رد مشترك: لماذا يتهجمون على الضباط المنشقين؟

العميد الركن أحمد رحال 2022-07-02 10:25:46

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

هذا المقال المشترك للعميد أحمد رحال والعقيد مالك الكردي، هو رد على مقالة  د. موفق السباعي المنشورة على موقع أورينت نت بتاريخ 13/6/2022 تحت عنوان: (لماذا توقف الضباط الأحرار عن القتال)

الضباط هم جزء من مجتمعهم لا تنفصل فيها عراهم عن أهلهم، ولا يختلف نظام تفكيرهم عن محيطهم، ولا يمكن أن تكون أحاسيسهم ومشاعرهم إلا متلازمة مع إدراكهم لما يدور من حولهم، فكانوا أكثر الناس إحساساً بالظلم الواقع، لأنهم أكثر معايشة والتصاقاً مع الأحداث اليومية، وأكثر من كان يصيبهم الأذى، فيكابدون الصمت في وقت يدركون فيه أن الجهر بالصوت وحده يكلفهم حياتهم وتدمير أسرهم، وكان داخل كل واحد منهم بركان غضب ينتظر فتحة نفث ليشعلها ناراً، وما إن هبت الرياح الربيعية حتى استنشقوا عبير الحرية الحتمية، وراحوا يعدون لها فرادى أو عبر مجموعات صغيرة، في وقت اشتدت عليهم الأضواء لترصد حتى حركات شفاههم. 

مكرهون لا مخيّرون! 

ما إن نَزَفَ الجرح في درعا حتى انتفضت الدماء في شرايين الضباط الأحرار متداعية، ولم ينتظروا أي أحد يستثير حميتهم، كما أراد أن يصورهم الدكتور موفق السباعي، وكأنهم ثيران في حلبة صراع. وحميتهم ليست إلا نزوة يحتاجون فيها من يحركها ويثير زوبعتها، وحقيقة الأمر أن تحركاتهم كانت متناغمة مع تحركات إخوانهم في الساحات وهي تصدح بهتافاتها، ولكن للعسكريين ساحاتهم وطريقة عمل مختلفة، ولم يكن فيهم من ينتظر مديحاً أو ثناء، وإن قيام الدكتور السباعي بذمهم بعد مقدمة مديح ليست إلا مناورة دبلوماسية غير مقبولة تكشف ما في نفسه من ضغينة. 

إن تأخر بعض الضباط بالانشقاق ليس لتبلد الإحساس أو قصور في الواجب، إنما هو التفكير للقيام بما هو أهم بكثير والتحضير لمرحلة الحسم وانتظار الظرف المناسب فالقيود المفروضة عليهم قاتلة، وقرار الانشقاق بحد ذاته لم يكن هدفاً للضباط أو بطولة يتوهمونها، إنما هي حالة تفرض ذاتها عليهم وقت مداهمة الخطر واستشعاره من اعتقال حتمي يعلم السوريون وحدهم تبعاته، ونجزم أن النظام زج بالمعتقلات مئات الضباط في الشهور الأولى لمجرد الاشتباه بتحركهم، وغُيّب الكثير منهم إلى الأبد فيما الكثير أيضاً لا يُعرف لهم مصير حتى الآن، ويكفي أن نقول إن قرار الضابط بالانشقاق هو قرار نصف احتمالاته أن يُقبض عليه وبالتالي الإعدام، والنصف الآخر فيه نجاة، نضيف لذلك أن الضابط لا يستطيع الانشقاق والبقاء بمواقع يوجد فيها الأمن الأسدي، بل يجب أن تكون هناك مناطق محررة وخارج سلطة الأسد، لذلك تأخر البعض بالانشقاق لتأمين ملاذ آمن له ولأسرته الصغيرة وأحياناً الكبيرة، خاصة بعد منع الضباط من مغادرة المواقع العسكرية والسفر بين المحافظات إلا بإجازة رسمية مبررة وموقعة.

وفكرة الانشقاق لم تراود أحداً في المراحل الأولى لأنه لم يكن هناك أي مأمن يلجأ إليه الضابط المنشق، إلّا أن النقيب رياض الأحمد وجد نفسه في المأزق الصعب عندما لم يستطع تمالك أعصابه، حين قامت وحدته يشاركها الشبيحة في اجتياح وحشي لقرية البيضا في بانياس بتاريخ 12/4/2011، أي بعد مضي 24 يوماً فقط على انطلاق الثورة في درعا، وقبل أن تفضحه ملامحه أو يؤمر بأفعال لا يمكنه تنفيذها، أو تقوده ردة فعله إلى حتفه لا محالة، اتخذ قراراً بالانشقاق سريعاً دون تفكير في الوجهة التي يريدها، ولكن شاءت الأقدار أن ساقته إلى تركيا مع عائلته سالكاً طرق المهربين، ملتجئاً إلى مقر بعثة الأمم المتحدة في أنقرة، نظراً لأن الحكومة التركية حينها كانت على وئام تام مع النظام السوري، وترتب على انشقاقه كارثة عائلية إذ استطاع والداه وإخوته التواري ولكن حماه وحماته (والدا زوجته) كان نصيبهما الاعتقال، وهو ما أردنا قوله: إن عملية الانشقاق كانت محفوفة بمخاطر مميتة، تضع جميع الأقارب والأصدقاء في دائرة خطر الاعتقال والاغتصاب الحتميين، ولا مكان يلجأ إليه المنشق وعائلته لذلك اختار الضباط مخيم اللجوء في تركيا مكرهين لا مخيرين، والحال ذاته لمن استطاع الوصول إلى الأردن.

 

إساءات خرجت عن أدب الخطاب! 

ولم يكن الدخول إلى تركيا وخيار الإقامة في المخيم البائس (مخيم الضباط ) هو تهرباً من واجب أو زهداً في حياة، أو كما قام الكاتب برسم الصورة البهيمية المخجلة التي أساء فيها  للضباط بكلمات خرجت عن أدب الخطاب، حيث كان واضحاً أنه أراد فيها إهانة لهم في قوله: (ليس لهم من عمل إلا أن يأكلوا ويشربوا ويناموا ويتناكحوا)، وأردفها بتعميم لا يستثني فيه أحداً منهم بقوله (سواء الذين في داخل المخيم، أو في خارجه)، وإن دلّ ذلك فإنه لحقد تملكه، ولجهل بصيرورة الأحداث ومراحلها وتسلسلها، وما رافقها من معوقات لا يمكن الحكم عليها وتقييمها إلا من خلال دراسة الظروف التي أحاطت بها ودفعت لما آلت إليه الأمور، وما قام به الدكتور السباعي في تهجمه على الضباط كان بعيداً عن المنهج العلمي، تغلبه العاطفة التي تنساق مع الشائعة، وخانته الفطنة والكلمات وهو الكاتب المرموق والذائع الصيت.   

تساؤل الدكتور موفق السباعي الذي طرحه لماذا انشقّ الضباط؟ يحمل غمزاً وتحميلاً للمسؤولية!!! إن انشقاق الضباط كما أسلفنا ليس هدفاً، ولكن هذا بالطبع لا يعفيهم من مسؤولية يستوجب أن يتحملوها في إطار قدراتهم الظرفية والمعرفية والخبرات الاختصاصية في العلوم العسكرية والعلوم الأخرى التي يمكن أن يجيدها بعضهم، ولكن أن يُحمّلوا مالا طاقة لهم به فهذا أمر غير مقبول، ولكل امرئ قدراته ولا يشترط على كل من رفض قتال أهله وهجر نظام الإجرام أن يحمل السيف ويرتد يقاتله. 

 

مشكلة المال السياسي!

الثورة تختلف ظروفها ولا تدار معركتها بنفس أسلوب الحروب والمعارك التقليدية، ولا تنتظم هياكلها وفقاً لهياكل الجيوش النظامية، وهو أمر متعلق بطبيعة التسليح المتوفر، ولا تنفصل فيها السياسة عن العسكرة، ولا يمكن لأي ضابط مهما علا شأنه وعلت رتبته أن يقود بالزلزلة والمهابة التي أشار إليها كاتبنا التي تخيل فيها الضابط بصورة ستالين وهتلر وهو ما نرفضه، فالقائد أبوي قبل أي شيء، وفي الثورة لسنا أمام جيوش منظمة تقيم في معسكرات،  أو تتقاضى رواتب فتؤمر، وإن خالفت فعقاباً يزجر، إنما جميع المقاتلين هم ضحايا عقود من الظلم والاضطهاد، اندفعوا طواعية، يحركهم مرأى الدم النازف، فتفجر في عروقهم غضباً وتمرداً، وارتبطوا في كتائب فرضتها الظروف وتضم ذوي القربى بمعظمها. 

كما وصف الدكتور السباعي (العمال والفلاحين ورعاة الأغنام والأبقار, يحملون السلاح, وهم الأغبياء والجهلاء بالمجال العسكري، ويشكلون الكتائب والفرق العسكرية)، هلّا تساءل الكاتب من أعطاهم السلاح والمال وشكل لهم الكتائب والألوية؟! مع أن الجواب يفترض أن يكون عنده وبإجابات أوفى مما يستطيع أي ضابط إجابته، ومع ذلك سنجيب بإيجاز شديد لأن الأمر يحتاج إلى صفحات:

الدكتور السباعي يعلم (عبر رفاقه بالأمس) أنهم من قاموا بجمع التبرعات النقدية التي بلغت عشرات عشرات ملايين الدولارات باسم الجيش الحر، وكانوا يتقاسمونها ويوزعونها وفق رؤيتهم على الداخل السوري، دون أن تمرّ عبر بوابة الجيش السوري الحر الوليد الذي أعلن عن نفسه!

إنهم المعارضة السورية المنظمة والوحيدة التي كانت بالمنافي عند انطلاق الثورة، وهي من استغلت الموقف وقامت بتشكيل لجان جمع التبرعات في العالم عبر دعاتها ومشايخها، ووجهت لتشكيل الكتائب من خلال سيطرتها المالية، وراح قادتها يقومون بتشكيل الكتائب في مناطقهم والتي ليس بالضرورة لحاجة الثورة إليها، إنما حمّى العدوى وصراع القيادات الحزبية، حتى صار في كل قرية أو حي ولكل عائلة كتيبة، ورغم هذا العبث فإن الضباط تمكنوا من إعادة توجيهها والسيطرة عليها نسبياً، وحققوا تقدماً إلى أن سيطرت الثورة على نحو 69 % من إجمالي مساحة سوريا نهاية عام 2012 ، ولكن مع تسلق التنظيم التاريخي المعارض على أجنحة الثورة وإطلاقه نظرية: “وجوب التعددية الفصائلية منعاً لسيطرة الضباط المستقبلية”، هذا هو حرفياً الذي كان يردده قادتهم، أضف لتعميمهم لمفهوم الغنيمة، وقيامهم بتحويل عدد من الكتائب إلى (دروع) برايات تختلف عن راية الجيش الحر، وتنصيب العائدين من السجون قادة على رأس فصائل أيديولوجية تم توليدها واستحداثها وتغذيتها بالمال السياسي والسلاح، إضافة لبروز التطرف عبر تنظيمي القاعدة وداعش ممن توافقوا على أن الخطر المحدق بهم هو وجود الضباط، فجعلوهم أهدافاً للقتل أو الإبعاد خارج الحدود والأمثلة كثيرة، من قتل العميد يحيى زهرة قائد المجلس العسكري في القلمون، إلى قتل العميد الركن أحمد مشيعيل، وقتل العقيد يوسف الجادر أبو فرات الذي قتلوه في ختام تحرير مدرسة المشاة، لقد قتلوه وخرجوا بجنازته، هذه هي الحقيقة التي يجهلها أو يتجاهلها كاتبنا... والقائمة تطول إلى عشرات الضباط الذين لاقوا حتفهم بعد أن تم وضعهم أمام أحد خيارات ثلاثة: المبايعة لأصحاب اللحى والسراويل الطويلة، أو المغادرة خارج الحدود أو القتل، ومن رفض الخروج اختُطف وقُتل أو كانت تنتظره عبوة ناسفة تقوده للنتيجة ذاتها، أما الحاضنة الشعبية فقد تم خداعها واستغلت عواطفها بشعارات دينية براقة استسلمت لها، وكيلت الاتهامات للضباط تارة بالبعثيين، وتارة أنهم ملاحدة وكفرة، كل ذلك قاد إلى إخراج معظم الضباط من المعركة، ثم أغلقت الحدود بوجههم، وعندما تجرأ 38 ضابطاً منشقاً في الأردن وأرادوا تجاوز الحدود عودة باتجاه الداخل، أطلقت النيران عليهم من قادة بعض الفصائل، وأجبروا على العودة للأردن، وكانت رسالة واضحة: لا مكان لكم بالداخل، وكما حصل للضباط بالجنوب تكرر بأشكال أخرى شمالاً وغرباً, وحذرنا مراراً وتكراراً من مستقبل أسود ينتظر الثورة لطالما أكدنا حتميته، حيث أدى تعدد الفصائل واختلاف السلاح إلى تصادم الفصائل ذاتها لاحقاً، وفعلاً بدأ التقهقر إلى أن فقدت الثورة أغلب المناطق المحررة, وبدلاً من 69% من السيطرة باتت الثورة تسيطر الآن على أقل من 7% إذا استثنينا مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام التي لا يمكن اعتبارها بأي حال كجزء من الثورة, ورغم كل هذا الواقع المأساوي الذي آلت إليه الثورة, ما زال الفيتو مشرعاً خارجياً وداخلياً بوجه عودة الضباط لمواقعهم الطبيعية في الداخل. (وما نبينه من حالة المنشقين العسكرين ينطبق تماماً على ضباط وصف ضباط وعناصر الشرطة الذين تم استبعادهم ومنعوا أيضاً من العمل).

أمانينا أن نُخلّقَ جيشاً وطنياً يستوعب في هرميته جميع الخبرات العسكرية للمنشقين, ويستطيع القيام بواجبه في تحرير سورية من نير سلطة النظام الأسدي الإرهابي وجميع القوى المساندة له، وأجرينا محاولات كثيرة لبناء جيش ثوري منظم, لكن كنا نواجه بمصدات مصمتة، فأي تنظيم عسكري يحتاج إلى قدرات مالية وإلى أسلحة وأعتدة ومظلة سياسية, وهذا كان واضحاً ومنذ البداية أنه مرفوض دولياً، وقد منع علينا كقيادة للجيش الحر عام 2011 و2012 امتلاك أي تسليح, ولكن بالوقت نفسه فوجئنا بتسليم الأسلحة لجهات محددة ومعروفة من قبل جهات دولية محددة ومعروفة (لا نود ذكرها في هذا التوقيت وحرصاً على ما تبقى من روابط لها بالثورة)، حيث سلمت وبشكل مباشر الأسلحة إلى قادة مدنيين معروفين بعمالتهم أو بتاريخهم الإجرامي تحت حجج الضرورة لهذا النوع في هذه المرحلة, وتجاهلوا الضباط تجاهلاً تاماً بل طلب منهم التزام الصمت وإلا سيتم اعتبارهم مخربين، والنتيجة هي فقدان الضباط لأية سيطرة على الكتائب التي أخذ المبعوثون والسفراء والدعاة يتواصلون مع قادتها مباشرة لأن مع هذا الصنف من الفصائل والقادة تتحقق مصالحهم، فيما الضابط الوطني لا يمكن أن يقبل بأي إملاء يفرض عليه، فيما القادة أشباه الأميين أو بعضهم انتشوا بحديث المبعوثين والسفراء المباشر إليهم فعانقت أحلامهم رئاسة الحكومة والقصر الجمهوري.

مؤتمر أنطاليا: تحايل واستبعاد ومنع دخول! 

وليتمّ إكمال الإجهاز على الضباط تم دعوة هؤلاء القادة وهم في معظمهم من المهربين والفوضويين والحرفيين وآخرين قادة أيديولوجيين، تم دعوتهم إلى مؤتمر أنطاليا نهاية العام 2012 بالوقت الذي تم فيه استبعاد معظم الضباط المنشقين والقيادات العسكرية العليا في الجيش الحر عن حضور هذا المؤتمر, وداخل المؤتمر تم التحايل أيضاً على ضباط آخرين, حيث جرى إبعادهم عن جلسات المؤتمر ومقرراته (وكاتب الرد العميد أحمد رحال أحد الذين تم إبعادهم منذ اليوم الأول من مؤتمر انطاليا، ومُنع من دخول قاعة الاجتماعات رغم أنه كان قائداً لجبهة الساحل، والعقيد مالك كردي أيضاً تم حبسه بمخيم الضباط ومنعوه من المغادرة لمكان المؤتمر، وكثير من الضباط حجزوا إما على الحدود أو في المطارات مثل النقيب عبد الرزاق طلاس مثلاً)، ذلك المؤتمر الذي سميت فيه هيئة الأركان بقيادة العميد سليم إدريس, ونوابه الأربعين, ومعظمهم من القادة الثوريين ومن النوعية المشار إليها سابقاً, والوقائع اللاحقة كشفتهم وعرتهم, وجرى دفع الضباط للعمل تحت ظل هذه القيادات التعيسة, وأذكر أن ضابطاً وبرتبة مقدم اختصاص مشاة, وخدمته السابقة قبل الانشقاق كانت في أفواج القوات الخاصة, عندما ذهب للعمل كمستشار وموجه مع أحد قادة الكتائب الأفذاذ ودون أي مقابل يطلبه, فقيل للضابط: لسنا بحاجة لخبرتك واختصاصك العسكري, ستكون مهمتك هنا العمل في المطبخ لتجهز لنا القهوة والشاي. 

وإذ قبل بعض الضباط العمل تحت قيادة القادة المدنيين من الأميين وأشباههم بسبب الفاقة والحاجة إذا أحسنا النوايا, فإن هناك الكثير من الضباط الذين أنف كبريائهم وعزتهم وكرامتهم ذلك, ورأوا أن الموقع الذي لا تُحفظ فيه كرامتهم لا يليق بهم أن يبقوا به، وقالوا تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ولا يمكننا ونحن الكرام أن نُذل على موائد اللئام، وكان ذلك سبب تنحيهم والتوجه للعمل في أقسى الأماكن مستترين لتأمين لقمة أطفالهم, فعملوا في محطات الوقود وقطاف الزيتون والبرتقال ومهن أخرى لتأمين قوت عيالهم, ومشهد الضابط الذي ظهر مؤخراً (بشريط فيديو) وهو يجمع الكرتون من الشوارع التركية, صورة جلية وواضحة عمّا آلت إليه أمور الضباط وفقاً للخطة الممنهجة التي تعاونت جهات عدة في الثورة على تطبيقها بحق الضباط.  

وحتى الأركان الوليدة عن مؤتمر أنطاليا ورغم علاتها لم يعطَ لها الدور الفعلي لممارسة دورها القيادي, وجرى تحويلها إلى مستودع أمانات وناقل للسلاح, غير قادرة على اتخاذ أي قرار تنظيمي أو عسكري على مختلف المستويات الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية، ومع ذلك هاجمها قادة فصائل الأيديولوجية وهم نواب لرئيس الأركان, فاستولوا على أسلحتها ومعداتها وجرى فرطها، ثم تشكلت لمرات متعددة أخرى ولكن بطريقة أسوأ, وفي جميع حالاتها لم يكن السوري فيها صاحب قرار لأنه وباختصار (من يمولها يكون مالكاً لقرارها) والممول لم يكن سورياً وطنياً. 

وإذ كان جميعها مصيرها الفشل فمرد ذلك ليس نابعاً من ضعف في إمكانيات وخبرات الضباط الذين تعاقبوا على القيادة, بعد أن ظن البعض أن المشكلة تكمن فيمن سبقهم، ولكن الحقيقة أن الممسكين بالملف السوري يمنعون تبلور أي تنظيم عسكري حقيقي, وهم الذين أخذوا يسوفون منذ البدايات بعد أن أمسكت جهات دولية بالملف السوري وتحت الحاجة والفوضى لم يعد للسوري أي قرار. 

وإذ لا تتاح لنا الإمكانات والظروف لنتقدم خطوة أكبر فإننا نتوسم بالدكتور السباعي قدرته على تجاوز العقبات وتذليل الصعاب وتأمين ما يلزم من عتاد وسلاح ومساحة جغرافية مناسبة للانطلاقة ولتشكيل نوية جيش قادر على استيعاب الطاقات والخبرات وتنفيذ المهام الطموحة.  

من رأى الواقع ليس كمن سمع! 

إن انشقاق ما يزيد عن 5000 ضابط استشهد منهم ما يقارب من 500 ضابط, ولك أن تحسب النسبة المئوية يا من تتهجمون على الضباط ليلاً نهار وكلما دق الكوز بالجرة، وهل فكر يوماً كاتبنا السباعي بحالهم ومآلهم وهم الذين ضحوا بمستقبل أبنائهم وبكل ما يملكون من أجل شعبهم وهم فخورون غير نادمين، وكم منهم من تسبب بأذى لعائلته وأقرباءه في قرار انشقاقه أو كم جاد منهم بدم أبنائه انتصاراً لثورته، وكم عانوا أصلاً خلال العقود الماضية وهم يكابدون على الجراح بانتظار الفرصة المناسبة، ولكن أن يأتي من يتهجم عليهم وهو لم يقدم أي تضحية في سبيل وطنه أو أنه لم يره أصلاً، ولعل السيد السباعي لم يكن يحبو عندما غادر الوطن مع والده، ونحن بالتأكيد لا نعيبه، ولكن من رأى وعاش الواقع وكابد الظلم ليس كمن سمع.

نأمل من الدكتور السباعي أن يكون موضوعياً فيما يكتب، وألا ينساق بخياله خلف الشائعات أو ممن يتربصون وينسجون الحكايات ويرمون التهم جزافاً تدفعهم شهوانيتهم السلطوية ليبعدوا الضباط عن مسرح التأثير، وهو أمر بلا شك يسقط كاتبنا عن جواده الأدبي وهو مالا نرجوه، ونطمح أن يكون كاتباً سورياً مميزاً يتعاضد قلمه مع فكر الضابط وبندقية المقاتل ومع كل يد تمتد للخير وتسهم ولو بمقدار من أجل الثورة والتحرير. 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات