الإنسان السوري بين مناهج التعليم الأسدية والراديكالية والانفصالية

أورينت نت - نبيل أدهم المحمّد 2022-06-17 10:05:30

صورة تعبيرية

عندما نريد معرفة درجة تقدّم الشعوب والدول فيمكن أن نستدل على ذلك بنسبة تعلّم أفراد تلك الدول ونوعيّة التعليم، وانطلاقاً من هذا المعيار تعمل الكثير من الدول الآن على وضع الخطط والمنهجيات المناسبة بعد أن توفّر البنية التحتيّة للتعليم، كل ذلك لأن التعليم ببساطة يعتبر من أولويّات الدول وأهدافها الاستراتيجيّة والعنصر الرئيس الّذي يكون حاملاً لغيره من الأهداف والأسس، ولأنّ المعادلة بين التقدّم والتعلّم مترابطة بشكل وثيق، فهذا ما دفع الأمم السابقة، والّتي دخلت في دوّامةٍ من الحروب والكوارث إلى اعتماده كأولويّة لإنشاء جيل يستطيع أن يدفع بالدولة قُدُماً إلى درجاتٍ متقدّمة، ومن أولى هذه التجارب هي ألمانيا، تلك الدولة الّتي تحمل في تاريخها تجربة عظيمة ولا تشبه في ذلك سوى أسطورة الشرق "طائر الفينيق" الّذي ينبعث من رماده.

سوريا المستنيرة

بعد خروج العثمانيين من سوريا وذلك بداية القرن العشرين، ظهرت في سوريا ملامح نهضة علميّة تحمل في جزئياتها الأمل والتقدّم، في تلك المرحلة الّتي بدأت غالبيّة الشعوب تغيّر من شخصيّتها وتسعى للمضيّ قدماً، كانت جامعة دمشق حديثة العهد فتيّة منطلقة بروحها، ولم يمضِ وقت طويل حتّى أنتجت فئة من المتعلّمين والكفاءات في كافة المجالات، وراحت تنهل من منابع العلم العالميّة لتَرفع من مستواها، وتحتكّ بأهم الجامعات الفرنسيّة لتجاريها نوعاً ما، كل ذلك وقد خرج التعليم السوريّ من عباءة "الكُتّاب" الّتي غطّت الملمح السوري لقرون، وفي الفترة الممتدّة بين عشرينيّات وستّينيّات القرن الماضي شهد التعليم السوري نهضة يُعوّل عليها وكلّ ذلك كان تحت مُناخٍ من الحريّات والتعدّديّة والأمل، رغم ضعف البنية التحتيّة، أنتجت تلك المرحلة أعلام سوريا في الأدب والفن والثقافة والعلم والفلسفة والتأريخ والصناعة والترجمة، هؤلاء الّذين ما نزال اليوم نتغنّى بأسمائهم ومورُوثهم، والأمر لا يحتاج إلى استدلال ومراجع فهو زمن قريب ليس ببعيد.

في مرحلة ما بَعد سبعينيّات القرن الماضي استمرّت كثير من الدول الّتي كنّا وإيّاها في صفٍّ واحد في التقدّم، أمّا سوريا فقد دخلت بعدئذٍ في مرحلة الجمود الفكري والانحسار الثقافي، مرحلة أشبه ما تكون بالتقزّم العقلي، وعلى كافّة الأصعدة، رغم مقولة "المعلّمون هم بناة حقيقيّون….إلخ" كان المعلمون مهمشون ومهانون يعانون ضيق الحال المادي من النظام وقلة التقدير المعنوي أيضاً.

الثقافة الفوضويّة

من المعروف عند مراجعة الثورات العظيمة في التاريخ هو مواكبة الفلاسفة والمنظّرين والملهمِين لأيّ ثورة، فمثلاً في القرن الثامن عشر ظهر الكثير من المفكرين الفرنسيين الذين ألهموا الثورة الفرنسية في بداياتها وما بعد ذلك، ومنهم "فرانسوا ماري أرويه" المعروف باسم فولتير، و جان جاك روسو، ومونتسكيو، ودنيس ديدرو… وقد شجعت أفكارهم الثورية الجماهير الفرنسية على "القتال" من أجل حقوقهم، كاشفين عن عدم كفاءة الملك وحكومته، وأثار هؤلاء الفلاسفة وغيرهم الشعب لتحدي السلطة عبر كتاباتهم، وهاجم فولتير الكنيسة الكاثوليكية وآمن أن "مصير الإنسان بين يديه وليس في الجنة". وشجعت أفكاره الناس على القتال ضد امتيازات وهيمنة الكنيسة، واعتبر الفيلسوف الفرنسي رمزاً لعهد التنوير، وذاعت شهرته بسبب سخريته الفلسفية الظريفة ودفاعه عن الحريات المدنية وخاصة حرية المعتقد، وتركت أعماله وأفكاره بصمتها الواضحة على مفكرين مهمين تنتمي أفكارهم إلى الثورتين الأمريكية والفرنسية. 

أمّا في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية والدمار الكبير فقد كان هناك أسماء لامعة مثل "هابرماس" الّذي بشّرَ بفكرة "المجتمع الحديث" ذلك الذي لا يقوم على الانتماء القبلي أو المذهبي والعرقي.. بل يقوم معيار الحكم فيه على الأشخاص بموجب مضمون الخطاب وليس "الانتماء".

أمّا في سوريا، فبعد انتهاء العقد الأوّل من هذا القرن دخل العلم والتعليم مرحلة أُخرى هي وليدة المرحلة السابقة "ما بعد السبعينيّات، وابنتها الشرعيّة، لكن هذا الدخول هو ملازم لمرحلة الثورة السوريّة، الّتي ما كان ينقصها ولا ينقصها إلى الآن سوى المنظِّرين والعقلانيّين البعيدين عن التهويمات والعبثيّة والّتي انتهجها الكثيرون، تلك العبثيّة الّتي باستطاعتها إزالة أكبر أمّة من الوجود، فبينما قطعت الأمم في العقد الماضي شوطاً طويلاً في العلم والتطوّر والنظريّات الفلسفيّة، لا يزال المجتمع السوري بكلّ تقسيماته يتسكّع خارج مسار العقل والمعقول.

مناهج تعليمية ثلاثة 

بنظرةٍ مبسّطة وبالعين المجرّدة على التعليم السوري فنجده متشابهاً إلى حدٍّ بعيد:

التعليم الخاضع للعقليّة الأسديّة: بكلّ ما فيه من تحجّر وضعف وانحدار وتخلّف عن قافلة العالم الكبرى، نجده قد توقّف عند نقطةٍ زمنيّة تقع في منتصف القرن الماضي، بمنَاهجه التعليميّة وطرق التدريس والكوادر والمؤسسات وحتّى "اللون الأصفر للمدارس" وكلمات الشعار، يتخلّله الفساد المستشري بكلّ مفصل فيه، ناهيك عن عدم كفاءة القائمين عليه، لا يزال يُدرّس القوميّة الّتي تجاوزها الكوكب منذ زمن بعيد، لا ينتج سوى أعداد من حملة الشهادات الّتي لا قيمة لها في ميزان التعليم العالمي، وقد أخرج كل هذا جامعات كدمشق الّتي كانت الأولى عربياً بعد الجامعة الأمريكيّة في القاهرة، أخرجها من التصنيف العالمي.

التعليم الخاضع للعقليّة الانفصاليّة: ذاك الّذي ينتهج منهجاً غريباً من فرض اللغة الكورديّة إلى تكريس ثقافة "الأنا والهو" والتحزّبات المجنونة القائمة على السلاح والأرض والتراب والشجرة والانتماء والوجود والأساطير التي هي مزيج من الأساطير الشرقيّة بكلّ تجلياتها، دون أدنى اهتمام بالإنسان بغضّ النظر عن هويّته وانتمائِه ولونه ولغته، وعلى هذا فلا أحد يستطيع تخيّل حال تلك الدولة الّتي ستقوم على هذه الثقافة حينما يستقلّون بوطنهم المنشود!!!

التعليم الخاضع للعقليّة الراديكاليّة: هذا النمط المبنيّ على مؤسّساتٍ تكون فيها السلطة لرجل الدين، دون النظر إلى كفاءته وقدرته على الإدارة، مؤسسات هي أشبه ما تكون بمجمّع كبيرٍ "للكتاتيب" لا ترسّخ سوى الخضوع والابتعاد عن إعمال العقل، والتخدير بفكرة ما! لم تستطع أن تضع نقطةَ انطلاقٍ نحو هدف استراتيجي سوى بقاء السلطة لأمراء الحرب وخنوع الشعب تحت إدارتهم.

التعليم الخاضع للعقليّة التركيّة: هنا يجدر بنا الإشارة إلى أنّه مزيج من العناصر التعليميّة، فمع فرض تعلّم اللغات التركيّة الّتي هي ليست ضمن اللغات العالميّة ولا اللغات العلميّة، إلى فرض تعلّم اللغة الكردية، إلى فرض التربية الدينيّة، فضلاً عن الكتاتيب المنتشرة في كلّ قرية أو حارة، فضلاً على كفاءة المعلّمين الّتي لا ترتقي لمستوى متوسّط، محاولين من خلال كلّ هذا إنشاء مجتمع لا يتمتّع بخصوصيّة معيّنة ولا حتّى هويّة.

الأدلجة والفشل

إن الفرق بين "سوريا المستنير والثقافة الفوضويّة" هو ذات الفرق بين "الفلاسفة والتعليم المؤدلج الّذين أنتجَتهما الثورات" ففي سوريا المستنيرة رغم كلّ التخبّط السياسي والنزاعات العسكريّة كان التعليمُ مستقّلاً بنفسه بعيداً عن تلك التجاذبات، بل له اليد العليا على سواه من المؤسسات، وهذه النقطة الرئيسة الّتي جعلت تلك المرحلة تحمل خصوصيّة معيّنة، وكذلك الفلاسفة والمنظّرون للثورات هم من دفعوا بتلك الثورات إلى الوصول للهدف المنشود حتّى لو تأخّر. فَالتنظير القائم على "اللاثقافة" وفتح مجال لغير القادرين على التفكير المنطقي والمنهجي للتعبير عن أفكارهم وجعلها هي الأفكار السائدة، هو ما يخنق الصوت العقلاني ويودي به في قعرِ الجحيم مع المجتمع والدولة والمستقبل تلازماً… 

فالتعليم من أجل العلم هو ما يخلق الإنسان العاقل، لا التَعليم من أجل أيديولوجيا معيّنة، فهذه تخلق إنساناً سيعمل من أجل تلك الفكرة فقط ويناضل من أجل استمراريّتها، وإن أنذر هذا بشيء فسيُنذر "باستمراريّة الصراع الأيديولوجي السيزيفي إلى زمن لا تلوح في الأفق له نهاية" ناهيك عن ثقافة الرداءة الّتي لازمت الانفتاح الّذي جاء بعد بداية الثورة، تلك الثقافة القائمة على "الّلاقراءة، الّلاعلم، الّلاتفكير، اللاثقافة" فقط الاعتماد على المنتج الثقافي المحلّي، ذاك الّذي يعجز عن خلقِ عقلٍ أفضل….

فما تحتاجه أمتنا هو التخطيط الفكري قبل التخطيط الاقتصادي، إلى الفلسفة قبل الصحافة، وإلى الحداثة قبل السياسة، وإلى القراءة قبل الكتابة، وإلى الصمت قبل الكلام، وإلى الإيمان قبل السلوك، وإلى الانتماء قبل الولاءات المملّة….

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة