محمد منصور يستعيد الذاكرة الدمشقية: (دمشق طقوس رمضانية) أسرار الإذاعة والدراما والرفض النفسي لحكم البعث

أورينت نت - أحمد عسيلي 2022-06-01 07:59:05

(دمشق طقوس رمضانية) كتاب يؤرخ لمجتمع دمشق والدراما الإذاعية والتلفزيونية

منذ عدة سنوات يشتغل الكاتب السوري الدمشقي محمد منصور على الذاكرة الدمشقية، محاولاً الاحتفاظ ما أمكن بسيرة هذه المدينة المغتصبة منذ أكثر من نصف قرن، فمن كتابه (دمشق ذاكرة الوجوه والتحولات) إلى (دمشق تذكارات أموية) ثم (دمشق سيرة المواسم والفصول) ومؤخراً كتابه، وربما أجمل إصداراته (دمشق طقوس رمضانية) الكتاب الصادر عن دار موزاييك في تركيا 2021.

سأعترف بداية أن قراءة الكتاب كانت منهكة جداً لي ، أجّلت قراءته عدة مرات، فما أصعب أن نقرأ عن دمشقنا ونحن مبعدون عنها، لكن حالما بدأت بالصفحات الأولى، اكتشفت  أنني أمام رحلة رائعة عبر تاريخ رمضان الدمشقي منذ عدة قرون وحتى وقتنا الحالي.

دمشق التي كانت.. الرفض النفسي لحكم البعث!

يبدأ الكتاب بالإهداء (إلى دمشق التي كانت قبل حكم البعث) في إشارة إلى رفضه النفسي (وهو الدمشقي الأصيل)  لكل أشكال التشويه الذي لحق بعاصمتنا منذ مجيء هذه الشلة الحاقدة على رفعة هذه المدينة، ثم بمقدمة لطيفة عن ثقافة التخمة في شهر الصيام ،لينطلق بالفصل الأول بالحديث عن يوميات رمضان الدمشقي، العادات و التقاليد و تاريخها، من تكريزة رمضان، وهي السيران الذي يقوم به الدمشقيون قبل رمضان بيوم، ليودّعوا به عادة السيران الدمشقي أيام الجدة، وفيه تهيئة للنفوس للصيام، ثم طريقة إثبات الشهر، وإصرار علماء دمشق على طريقة الرؤية بالعين المجردة، و تاريخ إمساكية رمضان، الذي بدأ في مصر (الرائدة دوماً بكل ما هو جميل) في عهد محمد علي، ومدفع رمضان  وقصة هذا المدفع الذي بدأت في عهد والي دمشق المحبوب أسعد باشا.

في هذا الفصل نقرأ العديد من القصص خفيفة الظل عن مأكولات وحلويات دمشق: أسمائها وتاريخها، و قد سُررت جداً عندما عرفت قصة النابلسية و كيف دخلت إلى دمشق بوساطة عائلة أباظة الفلسطينية من خلال معرض دمشق الدولي في الخمسينيات، وأن البغجاتية هو الاسم القديم الذي أطلقه الدمشقيون على معلمي مهنة صنع وبيع الحلويات

المسحراتي والكراكوزاتي وأبو عبدو حكواتي الثورة

يتحدث الفصل  الثاني عن المسحراتي وتاريخ هذه المهنة وطريقة تنظيمها بشكل أهلي، ذاكراً بعض الأناشيد التي يغنيها الأطفال خلف المسحراتي، وأن دمشق في مطلع سبعينات القرن العشرين كانت تحوي 72 مسحّراً مقسمين إلى ثلاث مناطق.

أما الفصل الثالث فكان رحلة ممتعة في تاريخ خيال الكراكوزاتي وظل الحكواتي، هذه المهنة التي كانت رائجة جداً في دمشق ، فمَن منّا لا يعرف كراكوز و عواظ ، هذه الشخصيات الكوميدية التي أضحكتنا جميعاً في طفولتنا، مذكراً أيانا ببعض الشخصيات التي اشتهرت بهذا الفن كعبد الحميد الهواري، الملقب بأبو أحمد المنعش، وأيضا تاريخ الحكواتي في دمشق، وكيف حافظت مقهى النوفرة على هذا التاريخ حتى وفاة آخر حكواتية دمشق رشيد الحلاق، أبو شادي في 2014

من أجمل الأفكار في هذا الفصل، نقد الاتجاه القائل بأن هذا الفن قد انقرض، وأن الزمن تجاوزه، فممكن دوماً تطويع فنوننا التي تعبّر عن شخصيتنا واستخدام التقنيات الجديدة، مع المحافظة على روح هذه الفنون، كتجربة أبو عبدو الحكواتي على اليوتيوب، التي أرّخت للثورة و نظرت لفلسفتها بأسلوب خيال الظل، وبلهجة أهل الغوطة الفخمة

تاريخ إذاعة دمشق: شحنة عاطفية قاسية 

ثم ننتقل في خطوة إلى الأمام، ليتحدث عن موسم الإذاعة الرمضاني، هذه العادة التي بدأت في القاهرة، ثم إذاعة الشرق الأدنى، ومن ثم إذاعة دمشق.

في هذا الفصل، شحنة عاطفية قاسية، كأن نقرأ عن ظرفاء دمشق و شخصياتها الإذاعية، التي كانت جزءاً مهماً من تراثنا الجميل، كعميد الدراما الإذاعية حكمت محسن ( 1910-1968 ) الذي أدى شخصيات أم كامل ،أبو رشدي، أبو شاكر، أبو صياح ، بكل روعة هذه الشخصيات، وكيف قدمت مواقف كوميدية راقية خفيفة، دون السخرية من أحد أو التقليل من شأنه ، ووليد مارديني الذي تعاون مع المخرج المميز تيسير السعدي  في تقديم شخصية صابر و صبرية الذي استمرّ في البث لأكثر من 13 عاماً، فقد عاشت إذاعة دمشق عصرها الذهبي في خمسينات وستينات القرن العشرين، ففي عام 1963، قدمت إذاعة دمشق 868 حلقة إذاعية خصيصاً لموسم رمضان بوساطة نخبة من أستاذة الإخراج الإذاعي كتيسير السعدي ومروان عبدالحميد، فائق مغيزل ومحمد صالحية، فيذكر الكاتب في الصفحة 136 أن إذاعة دمشق ( بلغت ذروة تألقها قبيل انقلاب حزب البعث في الثامن من آذار من العام نفسه، ودخولها في نفس الإيديولوجيا الشعاراتية المسعورة)

خفايا الموسم التلفزيوني

بعد هذه الرحلة الإذاعية ننتقل إلى الحديث عن موسم رمضان التلفزيوني، كيف نشأ وتطوّر، ليحدثنا عن خبايا هذا الفن، مستفيداً  الكاتب هنا من خبرته في عمله لفترة طويلة في الإذاعة والتلفزيون، فيخبرنا أن أول مسلسل أُنتج خصيصاً للعرض الرمضاني كان مسلسل البخلاء الذي أخرجه هاني الروماني وغسان جبري عام 1967 ثم مسلسل مساكين 1969 ومسلسل (صح النوم) لنهاد قلعي كاتبا وخلدون المالح مخرجاً، وهو “أول عمل رمضاني سوري يحقق حالة منع تجول في الشارع السوري، و قد وُزّع عربياً على نطاق واسع، حاملاً في ثناياه اللهجة الدمشقية ونموذج الحارة الدمشقية بخفة ظل خلقت نجوماً وكاركترات عاشت طويلاً في أذهان السوريين كباراً و صغاراً” كما جاء في الكتاب، ومن منا لا يذكر مسلسل (أبو كامل) بجزأيه و من ثم (أيام شامية) لبسام الملا قبل أن تتحول هذه الظاهرة إلى سعار تلفزيوني ومنافسة شرسة بين الشركات الخاصة، المدعومة طبعاً من الأمن حتى إن: “التلفزيون السوري في زحمة معارك العرض في موسم رمضان، لم يستطع أن يعرض أي مسلسل مهم من إنتاجه في السنوات الأخيرة قبل الثورة، لأنه كان مضطراً لإرضاء الشركات الخاصة التي استعانت بالنفود الأمني من أجل تثبيت عرض مسلسلاتها في الأوقات التي تريد”

الفصل السادس، كان مخصصاً لفنون السرد الرمضاني، الحكايا والفنتازيا وألف ليلة و ليلة، منذ مسلسل (حكايا شهرزاد) الذي عُرض في عام 1968 إلى مسلسل  منى واصف وحسن أبو شعيرة وهاني الروماني الشهير جداً في السبعينات (دليلة والزئبق 1975) وصولاً لسلسلة (كان يا ما كان) لداوود شيخاني في التسعينات ليتربّع على عرش ذاكرتي في الطفولة بشخصية الجدة التي أدتها بشكل جميل جداً سامية الجزائري، قبل أن تبدأ فورة الفانتازيا التاريخية مع نجدت أنزور الذي  خرّب الذوق العام ببهرجته في اللباس والألوان و بحوارات سخيفة ، لكن حمداً لله أن هذه الموجة انتهت سريعا. 

أما الفصل السابع والأخير، فخصصه لمسلسلات البيئة الدمشقية بين التلفيق التاريخي والتلقين السياسي، ومن أطرف ما ذكره الكاتب هنا، قرار  عممته غرفة صناعة دمشق وريفها تمنع بموجبه عرض صورة العلم السوري السابق، كما تمنع أي ذكر لثوار الغوطة أو كلمة ثوار بشكل عام ؟؟؟ و قد وضع صورة لهذا القرار كما عممته هذه الغرفة، ثم الحديث أخيراً عن الحالة المزرية التي وصل إليها مسلسل باب الحارة، بعد أن استخدمه نظام الأسد ليمرر به رسائله المعادية للثورة… لتنتهي رحلتنا الرمضانية هذه بعد 219 صفحة، كُتبت بأسلوب سلس جداً ،ممتع و خفيف، وقد زُيّن الكتاب بعد كل فصل بمجموعة من الصور الرائعة لدمشق و أجوائها وأهم الشخصيات واللحظات التاريخية المتعلقة بهذا الموضوع.

كاتب يعرف ما يريد قوله

(دمشق طقوس رمضانية) كتابٌ مميز جداً، يعرف الكاتب ما يريد قوله، فالكتابة عنده كما ذكر في أحد حواراته “تمرين عقلي مستمر على الفهم والتحليل والتركيب” وهي “سلاح لكل ما يرفضه العقل وتستهجنه ذائقته”… وإننا ننتظر المزيد من الكاتب عن دمشق وتاريخها، فنحن بحاجة إلى الحفاظ على صورتها في ذاكرتنا، جميلة أنيقة، أو بكل بساطة نحن بحاجة إلى دمشق الدمشقية مرة أخرى.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات