في ذكرى انشقاق حسين هرموش: لماذا توقف الضباط الأحرار عن القتال؟

د.موفق السباعي 2022-06-13 09:18:35

مؤسس الجيش الحر "حسين الهرموش"

بعد أشهر قليلة من انطلاق الثورة المباركة في سوريا، وبعد تَغوُّلِ الميليشيات الأسدية في سفك دماء المتظاهرين، وبعد استفحال الإجرام الأسدي، والقتل العشوائي للأحرار، بدون شفقة ولا رحمة، وهدر دماء الأبرياء بكل عنجهية وغطرسة وبكل حقد دفين، ضد كل من يتجرأ في الاعتراض على الحكم الطاغوتي، الديكتاتوري، الاستبدادي. وبعد جريان دماء الثوار أنهاراً وبحاراً، وبعد اشتداد الغضب في معظم فئات الشعب، وانتقال الثورة إلى معظم المحافظات، ومع إصرار وتصميم من الثوار على التظاهر أسبوعياً، دون خوف ولا وجل من رصاص جنود الأسد المتوحشين، المرعوبين، المتخوفين من اشتداد الثورة، وانتشارها في كل المدن.. وبعد كل هذه المشاهد المريعة للدماء الطاهرة الزكية، وهي تنزف من الضحايا البريئة، التي أخذت تتساقط على الأرض، كما تتساقط الثمار اليانعة الناضجة من الأشجار المثمرة..

نخوة الانشقاقات الأولى

أخذت تدب النخوةُ والشهامةُ والرجولةُ في نفوس الضباط النشامى وتستصرخ ضمائرهم الحية، وتقول لهم: ألا تستنصرون لإخوانكم المستضعفين؟! ألا تدافعون عن حرمات المتظاهرين السلميين؟! ألا تقفون إلى جانبهم؟! ألا تؤيدون ثورتهم ضد هذا الحاكم الظالم المستبد؟! 

فدبت الحميَّةُ والمروءةُ والغيرةُ في قلوب أولئك الضباط الأصلاء الأحرار الأشاوس.. وانشقوا عن الجيش الأسدي، وكان المقدم حسين الهرموش أول ضابط يعلن انشقاقه في التاسع من حزيران/ يونيو قبل أحد عشر عاماً..  تبعه العقيد رياض الأسعد في الرابع من تموز/ يوليو من العام نفسه..  ثم كان انشقاق آخرين كثر أسس معهم العقيد الأسعد الجيش الحر وأدار عمليات ومعارك..  قبل أن ينحسر هذا المد، ثم انطلقوا ميممين وجوههم شطر الشمال، فوجدوا مخيماً جاهزاً لاستقبالهم، أطلق عليه اسم مخيم الضباط..

وأقام هؤلاء الضباط مع عوائلهم ونسائهم وأطفالهم في هذا المخيم، وبعضهم ترك المخيم، وتوغل في داخل البلاد، وأخذ يعمل في مجالات عديدة ؛ لكسب الرزق ولإطعام من يعولون ..

ومضت حتى الآن قرابة إحدى عشرة سنة على هذه الحال، ليس لهم من عمل إلا أن يأكلوا ويشربوا ويناموا ويتناكحوا – سواءً الذين في داخل المخيم، أو في خارجه - مع أنهم حينما انشقوا من الجيش أو الشرطة أو أية مؤسسة من مؤسسات النظام.. نشروا فيديوهات عديدة؛ يعلنون فيها خروجهم وانشقاقهم عن النظام وانضمامهم للثورة، ويقسمون، ويعاهدون الله.. أنهم سيكونون نصيراً للمظلومين، وسيقفون إلى جانب الثوار، ويدافعون عنهم، ويكونون هم الطليعة لإسقاط النظام، وتحرير سوريا من الأوغاد الذين سيطروا على الحكم بقوة السلاح. .

لماذا يقعد الضباط عن القتال؟

يتساءل كثيرٌ من الأحرار - دائماً وفي كل وقت وفي كل حين - لماذا انشق الضباط ؟! 

أيليق بهؤلاء الضباط النشامى، الغيارى، الأصلاء..  أن يقعدوا، ويلتصقوا بالأرض – سواءً في المخيم، أو في خارجه – يتفرجون على النفوس البريئة التي كانت تتساقط ؛ بفعل البراميل المتفجرة، ولا تزال تتساقط حتى هذه اللحظة – سواءً بالصواريخ المنطلقة من الطائرات الروسية، أو الأسدية، أو بالمدافع، أو بأي وسيلة حربية أخرى –؟! 

أيليق بهم! وهم الرجالُ الشجعانُ، الأبطالُ، والذين لديهم خبرة عسكرية طويلة، ودراسة معمقة في فنون القتال، وفي التخطيط للمعارك الحربية، والذين كانت لهم هيبة، وصولة، وجولة، ومهابة لدى العساكر.. بحيث أن صوتاً واحداً منهم، كان يزلزل أركان العساكر؛ فيجعلهم يتراكضون لطاعتهم، وتنفيذ أوامرهم..

أيليق بهؤلاء الضباط - ذوي الرتب العالية، والتي بعضها يصل إلى رتبة لواء، أن يخونوا عهودهم وأماناتهم التي قطعوها على أنفسهم – والله شاهد على ذلك – بأن يعملوا بكل طاقتهم لإسقاط النظام الأسدي – أن يقعدوا، ويتركوا العمال والفلاحين ورعاة الأغنام والأبقار، يحملون السلاح – وهم الجهلاء، والأغبياء في المجال العسكري – ويشكلون الكتائب والفرق العسكرية؟!.. 

أيليق بمكانتهم الرفيعة ورتبهم العالية، أن يتركوا هذا الغلام المجهول النسب والأصل والأمي في مجال القيادة ومجال العسكرة والإدارة، والذي لا يزال يحبو على سفح الثورة، أن يسيطر على إدلب، ويتحكم في رقاب ثلاثة ملايين نفس - من ذكر وأنثى -؟!

لماذا؟! وهم النخب العسكرية السامقة العالية، يتركون المجال العسكري - من تخطيط ، وإدارة، وعمل في الميدان - للأطفال والجهلاء والأميين ويخلدون إلى الراحة، وإلى الالتصاق بالتراب؟! 

ما هو عذرهم عند الله، وعند الناس في قعودهم؟!

ألم يقرؤوا قول الله تعالى المزلزل، المهدد، المتوعد ﴿ إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا (٣٩)﴾ التوبة.

ويذكر الطبري في شرحه لهذه الآية المرعبة المخيفة (قال: سمعت ابن عباس، سئل عن قوله: ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ﴾ ، قال: إن رسول الله ﷺ استنفر حيًّا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابَهم، فذلك قوله: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليما﴾.

وماذا يردون؟! وكيف يجيبون هذا النداء الرباني؟! – ومعظمهم – كما أعلم – مؤمنون، صالحون، ملتزمون بالدين – الذي يهز الضمائر، ويُرعب النفوس المؤمنة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ، أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ؟! فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ التوبة.

ويعلق الطبري أيضاً على هذا النداء الإلهي فيقول: (ما لكم أيها المؤمنون، إذا قيل لكم: اخرجُوا غزاة "في سبيل الله"، أي: في جهاد أعداء الله ﴿ اثَّاقلتم إلى الأرض ﴾ ، يقول: تثاقلتم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها ).

يا لها من حياة دنية، تافهة، بئيسة، حزينة.. حياة الركود، والخمول، والاستكانة.. حياة القعود عن إسقاط النظام الفاشي النازي الأسدي اللعين!!

لقد سمعت تبريرات كثيرة من بعض الضباط ، أنهم إذا أراد أحدهم أن يعمل، أو ينضم إلى أحد التشكيلات العسكرية، فإن الصبية الذين يسيطرون عليها، لا يسمحون لهم أن يعملوا معها.

وهذا شيء طبيعي ألا يسمح هؤلاء الصغار، بأن ينضم إليهم أحد من الكبار، لأنه يخاف على مركزه، أن يطير حينما يوجد الكبير..

ولكن السؤال الهام جداً، والكبير جداً.. 

لماذا يذهب الكبار العمالقة في الفنون العسكرية إلى الصغار الجهلة، يترجونهم، ويستجدونهم، ويتسولون على أبوابهم.. أن يقبلوهم في صفوفهم؟!  

إن هذا عملٌ غيرُ صالحٍ.. وغير لائق بمكانتهم العسكرية، ورتبهم العالية.

ما هي وظيفة الضباط؟

المفروض في الكبار، أن يقوموا هم بتشكيل الألوية، والفرق العسكرية، ولا يتركوا المجال للصغار أن يسيطروا على الميدان.. 

المفروض فيهم - وهم عدة مئات من الضباط - أن يشكلوا قيادة واحدة؛ تقوم بوضع الخطط العسكرية المناسبة؛ لبدء التحرير وإسقاط النظام الطائفي.. وليسوا بحاجة إلى أخذ الإذن من أي جهة خارجية؛ للقيام بهذا الواجب العظيم. 

فالأحرار! لا ينتظرون الإذن من أي مخلوق على وجه الأرض؛ ليبدؤوا بتحرير أرضهم من المحتلين. 

فالصحابة رضوان الله عليهم، حينما انطلقوا من المدينة المنورة؛ ليفتحوا العالم، ويدمروا إمبراطورية الفرس، وإمبراطورية الروم.. لم يطلبوا الإذن من كسرى، ولا من قيصر؛ ليفعلوا ذلك..

بل فاجأوهم في ديارهم، واستخلصوها من أيديهم، وحرروها عنوةً من سلطانهم، وأخرجوا كسرى وقيصر من قصورهم أذلاءَ صاغرين. 

وكذلك! حينما أراد الفيتناميون تحرير بلادهم من الاحتلال الأمريكي، لم يطلبوا الإذن من أمريكا؛ للقيام بالتحرير. 

وهكذا كلُ الشعوب الحرة، هي سيدةُ نفسها، وهي سيدةُ قرارها، ولا سلطانَ لأحدٍ عليها.. فهي التي تقرر ماذا تفعل، وهي التي تقرر ساعة بدء التحرير، وكيف يكون التحرير. 

إذاً على الضباط المنشقين واجب عظيم، ومهمة كبيرة؛ لتحرير سوريا، وتخليصها من حكم الأسد. 

عليهم أن يخرجوا من هذه القوقعة، ومن هذه الشرنقة التي التفت حول أعناقهم. 

عليهم أن يخرجوا من المخيمات، التي سجنوا أنفسهم فيها، ويتركوا عوائلهم فيها، ولينطلقوا إلى أرضهم، ويشكلوا مجموعات صغيرة فدائية، تقاتل بشراسة متناهية. وليبدؤوا  حرب عصابات في أرض العدو، ويسفكوا دماءه، ويقطعوا أوصاله. 

فإن لم يفعلوا ذلك، فعلى سوريا السلام..

وسيبقون أذلاء صاغرين، مهانين إلى يوم الدين..

وسيبوؤون بالخزي والعار في الدنيا، لأنهم أخلفوا الله ما وعدوه، وتقاعسوا عن أداء واجبهم، وخذلوا شعبهم الذي علّق أمله فيهم؛ ليحرروا أرضهم، ويقضوا على النظام الأسدي المجرم.. وبالعذاب الأليم في الآخرة.  

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات