توقف مشروع روسيا الجديدة على العتبة الأوكرانية

أورينت نت - د. علي حافظ 2022-06-08 09:42:22

فلاديمير بوتين

على الرغم من إعلان المقاومين الأوكرانيين إيقاف القتال والمقاومة في مجمع "آزوفستال" (آزوف للصلب) بمدينة ماريوبول المنكوبة وتسليمه للروس، واعتبار دعاة الكرملين هذا الحدث "نصراً عظيماً"؛ إلا أن هذا لن يؤثر كثيراً على سير المعارك الدامية الدائرة رحاها على الأراضي الأوكرانية.

انكشاف عيوب الأسلحة الروسية

على مدار أشهر قليلة من تلك الحرب الظالمة فقدت روسيا هيبتها وانكشفت عيوب أسلحتها.. سقطت أسطورة جيشها الذي لا يقهر، وخسر سمعته كـ "محرر أوروبا من النازية" بعدما "كسرت أوكرانيا عموده الفقري" - حسبما صرح زيلينسكي في مقابلة تلفزيونية بثت 21 مايو 2022. 

فشلت خطط الحرب الروسية الخاطفة في أوكرانيا وانتقلت إلى مرحلة الاستنزاف، بينما لم تعد دولة القمح وعباد الشمس الخصم الأوحد لروسيا، بل أغلب دول أوروبا والعالم، لتشكل بذلك كتلة أكبر وأوسع نطاقاً من "حلف شمال الأطلسي". 

إن التصريحات الأولية لبعض خبراء الفودكا، مثل: "الجيش الروسي سيهزم معظم وحدات القوات المسلحة الأوكرانية في 30 دقيقة"، "روسيا قادرة على هزيمة أوكرانيا في يومين في حال نشوب حرب واسعة النطاق"، "روسيا ستهزم أوكرانيا خلال أسبوع في أقصى حد"، وهكذا... ؛ لم تكن سوى دعاية رخيصة للكرملين وصاحبه المتعجرف المريض بوتين، ومجرد أوهام كحولية غير مبنية على حقائق ووقائع الصحوة الفعلية. لم يستطع الضخ البروباغندي من أجل بث الشك والإحباط في نفوس الأوكرانيين وتغيير قناعاتهم حول بلدهم وحكومتهم، وبالتالي تحويل نهجهم الوطني المقاوم حتى آخرة قطرة دم إلى فتنة دينية وعرقية تحطم البلد كلياً كي تسهل عملية احتلاله. 

أجل، لم يلتق أحد الجيش الروسي بالخبز والملح والزهور هناك؛ حتى السكان الناطقون بالروسية في شرق وجنوب البلاد، وفي المدن الكبيرة مثل كييف وخاركيف وزابوروجي ودنيبروبيتروفسك وماريوبول وأوديسا، لم يدعموا في أغلبيتهم العظمى خطط الاحتلال الروسي الغاشم.

ضرب من جنون الخيال

من الطبيعي أن تبدو القوات المسلحة الأوكرانية اليوم أضعف بكثير من نظيرتها الروسية في قدراتها القتالية والتكتيكية. لا أحد يشك في ذلك، لا في الشرق ولا في الغرب؛ لكن هذا لا يعني أنه يمكن الاستخفاف بها أيضاً. ربما نسي الروس، في هذا الصدد، وصية قائدهم العسكري الذي لم يخسر معركة واحدة ألكسندر سوفوروف "لا تحتقر عدوك أبداً، ولا تعتبره أغبى وأضعف منك"؛ وتذكروا مقولته الانتهازية السيئة "أنقذ قائدك، حتى لو عرضت حياتك للخطر"!.. كذلك من الجدير بالذكر هنا العودة إلى التاريخ القريب أيضاً ومعرفة أن ستالين وكل مخابراته وجيشه الأحمر الجرار الذي بلغ عدده عدة ملايين آنذاك، حارب الحركة القومية السرية في غرب أوكرانيا لأكثر من 10 سنوات؛ ولم ينتصر عليها إلا بشق الأنفس. 

إن توقع سحق القوات المسلحة لأمة ما بأكملها بضربة واحدة فقط من هذا القبيل لهو ضرب من جنون الخيال، وإظهار لتفاؤل غبي في تخطيط الأعمال العدائية وتنفيذها، ومحاولة ساذجة للقفز عن الحقائق. يجب عدم التقليل من شأن أحد، فالتشكيلات المسلحة الأفغانية خلال الاحتلال السوفييتي لبلدهم بين أعوام 1979-1989 لم تكن تملك طائرة حربية واحدة ولا مروحية واحدة؛ واستمرت في القتال لمدة عقد من الزمن، لتجبر المحتل في النهاية على الخروج جاراً أذيال الخيبة والهزيمة والعار. كما لم يكن لدى المسلحين الشيشان طائرة واحدة ولا صاروخ موجه واحد؛ وحاربوا لعدة سنوات كلفت روسيا الكثير من الدماء والضحايا والخسائر المادية. في حين، لم يكن لدى فصائل الجيش الحر في سوريا أسلحة نوعية فعالة، لكنها صمدت وقاومت وكادت تطيح بالأسد على الرغم من الدعم الإيراني اللامحدود؛ ولولا تدخل روسيا عقب ذلك وعقدها اتفاقيات سرية مع تركيا، لما استطاعت عصابة آل الأسد أن تسيطر على حلب والمدن الأخرى!

كذلك يجب ألا ننسى بأنه لا يزال لدى القوات المسلحة الأوكرانية نوع من الطيران القتالي وأنظمة الدفاع الجوي، وأن قيادة القوات الجوية الروسية أصيبت بالصدمة من الخسائر التي لحقت بها خلال الأيام الأولى من الأعمال الحربية.

بالطبع، تواجه القوات المسلحة الأوكرانية مشاكل كثيرة. ولكن يجب الاعتراف بأنها كانت جزءاً من المنظومة العسكرية السوفييتية السابقة حتى عام 2014، لكن بعد ذلك، وعلى مدى السنوات الثماني الماضية، تم إنشاء جيش جديد على أساس أيديولوجي وطني جامع، ومختلف كماً ونوعاً عم سبقه، ليكون أقرب من معايير "حلف الناتو" إلى حد كبير.

أسلحة من كل حدب وصوب

اليوم، تتدفق الأسلحة والمعدات الحديثة إلى أوكرانيا من كل حدب وصوب، وتستمر في الوصول حتى الآن. ومن أجل معرفة حجم الدعم العسكري الهائل المقدم لها، لابد من ذكر بيانات الإمدادات بالأسلحة والذخيرة منذ شهر أغسطس 2021 وحتى أواخر شهر مايو كجزء من المساعدة الأمريكية التي نشرتها واشنطن مؤخراً: 

أكثر من 1400 منظومة دفاع جوي "ستينغر" محمولة على الكتف؛ أكثر من 5500 نظام جافلين مضاد للدبابات؛ أكثر من 14 ألف نظام آخر مضاد للمدرعات؛ أكثر من 700 نوع ذخيرة تكتيكية "سويتشبليد"؛ 90 مدفع هاوتزر عيار 155 ملم وزهاء 200 ألف قذيفة؛ 72 مركبة قطر هاوتزر تكتيكية؛ 16 طائرة هليكوبتر من طرازMi-17 ؛ 200 ناقلة جنود مصفحة من طرازM113 ؛ أكثر من 7 آلاف قطعة سلاح صغير؛ حوالي 50 مليون طلقة و75 ألف طقم من الدروع والخوذات؛ 121 نظاماً للطائرات التكتيكية بدون طيار "شبح الفينيق"؛ مئات المركبات المدرعة؛ صواريخ موجهة بالليزر؛ طائرات بدون طيار "بوما"؛ زوارق للدفاع الساحلي بدون طيار؛ 17 رادار استطلاع مدفعي؛ أربعة رادارات مضادة لمدافع الهاون؛ راداران لمراقبة المجال الجوي... الألغام المضادة للأفراد من نوعية "كليمور"؛ متفجرات C-4 ومعدات للهدم؛ أنظمة اتصالات آمنة تكتيكياً... أجهزة رؤية ليلية وأنظمة تصوير حراري... نواظير وأجهزة تحديد المدى بالليزر؛ خدمات استخباراتية تصل مباشرة عبر الأقمار الصناعية التجارية...

أشار وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن بأنه ليس لديه أي فكرة عن المكان الذي تذهب كل هذه الأسلحة والمعدات والذخيرة؛ لا سيما بعدما لاحظ "البنتاغون" أن السلاح يختفي كما لو كان في ثقب أسود بعد عبوره الحدود الأوكرانية. ومع ذلك، يعتزم الأمريكيون زيادة الدعم بمقدار 40 مليار دولار أخرى في المستقبل القريب، منها 20 مليار دولار للمساعدة العسكرية. تكمن المشكلة في أن "البنتاغون" لا يستبعد تمكن بعض المسؤولين الأوكرانيين الفاسدين من إعادة توجيهها إلى دول ثالثة. التحقق من ذلك مستحيل، لأن عمليات التسليم تتم بسرعة ودون بيانات عن الاستخدام الفعلي للسلاح المورد. وفي الوقت نفسه، تستخدم القوات الجوية الروسية بنشاط أسلحة عالية الدقة تسمح بتدمير بعض البضائع العسكرية فور عبورها حدود أوكرانيا وبولندا.

معركة استنزاف طويلة

يبدو أن الأحداث في جنوب شرق أوكرانيا عام 2014 لم تعلم أحداً في روسيا أي شيء. لقد توقعوا أيضاً تحول أوكرانيا بأكملها في غضون أيام إلى ملحق ضمن "روسيا الجديدة". وكذلك، لم تنجح "حملة التحرير" الحالية على غرار ما حدث في الماضي، لأن إرادة الشعوب أقوى من كل الأسلحة. في هذه الحالة يبدو أن الحرب لا تلبي بشكل أساسي المصالح الوطنية لروسيا في الوقت الحاضر، ومن الواضح أنها لا تواجه الآن معركة سهلة، بل معركة شاقة وصعبة قد تستمر لوقت استنزافي طويل.. أجل، لقد انكمش مشروع "روسيا الجديدة" على العتبة الأوكرانية بشكل غير محسوس، ومات بهدوء جنائزي بارد.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات