سياسة اليسار غير متساوية الأبعاد تجاه الأنظمة الديكتاتورية

أورينت نت - د. علي حافظ 2022-06-23 10:06:21

صورة تعبيرية

لا أعرف سبب تأييد عدد كبير من الشيوعيين والاشتراكيين واليساريين للأنظمة القمعية الديكتاتورية ـ مثل الأسد في سوريا أو بوتين في روسيا أو لوكاشينكو في بيلاروسيا أو مادورا في فنزويلا أو بقايا الكاستروية في كوبا ـ رغم أن هذه الأنظمة فاشية ومافيوية بكل معنى الكلمة؛ وليس لها علاقة بالاشتراكية أو الشيوعية لا من قريب ولا من بعيد؟ 

لا أعرف ماذا زرع لينين وتروتسكي وستالين وماوتسي تونغ في عقولهم حتى يفكرون بهذه الطريقة البلهاء العقيمة؟ كم عاماً يحكم كل من بوتين ولوكاشينكو والأسد وغيرهم؟ لماذا يهرب الناس من تلك البلدان باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأوروبا وأوستراليا؟ لماذا عندما يمرض أحد قادات تلك الدول يسافر إلى الغرب ليعالج في مشافيه؟ لماذا عندما يرغب أحدهم بتدريس ابنه في الجامعة يرسله للدراسة في جامعات الغرب؟ لم لا يبحثون سوى عن اقتناء السيارات الغربية ويوصون شركاتها بنسخ مميزة وفريدة؟...

يحاول اليسار بكل أطيافه الحزبية والتنظيمية أو من خلال أفراد محسوبين عليه، الدفاع دائماً عن سياسات الأنظمة الحاكمة في روسيا والصين وبيلاروسيا وفنزويلا وكوبا وإيران وسوريا؛ باعتبارها "أنظمة وطنية تقدمية" تقف في وجه الإمبريالية المتوحشة المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية و"حلف الناتو" وبعض الدول الأخرى التي تدور في فلك سياستهم، وليست أنظمة استبدادية قمعية دموية هدفها الوحيد البقاء في السلطة وتكريس حكمها الأبدي بأي شكل من الأشكال... 

في الأزمة المتفاقمة بين روسيا وأوكرانيا مثلاً، والتي أدت إلى شن روسيا حرباً مدمرة ضد جارتها، سوّقوا لفكرة أن روسيا لم ترغب بالحرب؛ لأنها عرفت جيداً ما تعنيه بعد مقتل 27 مليوناً من مواطني الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية؛ وأنها فُرضت عليها من قبل النازيين والقوميين الأوكرانيين. وبالتالي، لا ينظرون هنا إلى النصف الفارغ من الكأس فحسب؛ بل إنهم لا ينظرون إلى الكأس بتاتاً؛ وكأن الأوكرانيين وغيرهم من شعوب الاتحاد السوفييتي السابق لم يحاربوا ويقتلوا أثناء تلك الحرب، ولم يعانوا من الجوع والحرمان والتشرد حينها مثلما عانى الجميع، وربما أكثر؟!   

أجل، ربما لا يريد الشعب الروسي الحرب ولا الشعوب الأخرى؛ لكن دعونا نفكر فيما يريده بوتين من الروس وغيرهم، ولا نغطي أعيننا بنظارات وردية. يريد بوتين وغيره من زعماء الديكتاتورية في العالم أن يبرهنوا لشعوبهم بأن كل الشرور والآثام مصدرها الغرب - أمريكا وأوروبا – فهو، مثلاً، المسبب لذوبان الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي يقف وراء تدمير المناخ في العالم أجمع الذي سيكون له عواقب الوخيمة على مستقبل الطبيعة والبشر. فالناتو، برأيهم، ينظر إلى المواد الخام التي يمكن استخراجها في المستقبل نتيجة ذوبان الجليد هناك ويحاول الحصول عليها بنفسه؛ بينما روسيا وغيرها هم ملائكة رحمة وليس لهم أي ادعاءات بشأن ذلك!

إن التفاقم الاقتصادي والسياسي والأيديولوجي والعسكري الذي يهدد البشرية لا يرجع أساساً إلى حقيقة أن الإمبريالية الأمريكية المتراجعة تريد وقف انحدارها تحت كل الظروف. ونتيجة لذلك، تم إعلان الصين الصاعدة كتحدٍ إستراتيجي وعدو رئيسي، دون أن ننسى بالطبع حليفتها الفعلية روسيا أيضاً. الآن مثل هذه الظروف الصعبة موجودة في جميع أنحاء العالم، وروسيا والصين وفنزويلا وكوبا ليست جنات على الأرض أيضاً يطمح الناس في كل بلدان العالم للهجرة إليها والعيش ضمن ربوعها. هناك أنظمة استبدادية ذات تاريخ أسود تحكم فيها وتنتهك حقوق الإنسان وتلاحق المعارضين بكل أشكالهم وتسجنهم بحجة "العمالة للغرب". وهنا يجب تذكير اليساريين بما قاله ماركس/هم عندما كان شاباً في مقدمة كتابه "حول نقد فلسفة الحق عند هيغل"، كي يعملوا بوصيته التي تنص: "على قلب جميع الظروف التي يكون فيها الإنسان كائناً مهيناً ومستعبداً ومهجوراً ومحتقراً..."؛ ليس في الغرب فحسب، وإنما في جميع أنحاء العالم، لأن هذه الحتمية القطعية تتطلب وعياً أخلاقياً غير مشروط. وبالتالي إذا أرادوا أن ينتقدوا أو يوجهوا التهم، فسيتعيّن عليهم أن يشرعوا في جلد أنفسهم بداية، ويعترفوا بـ "الكولاغات" التي أقامتها أنظمتم الديكتاتورية داخل بلادها وخارجها، بداية من الأب الروحي للاستبداد اليساري يوسف ستالين.

يجب الدفاع عن الناس بغض النظر عن أشكالهم وألوانهم وأديانهم وجنسياتهم، وقضية الدفاع عن حقوق الإنسان ليست وجهة نظر برجوازية عالمية خالصة، بل هي تعبير عن هوية إنسانية جمعاء؛ ومنصوص عليها في جميع الأديان والمعتقدات... 

إن "الأممية اليسارية"، إذا كانت موجودة، تتطلب إدانة كل شيء ينتمي إلى أشكال الظلم والقهر والاستبداد والتنكيل، بغض النظر عن الحالة الموضوعية التي تعيشها كل دولة. فمثلاً لا يمكن شجب ما قامت به ألمانيا الهتلرية من جرائم فقط، وإنما شجب كل من ارتكب جريمة أثناء تلك الحرب والحروب اللاحقة.. لا يمكن وصف قصف الفاشيين الألمان لغيرهم بالهمجية فحسب، ولكن أيضاً وصف قصف المدن الألمانية من قبل الحلفاء والروس بهذه التسمية أيضاً... لا يمكن اعتبار بشار الأسد علمانياً ويدافع عن دولته ضد الإسلاميين والتكفريين وعدم شجب اعتقاله وتعذيبه للناس وقصفه للمدن والقرى بكل ما لديه من أسلحة وذخيرة روسية وبيلاروسية والعمل على إيقافها بأية طريقة ممكنة...

انتصار الاتحاد السوفييتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية ليس انتصاراً لروسيا وحدها، أو حكراً للروس وحدهم، بل هو انتصار لجميع شعوب الاتحاد السوفييتي وأوروبا وأمريكا أيضاً... يجب الوقوف ضد عدوانية روسيا في الشيشان وجورجيا وسوريا وأوكرانيا، حيث تم تدمير كل شيء بشكل دموي وهمجي لم يسبق له مثيل؛ بحيث لا يمكن مقارنة كل هذا بعدوانيات أخرى... أضف إلى أنه من أجل بقاء جبروت روسيا مهيمناً في محيطها الإقليمي أخمدت انتفاضة الكازخيين ضد جلاديهم المحليين، لأن ذلك البلد يمثل خاصرة روسيا الضعيفة في آسيا الوسطى!

الأمر لا يتعلق بتوسع الناتو نحو الشرق، وإنما بتوسع روسيا نحو الغرب والجنوب أيضاً، والصين نحو تايوان، وإيران نحو المتوسط.. كل هؤلاء يقومون بتوسيع ترسانتهم العسكرية، ويتعاونون عسكرياً، ويرتكبون كل أنواع الجرائم بحق شعوبهم والشعوب المجاورة والقريبة.. 

الأمر لا يتعلق بالصين كقوة اقتصادية كبيرة للغاية لا يمكن تجاهلها أبداً، وإنما بالعديد من انتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما في هونغ كونغ ومناطق المسلمين الإيغور.. 

الأمر لا يتعلق بوجود بؤس في أمريكا وأوروبا فحسب، أو في أمريكا اللاتينية - الفناء الخلفي لأمريكا، أو في أوروبا الشرقية - على أبواب أوروبا؛ بل في روسيا؛ إذ يكفي أن تخرج من موسكو أو سانت بطرسبورغ لعدة كيلومترات حتى ترى البؤس بكل صوره!

الأمر لا يتعلق بالسيادة أو المؤامرة الخارجية يا "رفاق" الأمس؛ بل بالشعوب الراغبة بالتحرر والعيش بكرامة كما أثبت التاريخ والواقع... يجب على اليسار أن يتوقف عن العبثية ولوم الإمبريالية الغربية - أمريكا وأوروبا - باعتبارها التهديد الخطير الوحيد للسلام العالمي؛ وعدم إسناد المسؤولية عن الوضع العالمي الخطير إلى روسيا والصين وإيران أيضاً. 

في النهاية لا يسعني سوى أن أسأل: هل اليسار قادر على قلب كل هذه الظروف على نطاق عالمي؟ 

وبنفس الوقت أجيب: لا، طبعاً! 

لا يبدو أن اليساريين يفهمون الموقف الذي تجد فيه البشرية نفسها. إنها مسألة حياة أو موت، أكون أو لا أكون، وهناك مسؤولون كثر عن هذا الوضع الذي تحاول فيه كل وسائل إعلامهم التستر عليه. يجب على اليسار جعل سياسته متساوية الأبعاد؛ فما دام هناك أنظمة متوحشة وقاتلة ومعيقة لتحرر الإنسان، فلابد أن تحدث مثل هذه الانتفاضات والثورات الشعبية العارمة فيها حتى تقتلعها.. هذا أمر طبيعي يجب مباركته وتأييده من قبل اليسار حتى يسترجع إنسانيته المزورة، ونوع من بريقه الذي غار مع آخر شمس لتسعينيات القرن الماضي...

 

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات