَّ انتشار الوعي بين الأغلبيَّة السَّاحقة من النَّاس الطَّيِّبين الَّذين زارهم كاهون في جبال العلويِّين سيقوِّض حُكم العائلة المجرمة، وسيكشف غموضها وتضليلها وزيفها وخداعها.

كثَّفت إسرائيل قصفها الجوِّيَّ لأماكن كثيرة في جبال العلويِّين الممتدَّة بين اللَّاذقيَّة وطرطوس ومصياف وبانياس، واحتفظت الأسرة الحاكمة بحقِّ الرَّدِّ في سلَّة المهملات في انسجام واضح مع زيفها وغموضها وخداعها وتضليلها وصفاتها الانتهازيَّة الأخرى، وانشغل أفراد الأسرة الحاكمة المقرَّبين من بشَّار بتضليل السُّكَّان في جبال العلوِّيين وتخويفهم من السُّنَّة بدلًا من شرح الأسباب الَّتي تدعو بشَّار الوريث إلى الاحتفاظ بحقِّ الرَّدِّ والتَّضحية بالمزيد من أبناء الطَّائفة وترويعها من السُّنَّة بعد كلِّ قصف إسرائيليٍّ جديد، بدلًا من شرح أسباب حرص بشَّار الكبير على كرسي الحكم، في ظلِّ عجزه التَّامِّ عن اتِّخاذ أيِّ قرار ذي فائدة غير الاحتفاظ بحقِّ الرَّدِّ، وفي الوقت الَّذي ينعم به بشَّار المجرم وأبناؤه وأبناء أخواله وأصهاره في التَّنقُّل بين مطاعم دمشق وأندية السَّاحل الرِّياضيَّة ينزف أبناء جبال العلويِّين كلَّ يومٍ مزيدًا من دماء أبنائهم. 

وقفتُ في الآونة الأخيرة على تحليل يُفسِّر كثرة القصف الإسرائيلي لمواقع دقيقة في جبال العلويِّين، وينسجم مع غموض الأسرة المجرمة وتضليلها، يقول فيه صاحب التَّحليل: إنَّ كلَّ قصف إسرائيليِّ حول مطار دمشق وفي كلٍّ من اللَّاذقيَّة وطرطوس ومصياف وبانياس لا يكون إلَّا بموجب معلومات دقيقة، يُدلي بها للإسرائيليين أفراد من أبناء عمومة بشَّار الأسد، وهم من المقرَّبين منه والمحسوبين عليه تحديداً، وكلَّما أعطى أولئك الأفراد معلومات دقيقة لإسرائيل مقابل أموال أو شيكات أو تحويلات مصرفيَّة مضمونة تقصف إسرائيل بعض الأهداف الدَّقيقة، الَّتي تخسر فيها سوريا جزءًا من بنيتها التَّحتيَّة، الَّتي لا تعني لبشَّار الأسد شيئًا، طالما أنَّه يحافظ على كرسيِّه، ويضحِّي بأفراد من أبناء القطيع خلفه، ولا يخسر أيَّ فرد من أفراد عائلته؛ ولذلك كلِّه نحن مقبلون على مزيد القصف الدَّقيق لأهداف محدَّدة، وإصدار مرسوم جديد مفتوح من مراسيم القاصر الخُلَّبيَّة، يوصي فيه بمزيد من تدمير بنية سوريا التَّحتيَّة والتَّضحية بأبناء القطيع والاحتفاظ بحقِّ الرَّدِّ حتَّى إشعار آخر.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة