كيف استشرف ديستويفسكي مستقبل العالم في رواية (الأخوة كارامازوف)؟

أورينت نت - د.مهنا بلال الرشيد 2022-07-03 12:53:46

رواية (الأخوة كارامازوف) للكاتب الروسي ديستويفسكي
رواية (الأخوة كارامازوف) للكاتب الروسي ديستويفسكي

تحتوي رائعة دوستويفسكي (1821-1881.م) (الأخوة كارامازوف) على خلطة جدليَّة رهيبة من ثنائيَّات ضدِّيَّة، حيث تبدو عائلة كارامازوف في ظاهرها أسرة متآلفة، أو تبدو صراعات أفرادها مجرَّد خلافات عائليَّة؛ لكنَّها في حقيقتها صورة لصراع العالم المحموم على المادَّة. تقوم حبكة هذه الرِّواية على قصَّة أب (فيدرو بافلوفتش كارامازوف) لثلاثة أولاد، يُنجبهم من زوجتين؛ وقعتا لسبب أو لآخر ضحيَّة لهذا الزَّواج المشؤوم، ثمَّ أنجبت الزَّوجة الأولى لفيدرو ابنه الكبير ديمتري قبل موتها، وأنجبت له زوجته الثَّانية إيفان الأوسط وأليكسي أو أليوشا الصَّغير، الَّذي تكشف الرِّواية عن رمزيَّته ودلالته على موقع الدِّين والتَّديُّن والتَّربية الدِّينيَّة في المجتمع؛ قبل أن تفصح الرِّواية عن بطولة هذا الموقع المتجسِّد في شخصيَّة أليكسي أو أليوشا.

تجتمع في الأب بيدور كارامازوف خلطة من الصِّفات الدَّنيئة والأفعال الوضيعة؛ كالبخل والكذب والتَّطفُّل والدَّناءة والوصوليَّة والانتهازيَّة واحتقار الذَّات ووضاعتها؛ ليغدو صورة للشَّرِّ المطلق، الَّذي يستفيد من ضَعف الآخرين في أكثر من موقع، وينتهز طيبتهم وحاجاتهم وظروف الاجتماعيَّة مرَّات عدَّة؛ فيتسلَّل إليهم كلَّما سنحت له سانحة؛ مرَّة يتزوَّج من والدة ديميتري أو زوجته الأولى الطَّيِّبة؛ فتُنجب له ديمتري، الَّذي يرث الشَّهوانيَّة وبعض السِّمات الوضيعة عن أبيه، ويرث عن أمِّه الطِّيبة؛ فيغدو خلطة بشريَّة فريدة من نوعها، ومرَّة يتزوَّج امرأة أخرى، ومرَّة يتطفَّل على مائدة هذا، ومرَّة يستغلُّ طيبة ذاك.

علمانية مستبدة ومدمرة! 

يمثِّل الأخ الأوسط إيفان كثيرًا من آراء دوستويفسكي إن لم يمثِّل دوستويفسكي ذاته في نزوعه نحو العقلانيَّة والعلمانيَّة، الَّتي توشك أن تغدو عقلانيَّة مدمِّرة أو علمانيَّة مستبدَّة، إن لم يُهذِّب الجانبان الدِّينيُّ والأخلاقيُّ شيئًا من أنانيَّتها أو منفعتها أو سطوتها المادِّيَّة؛ لكنَّ دوستويفسكي ينزع إلى الموضوعيَّة حين يزجُّ (بإيفان/ رمز العقل) في حومة الصِّراعات الضِّدِّيَّة ضمن فضاء هذه الرِّواية؛ فيبدو لنا أنَّ العقل المطلق لا يصلح لقيادة العالم وتوجيهه دون مساندة من الجانبين الرُّوحيِّ والأخلاقيِّ، برغم بحث الرُّوح والأخلاق عن اللَّذَّة والسَّعادة، ولعلَّ هذا الجانب يتمثَّل بالأخ الكبير (ديمتري) في هذا الرِّواية.

يتصارع الأب على ميراث زوجته الأولى مع ديمتري؛ ابنه الكبير والوحيد من زوجته الأولى، ويبدو الأب شرًّا مطلقًا، في حين يبدو ديمتري روحًا نقيَّة ضعيفة أمام سعادتها وملذَّاتها. ويتصارع من جانب آخر الأَخ الكبير ديمتري، الَّذي يرمز إلى الرُّوح والسَّعادة المطلقة مع الأخ الأوسط إيفان، الَّذي يرمز إلى العلم والعقل، ويبدو دوستويفسكي غير مؤمن بقدرة أيٍّ من العقل المطلق (إيفان) أو الرُّوح والسَّعادة المطلقة (ديمتري) على قيادة هذه الأسرة بمفرده، وتبدو هذه الأسرة صورة مصغَّرة عن روسيا والعالم في أواخر القرن التَّاسع عشر؛ فالرُّوح والسَّعادة وقيم الخير المطلقة لا يمكنها بمفردها أن تقود العالم، وتوجِّهه، ولو أردنا لها ذلك لَرَكَن البشر إلى نوع من التَّسليم والخنوع والكسل والتَّواكل، وهذا معادل موضوعيٌّ لهيمنة الاشتراكيَّة أو الشُّيوعيَّة على العالم، وكذلك لا يمكن للعقل المطلق أن يقود العالم، ولو سلَّم العالم قيادته إلى العقل المطلق لفقد كثيرًا من قيمه الرُّوحيَّة، وتحوَّل البشر إلى ما يشبه الآلات والأرقام المجرَّدة بلا أيِّ مبدأ أو قيمة روحيَّة، وهذا ما سيشعر به البشر لو هيمنت الرَّأسماليَّة المادِّيَّة على العالم، ولعلَّ هذا من أوضح ما نعانيه في عالمنا المعاصر، ولعلَّه أيضًا من أبرز رؤى دوستويفسكي الاستشرافيَّة حول مستقبل روسيا والعالم في وقتنا الرَّاهن بعد ما يقرب من مئة وخمسين سنة من كتابة دوستويفسكي روايته قُبيل وفاته.

البحث عن موقع التربية الدينية في الحياة

يبدو بطل الرِّواية (أليكسي/أليوشا) أصغر الأخوة من زوجة الأب الثَّانية نقيًّا بريئًا؛ وهو يمثِّل في هذه الرِّواية بحث دوستويفسكي عن موقع التَّربية الدِّينيَّة في الحياة الاجتماعيَّة ومستقبل الدِّين وموقعه في صراع الأخوة من أقطاب الأسرة على مستقبل أسرتهم أو دولتهم أو العالم بأسره. نكتشف في مئتي صفحة من بداية هذه الرِّواية الطَّويلة الَّتي تشغل حوالي ألف وستَّمئة وخمسين صفحة أنَّ دوستويفسكي يؤمن بأهمِّيَّة الدِّين في تغذية الجانب الرُّوحيِّ وضبط العقل، في الوقت الَّذي يدرك فيه خطورة الزَّجِّ بهذا (الدِّين/أليوشا) في الصِّراع بين الأخوة؛ لذلك يُحذِّر دوستويفسكي بخطورة الزَّجِّ بالدِّين في صراع الإخوة ورغبات البشر وثنائيَّاتهم الضِّدِّيَّة المتجادلة من أجل قيادة العالم، الَّذي يتحرَّك بسبب جدليَّة هذا الصِّراع، فلا العقل وحده قادر على قيادة العالم، ولا الرُّوح وحدها تستطيع ذلك، وإنَّما جدليَّة الرُّوح والعقل تقود العالم، وتوجِّهه؛ يحثُّنا العقل على العمل قُدُمًا؛ لتحقيق أهدافنا وطموحاتنا ومكاسبنا المادِّيَّة، وتُهذِّب الرُّوح نزوعنا الأنانيَّ، وتنظِّم الأخلاق صراعنا المحموم، ويضبط الدِّين والأخلاق بعض الغايات الدَّنيئة في الوصول إلى بعض المنافع؛ ليبرز دور (الدِّين/أليوشا) بطلًا لهذه الرِّواية.

ثنائية العقل الروح

تفرض الرِّواية على (الدِّين/أليوشا) أن يتَّخذ موقفًا صريحًا من الشَّرِّ المطلق، وإن كان هذا الشَّرُّ والده؛ لكنَّه من جانب آخر يجب عليه ألَّا ينحاز إلى أخوته المتصارعين (الرُّوح والسَّعادة/ ديمتري) و(العقل والمنطق والمادَّة/ إيفان)؛ هذا القطبان اثنان من الأخوة غير الأشقِّاء؛ تحتم عليهما الظُّروف بعض الصِّراع؛ لكنَّها توجب على رابطة الأخوَّة أن تنتصر من طرف آخر؛  ليعمَّ الخير على أفراد الأسرة، وإنْ تأجَّجَ الصِّراع بينهما، ستنهار الأسرة، وإذا تخلَّى الدِّين عن دوره في ضبط مطالب العقل والرُّوح، أو انحاز إلى طرف من طرفي هذا الثُّنائيَّة الجدليَّة (العقل والرُّوح) سيزداد الصِّراع ضراوة، وسيكون دور الدِّين سلبيًّا في تأجيج الصِّراع وإيقاف عجلة التَّاريخ أو حَرْفِها عن مسارها التَّقدُّميِّ؛ هذا إنْ لم يُرْجِع الصِّراع المحموم هذه العجلة إلى الوراء؛ لتكرَّر حروب البشر وصراعاتهم الدِّينيَّة؛ ليقول هذا المؤرِّخ أو ذاك الباحث السِّياسيُّ: ألم نقل لكم إنَّ التَّاريخ يُكرِّر نفسه، ولا يأتي بالجديد مطلقًا؟!  بدل أن يقول رجلٌ عقلانيٌّ: يكرِّر البشر أخطاءهم ذاتها في مراحل تاريخيَّة متعدِّدة، وقلَّما يأخذون من التَّاريخ بعض العِبَر؛ وحتَّى لا تطول بنا أطراف هذا المقال سأقتبس من هذه الرِّواية اقتباسين؛ يتحدَّث دوستويفسكي في الحوار الأوَّل عن تقييم لشخصيَّة الأخ الكبير (ديمتري/الرُّوح والسَّعادة) من منظور راكيتين الرَّاهب صديق أليوشا في الدَّير؛ فيقول:

"اسمع إنَّ أخاك (ميتيا/ديميتري/رمز الرُّوح والسَّعادة) رجلٌ شريف، أُسلِّم بذلك (هو غبيٌّ لكنَّه شريف)، غير أنَّه يحبُّ الملذَّات؛ ذلك أساس طبيعته، وهو العنصر المسيطر في نفسه، وقد أخذ هذا عن أبيه الَّذي أورثه شهوانيَّته الخبيثة".

وفي الحوار الثَّاني يدعو دوستويفسكي إلى العلمانيَّة أو العقلانيَّة بطريقة غير مباشرة، ويميل إلى ضبطها بالأخلاق وفصل (الدِّين/ أليوشا) عن الصِّراع بين (العقل والمادَّة/ إيفان) و(اللَّذَّة والسَّعادة/ديمتري) من أجل تقدُّم (الأسرة/ العالم)، ويقدِّم هذه الدَّعوة على لسان راهب الدَّير حين يخاطب الأخ الصَّغير (أليوشا)، وينصحه حول شكل علاقته المفترضة مع أخويه (ديمتري رمز اللَّذَّة والسَّعادة) و(إيفان رمز العقل والمنفعة والمادَّة)؛ فيقول: 

"سَأَلَ الشَّيخُ أليوشا وهو يبتسم ابتسامة عذبة: ما بكَ أيضًا؟ فليسكبِ الأبناء هذا العالم دموعًا على موتاهم! أمَّا نحن هنا في هذا الدَّير فإنَّنا نغتبط مع الأب الَّذي يُبارحنا إلى العالم الآخر، نبتهج معه، ونصلِّي له، دعني الآن! يجب عليَّ أن أُصلِّي! هيَّا أسرِع! ابق قرب أخويك! لا قرب واحدٍ منهما، بل قرب كليهما". 

أسئلة تجاه قضايا مشابهة 

بعد هذين الاقتباسين، وفي نهاية المطاف تحديدًا أسال القارئ الكريم إن كان يشعر مثلي بقسوة العالم المتحضِّر في أمريكا وأوروبَّا من حيث مواقفه المتناقضة تجاه قضايا متشابهة في شرقنا الأوسط؛ هذا العالم الَّذي انحاز لمنفعته ورغباته المادِّيَّة، ولم يلتزم بأيِّ موقف أخلاقيٍّ أو روحيٍّ دينيٍّ تجاه بعض طُغاة الشَّرق الأوسط كحافظ الأسد وابنه بشَّار لاستفادة بعض الأقطاب العالميَّة من شرورهما في الوقت الَّذي أسرع فيه هذا الغرب ذاته إلى محاكمة صدَّام حسين، واكتفى بمراقبة الحراك الشَّعبيِّ في تونس والجزائر ومصر واليمن؟ وسأسأل القارئ الكريم أيضًا: هل يشعر مثلي بمخاطر الصِّراع الدِّينيِّ الَّذي يتأجَّج يومًا بعد آخر بين اثنيَّات الشَّرق الأوسط جرَّاء انحياز رجال الدِّين لهذا الطَّرف من أطراف الصِّراع أو تقوقع رؤساء الطَّوائف الدِّينيَّة بالقرب من طرف الصِّراع الآخر؟!

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات