شرق أوسط يغلي.. العرب يستكملون المصالحة.. إيران تعيش الذعر والجائزة في تركيا

أورينت نت - عقيل حسين 2022-06-29 10:40:44

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

تحولت منطقة الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة الماضية إلى ساحة نشطة بشكل غير مسبوق منذ سنوات طويلة، حيث شهدت حراكاً دبلوماسياً ساخناً بالتزامن مع حديث عن تشكيل محاور، ومفاوضات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، واللافت أن كل ذلك يسبق وصول الرئيس الأمريكي إلى المنطقة منتصف تموز/يوليو القادم.

فبعد الجولة التي أجراها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وشملت كلاً من الأردن ومصر وتركيا، انطلق أمير قطر تميم بن حمد إلى القاهرة والجزائر، ثم وصل وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إلى أنقرة، ومن هناك أدلى الأخير بتصريحات مثلت تحولاً كبيراً في موقف طهران من المصالح التركية في سوريا، بينما سجلت أنقرة الموقف الأهم بإعلانها الموافقة على انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي/الناتو يوم الثلاثاء.

استقطاب تركيا

وإذا كانت موافقة تركيا على انضمام العضوين الجديدين إلى الحلف رغم كل محاولات روسيا إغراء أنقرة من أجل عرقلة الخطوة تأتي في سياق المتوقع، فإن إعلان وزير خارجية إيران أن بلاده تتفهم المخاوف الأمنية لتركيا في سوريا، وترى أن العملية التي تهدد بشنّها ضد ميليشيات سوريا الديمقراطية "قسد" قد تكون ضرورية، اعتبر الحدث الأكثر أهمية على الإطلاق حتى الآن.

وبينما يرى المراقبون أن مساعي الولايات المتحدة لإبقاء الموقف التركي في سياق التوحد ضمن المواجهة مع روسيا، حيث كان رفض تركيا لانضمام هلسنكي واستوكهولم للناتو سيشكل صدعاً خطيراً في الجبهة التي عملت واشنطن على تشكيلها منذ بدء الروس غزوهم لأوكرانيا في شباط/فبراير الماضي، فإن الموقف الإيراني من العملية العسكرية التركية المنتظرة بدا وكأنه يجاري المساعي الأخرى لاستقطاب أنقرة، خاصة مع تخوف طهران من انضمام تركيا إلى التحالف العسكري-الأمني الذي يقال إن بعض الدول العربية تسعى إلى تشكيله بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعتقد إيران أنه موجه ضدها.

لكن مصادر خاصة قالت لأورينت نت إن زيارة ولي العهد السعودي إلى أنقرة لم يكن على جدولها أي نقاش يتعلق بهذا المشروع، الذي أطلق عليه عاهل الأردن، الملك عبد الله الثاني، اسم "حلف ناتو عربي شرق أوسطي"، بل أتت في إطار التأكيد على تطبيع العلاقات السياسية بشكل كامل بين تركيا وبين المحور العربي الذي كان على خلاف شديد معها طيلة السنوات الماضية، وكدليل من الناحية الاقتصادية على تفاهم أمريكي مع هذا المحور من أجل استئناف الاستثمارات السعودية-الإماراتية في تركيا للتخفيف من الأعباء التي تعاني منها أنقرة على هذا الصعيد، وترى أنها يمكن أن تتضاعف في حال ردت روسيا على قرار أنقرة الموافقة على انضمام السويد وفنلندا لحلف الناتو، وهو ما حصل بالفعل.

لكن ومع ذلك فإن إيران، كما تقول هذه المصادر، تخشى من خطوة تركية مماثلة باتجاهها في حال فشلت المفاوضات غير المباشرة التي انطلقت بينها وبين الولايات المتحدة مؤخراً بخصوص برنامجها النووي، بواسطة الاتحاد الأوربي، وكذلك في حال لم تفضِ الوساطة العراقية بينها وبين المملكة العربية السعودية إلى شيء، لذلك فقد سارعت إلى اتخاذ ما يلزم من احتياطات، وعلى رأسها تعزيز العلاقات بينها وبين تركيا.

ذعر إيراني

إيران المذعورة لم يتوقف حراكها عند هذا الحد، بل عملت على توسيع مساحته، حيث تكشف المصادر عن توجيهها رسالة إلى الأردن من أجل طمأنة مخاوفه بعد تصعيد عمّان القوي ضدها بسبب نشاطات ميليشياتها في سوريا على صعيد تهريب المخدرات والأسلحة، كما لم تستبعد أن تكون قد حمّلت أمير قطر رسالة إيجابية إلى مصر، التي يجهد النظام الإيراني لفتح قنوات تواصل معها منذ أكثر من عامين.

ومقابل هذه الرسائل الإيجابية من إيران لخصومها في المنطقة وكذلك للولايات المتحدة، حيث ردت الأخيرة ببادرة حسن نية تمثلت بالموافقة على نقل شحنات من النفط الإيراني إلى سوريا، واصل نظام الملالي العمل على التلويح بما يمكن أن يكون لديه من أوراق ضغط، حيث طلب كما تقول المصادر، من حركة حماس الفلسطينية الإعلان عن عودة العلاقات بينها وبين نظام ميليشيا أسد في هذا التوقيت، كمؤشر على أنه يمكن أن يعيد ترميم محور "المقاومة" الذي يستطيع توظيفه ضد خصومه في حال فشلت الدبلوماسية التي عول عليها بشكل غير مسبوق هذه المرة.

مصلحة مشتركة

وحسب المحلل السياسي السوري "درويش خليفة" فإن لدى كل من الولايات المتحدة وإيران القدر نفسه من المصلحة في إنجاح الدبلوماسية من أجل طي كل الملفات المسببة للتوتر في المنطقة، بهدف التفريغ للمواجهة مع روسيا والصين.

ويقول في تصريح لـ"أورينت نت": واشنطن تريد عودة إيران إلى سوق النفط الدولي بما تمتلكه من طاقة إنتاج كبيرة لتعويض النقص الحاد الذي تسببت به العقوبات الغربية على روسيا، لذلك فهي تعمل على حل ملف البرنامج النووي بأفضل صيغة ممكنة بالنسبة لحلفائها في المنطقة وعلى رأسهم السعودية وإسرائيل، لذلك أوعزت إلى الأوربيين والقطريين بالعمل على فتح طاولة حوار معها، وهو ما تمهد له الدوحة حالياً.

وبالمقابل يضيف خليفة أن إيران لديها مصلحة كبيرة في التوصل لاتفاق جديد مع الغرب حول برنامجها النووي، بما يفضي إلى إنهاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، والتي أرهقتها بشدة إلى درجة لن نكون مبالغين معها لو قلنا إنها جعلت من النظام الإيراني على حافة الانهيار، لكن طهران تصطدم بحقيقة أن توقيع واشنطن على هذا الاتفاق مرهون بموافقة الرياض وتل أبيب، ولذلك فهي تسعى للاستفادة من علاقاتها بكل من قطر وتركيا والعراق من أجل اقناع هذين الطرفين بإبداء المرونة، مقابل تعهدات ستقدمها بخصوص الملفات الأخرى المرتبطة ببرنامجها النووي، مثل برنامج الصواريخ وأنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، ومستقبل وجودها العسكري في سوريا، ودعمها للحوثيين في اليمن.

ما الذي يمكن أن تقدمه تركيا لإيران ؟

ومقابل الفائدة الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن تجنيها تركيا في حال رفع العقوبات عن إيران، بل وحتى قبل أن يحدث ذلك، حيث تعتبر تركيا بوابة إيران على أوربا والغرب، ومقابل إبداء طهران دعمها لعملية عسكرية تركية جديدة ضد "قسد" في سوريا، يبرز السؤال الكبير حالياً حول الفوائد التي تنتظرها طهران من تركيا.

وهنا يرى "درويش خليفة" أن النظام الإيراني ينتظر من الحكومة التركية لعب دور الوسيط بينها وبين إسرائيل وإن كان بشكل غير معلن، خاصة مع اقتناع طهران بأن الإدارة الأمريكية لا يمكن أن توافق على إحياء الاتفاق النووي معها بدون موافقة تل أبيب، أما في سوريا، فإنه ومقابل إبدائها الاعتراف بالمصالح التركية، فإنها تنتظر على الأغلب موقفاً مشابهاً من أنقرة، أو على الأقل ضمان عدم انخراط الأخيرة في أي مشروع قد يستهدف المصالح الإيرانية في سوريا بحال لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل يعيد ترتيب كل الأوراق في المنطقة كما تخطط الولايات المتحدة حالياً وتأمل أن ينجز هذا الترتيب قبل وصول بايدن إلى الشرق الأوسط بعد ثلاثة أسابيع.

لكن الدكتور علاء السعيد المتخصص في الشأن الإيراني والخبير في المنتدى العربي لبحث وتحليل السياسات الإيرانية (أفايب) لا يتوقع نتائج كبيرة لهذا الحراك الإيراني، الذي يعتقد أن دافعه الرئيسي تخوف طهران الكبير من المساعي لتشكيل جبهة عربية ضدها.

ويقول في حديث لـ"أورينت نت": إيران لم تكف عن التحركات في أي وقت من الأوقات من أجل خدمة مشروعها التوسعي في المنطقة، حيث تأخذ هذه التحركات أشكالاً مختلفة تنسجم ومتطلبات كل مرحلة، وعلى الرغم من محاولة النظام في طهران إيجاد علاقات قوية مع تركيا، إلا أن تعارض المشروع التركي والفارسي ينتج عنه أحياناً خلافات كبيرة، ولكنهما يتقاربان أو ينسجمان في بعض الأحيان من أجل مصالح مشتركة، إلا أن الأمر يختلف هذه المرة كون العلاقات التركية والصهيونية قد زادت قوتها في الفترة الأخيرة، وكون تركيا محل استقطاب شديد هذه المرة، وخاصة من قبل جبهة المواجهة العربية الغربية التي تسعى لضم تركيا، خاصة في ظل حكم الديمقراطيين بأمريكا، الذين فشلوا في احتواء نظام إيران.

ويختم السعيد بالقول: أرى أن أي تحركات إيرانية في المنطقة ستبوء بالفشل في ظل اصطفاف عربي متماسك، وما يلوح في الأفق من محاولة تشكيل ناتو عربي كما ألمح الملك عبد الله عاهل الأردن، أما زيارة أمير قطر إلى القاهرة، فهي محاولة لرأب الصدع في العلاقات العربية العربية، بعد الضغوط التي تعرضت لها الدوحة من قبل دول الخليج ومصر بسبب مساندتها لبعض الجماعات وعلاقاتها المتميزة مع إيران، وأعتقد أن قطر قدمت بعض التنازلات من أجل المصالحة العربية، ومن أهمها خفض التعامل مع إيران والتخلص من بعض الالتزامات معها، وتلك فرصة بالنسبة لقطر من أجل الانخراط في الصف العربي والقرار العربي الموحد ضد إيران.

حراك دبلوماسي مكثف وغير مسبوق على الإطلاق تشهده منطقة الشرق الأوسط وتتسارع وتيرته بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة الماضية. من أجل إنجاز صفقات محددة وواضحة قبل أن تحط طائرة الرئيس الأمريكي فيها منتصف الشهر المقبل، وهي صفقات ينتظر أن تغير وجه الشرق الأوسط كما يقول المراقبون، أو تدفع المنطقة برمتها نحو انفجار واسع في حال لم يتم إنجاز هذه الصفقات.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة