من مطار دمشق إلى ميناءي اللاذقية وطرطوس.. لماذا تتجرأ إسرائيل إلى هذا الحد؟

ماجد عزام 2022-06-27 09:48:25

قصف إسرائيلي على سوريا
قصف إسرائيلي على سوريا

قصفت وللدقة دمرت إسرائيل مطلع حزيران/ يونيو الجاري ولأول مرة المدرج المدني وصالة الركاب وبرج المراقبة لمطار دمشق، ما أخرجه عملياً من الخدمة لأسابيع. القصف غير المسبوق بدا لافتاً جداً خاصة أنه جاء بعد قصف المدرج العسكري للمطار نفسه قبل فترة وإخراجه من الخدمة مع تهديد صريح ومباشر - عبر صحيفة يديعوت أحرونوت لخبيرة الشؤون العربية سمدار بيري - بقصف ميناءي اللاذقية وطرطوس، أيضاً إذا ما توفرت نفس الأسباب التي أدت إلى قصف مطار دمشق بمدرجيه العسكري والمدني.

يعتبر وجود مدرج عسكري لمطار مدني، ناهيك عن استخدام المدني نفسه لغايات عسكرية أمر غير مسبوق إلا في جمهوريات وسلطات الموز الاستبدادية، علماً أن المدرجين خاضعين للسيطرة الإيرانية بمشيئة نظام الأسد "أو رغماً عنه" حتى مع خسائره المعنوية والسياسية والإعلامية والاقتصادية الأخرى من تدمير المطار وإخراجه من الخدمة لأيام بل لأسابيع طويلة.

أما في أسباب قصف المدرج المدني بعد العسكري فتمثل بسعي إيران إلى استخدام المطار لنقل المعدات والتقنيات العسكرية، وتحديداً تلك المتعلقة بتطوير الصواريخ الدقيقة إلى معسكرات تسيطر عليها فعلاً في دمشق حتى لو بدت خاضعة ولو شكلاً للنظام، إضافة لنقل البعض منها إلى ذراعها الإقليمية المركزية المتمثلة بحزب الله في لبنان.

وسائل الإعلام العبرية زعمت كذلك أن تل أبيب دمرت أولاً المدرج العسكري وأخرجته من الخدمة، إلا أن الرسالة لم تفهم جيداً فلجأت إيران إلى استخدام المطار المدني ورحلات الطيران المدنية وحقائب المسافرين لنقل التقنيات العسكرية إلى مستودعاتها في سوريا وذراعها في لبنان.

إيران لجأت إلى استخدام المسار الجوي المدني لمطار دمشق لغايات عسكرية عبر مدرج عسكري قبل أن تستخدم المدني أيضاً بعد توقف المسار البري لتهريب الأسلحة الذي كان يمر عبر العراق بسبب تبدل الأجواء في البلد وانتفاضة الناس ضد الاحتلال الإيراني وخسارة حلفائه وأذرعه الانتخابات، كما الضربات المتتالية ضد الخط نفسه من قبل إسرائيل وحتى الولايات المتحدة في بعض الأحيان.

بعد إخراج المسار البري عن العمل جربت إيران المسار البحري أيضاً لتهريب المعدات والمستلزمات العسكرية وكان الفشل نصيبها، حيث قصفت إسرائيل مستودعات تابعة لها في ميناء اللاذقية – مرتين خلال كانون أول ديسمبر الماضي-مع التهديد أيضاً بقصف الأرصفة وإخراج الميناء نفسه من الخدمة بكل ما يمثل للنظام. وهنا تدخل الاحتلال الروسي لتحجيم الوجود الإيراني في الميناء القريب، أيضاً من قاعدة حميميم، علماً أن قصف تلك المستودعات ما كان ليتم أصلاً لولا ضوء أخضر أو برتقالي بالحد الأدنى من قبل روسيا. مع الانتباه إلى أن قصف المطار جاء أيضاً بعد إبلاغ تل أبيب لموسكو بالغارة عبر قناة التنسيق والخط الأمني الساخن المفتوح بين رئاسة الأركان الإسرائيلية وقاعدة الجيش الروسي في حميميم.

هذا الهوس الإيراني بنقل السلاح رغم تلقي الضربات الإسرائيلية خلال السنوات الماضية عبر آلاف الغارات والهجمات التي أوقعت مئات القتلى وآلاف المصابين وخسائر بمليارات الدولارات في صفوف إيران وميليشياتها، وحتى نظام الأسد الذي تحتل إيران قواعده ومعسكراته فيعود إلى عدة أسباب.

الانتقادات الموجهة لقاسم قآاني بحجة عجزه عن ملء فراغ قاسم سليماني، علماً أن الانتقادات تطال قادة آخرين بعد الصفعات والضربات الإسرائيلية المتتالية في سوريا وحتى في إيران نفسها. واستغلال انشغال روسيا بغزوها لأوكرانيا واستنزافها هناك، والشروع إعادة انتشار لقواتها وتخفيف وجودها العسكري في سوريا رغم أنها لا تزال القوة الكبرى القائمة بالاحتلال في مناطق سيطرة النظام. وتعثر المفاوضات الإيرانية النووية والاستعداد لاحتمال الصدام العسكري الواسع مع إسرائيل، والتفكير في استخدام سوريا ولبنان كساحات للرد رغم هروب إيران المنهجي من الصدام وتحملها لكل الضربات في سوريا والعراق ولبنان وحتى في إيران نفسها 

مقابل ما سبق يبدو النظام فاقد الحيلة وعاجز حتى عن قول لا لإيران رغم الأضرار التي تناله كونه ببساطة فاقد السيادة والسلطة، ويعي تماماً أنه مدين ببقائه للغزاة والقوى الأجنبية، وأن تقليص الاحتلال الروسي يجعله بحاجة أكثر للاحتلال الإيراني حتى لو تعرض لضربات إسرائيلية بعد انتشار إيران في معسكراته أو منشآته بما فيها المطار بموافقته أو رغماً عنه.

لا بد من التذكير أن قصف المطار لا ينفي حقيقة أن إسرائيل لا تزال ملتزمة بالتفاهمات مع روسيا وتستهدف إيران فقط لا النظام، حتى لو تواجدت هذه أو استغلت معسكرات النظام لتموضعها غير المسموح به من قبل تل أبيب والعواصم الأخرى في موسكو وواشنطن أيضاً.

أما ردّ الفعل الروسي على تدمير مطار دمشق وإخراجه من الخدمة فدعائي أساساً ومتعلق بتداعيات غزوها لأوكرانيا والموقف الإسرائيلي منه، خاصة بعد سفر متطوعين كثر للقتال وتقديم أوكرانيا طلب الحصول على قرض بنصف مليار دولار وحتى إرسال إسرائيل معدات عسكرية حتى لو غير فتاكة إلى كييف.

من جهتها تكتفى إيران كما العادة بالخطاب الدعائي وعندما فكرت بالرد على الصفعات الإسرائيلية المتتالية بما فيها قصف المطار واغتيالات ضباط حرسها سعت لفعل ذلك من تركيا المدنية والديموقراطية المنفتحة على نفسها ومحيطها وحتى من غزة المحاصرة والمدمرة والتي خاضت أربع حروب في أقل من عشر سنوات دون أي تتحرك إيران وأذرعها للمساعدة.

وفيما يخص التهديد بقصف ميناءي اللاذقية وطرطوس فيبدو لافتاً أيضاً وجدّياً جداً طبعاً، خاصة مع تسريبه عبر الصحفية سمدار بيري، وهي خبيرة الشؤون العربية حسنة الاطلاع ووثيقة الصلة كما يقال ويتطابق أصلا ًمع الذهنية الإيرانية المكابرة التي تهرب بمنهجية إلى الأمام، ولا تكترث للخسائر البشرية والمادية رغم اقتصادها المنهار والاضطرابات الاجتماعية في بلد غني بثرواته وقدرات شعبه أو المفترض أنه كذلك.

قصف ميناء اللاذقية تحديداً في حال حدوثه سيؤدي إلى خسارة النظام مسار تهريب المخدرات المهم جداً والمركزي بالنسبة له كما بإحراج كبير لروسيا وقاعدة حميميم، وهذا سيؤدي غالباً إلى منع إيران من استغلاله أو بناء رصيف عسكري خاص بها، واستغلاله لتهريب الأسلحة والمعدات العسكرية.

لا شك أيضاً في حقيقة أننا أمام اختراق أمني كبير من قبل إسرائيل في سوريا مع معرفة شحنات السلاح ومسارات التهريب وتقديم صور لتلك الشحنات والمدرج قبل القصف وبعده. علماً أن الاختراق الإسرائيلي لا يقتصر على سوريا، ويتوغل عميقاً في إيران نفسها مع اغتيالات لا تتوقف لضباط ومسؤولين في الحرس ووحداته المختلفة، ومؤسسات ومراكز البحث العلمية النووية والصاروخية.

في الأخير، لا بد من الإشارة إلى معطى مهم جداً مفاده أننا لسنا أمام ولا نتحدث أبداً عن حرب إسرائيلية إيرانية كونها في الحقيقة حرباً من طرف واحد، ورغم الحملات الدعائية لإيران وحلفائها ولأبواقها للتغطية على العجز عن الرد وفي نفس الفترة التي تم فيها تدمير مطار دمشق ووقف العمل به حدثت اغتيالات لسبعة مسؤولين وضباط في الحرس، بينما زعم أحد المسؤولين الإيرانيين الكبار أنهم بانتظار خطأ فقط لمحو إسرائيل من الوجود.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات