مشواري مع الأدب والثورة-9: شبان المخيم يصدرون كتباً مطبوعة وعجائز يروون قصص فساد حكم الأسد

أورينت نت- ابتسام شاكوش 2022-05-30 07:14:33

ابتسام شاكوش تواصل رواية مذكراتها لأورينت نت

واستمر العمل في المركز الثقافي لمخيم جيلان بينار لللاجئين السوريين ليشهد إقبالاً شديداً من كافة سكان المخيم، وإقبالاً أشدّ بحماسة منقطعة النظير من فريق العمل, يبدأ العمل منذ الصباح ويستمر حتى ما يقارب منتصف الليل.

بدأنا بحصص نُعلّم فيها الأخلاق لأطفال المخيم, نستدعي كل حصة تلاميذ صف معين من تلاميذ المرحلة الابتدائية. ويأتي الأساتذة وأئمة المساجد ليعطوا للأطفال المواعظ من خلال حكايات وقصص.

طلبت مرة من الأستاذ أيمن العمر أن يحكي للأطفال قصة أصحاب الأخدود, حكاها بطريقة جميلة هادئة مبسطة, الغلام الذي اختاره الملك يذهب إلى الساحر ليتعلم السحر, وفي الطريق يمر بصومعة راهب فيتعلم منه التوحيد والإيمان, القصة معروفة.. لم يتمكن الملك من قتل الغلام بعدما انكشف إيمانه وبعدما قتل الراهب، وتم قتل الغلام حسب طلبه بعدما جمع الكثير من الناس ورمى السهم قائلاً: باسم رب الغلام.

في ختام الحكاية سأل الأستاذ أيمن الأطفال أي الشخصيات أعجبتكم أكثر؟ غالبية الأطفال قالوا الغلام، بعضهم قال الراهب، بعضهم قال أم الرضيع الذي تكلم, لكن واحداً منهم قال أعجبتني شخصية الملك.. لماذا يا بني؟؟ قال هذا الملك مثل بشار الأسد بغبائه جعل كل الشعب يؤمن بما آمن به الغلام.. ويقوم بثورة ضدّه مثلما صار في سورية, وقفنا مدهوشين أمام هذا التحليل, كم لدينا من مفكرين صغار ومن مواهب متناثرة في المخيمات والمنافي.

نشروا كتباً مطبوعة وعشقوا التاريخ 

في دورة تعليم الكتابة الأدبية, والتي خرّجت مجموعة من الشباب والشابات, كتبوا ونشروا كتباً مطبوعة، كان هنالك الكثير من اللفتات الذكية, والأكثر من الروح الوطنية المتحمسة للثورة، ولبناء وطن يخلو من الاستبداد والقهر الذي عانوه وعاشوه في مكان هو أقرب إلى المزرعة منه إلى الدولة, مزرعة الأسد, كان غالبيتهم يقول أريد أن أتعلم لأدون تاريخ وطني, ولأفتح للقادمين طريق الأمل.

قدمنا للأطفال أيضاً إلى جانب الأخلاق دروساً نظرية وعملية في الحياة اليومية والنظافة الشخصية والعناية بالبيئة.

للنساء قدمنا دورات في محو الأمية, ودورات أخرى في التمريض والإسعافات الأولية, تتعلم النساء فيها كيف تتصرف بهدوء مع الحالات الطارئة من ارتفاع حرارة أطفالها , ومع حالات الاختناق وضيق التنفس والربو, وكذلك مع ارتفاع وانخفاض السكري وضغط الدم.. وحالات الإجهاض والولادة, اشترينا من أجل هذه الدورات مجموعة من أجهزة قياس الحرارة والضغط والسكر وأجهزة الرذاذ, وعند تخرج أول دورة احتفلت النساء وصنعت قالب كاتو كتبن عليه (إشراقة أمل) وهو عنوان قصتي الأولى التي فازت بجائزة في بداية عملي الأدبي تكريماً لي من باب الشكر والعرفان.

برنامج ميكانو يفجر طاقات أطفال المخيم

كنت في يوم من أيام سنة 2018  في هاتاي أزور أخي الجريح, التقيت مع صديقاتي هناك, والتقيت مع الأستاذة فادية شاكر التي تعمل مع مؤسسة اليراع السوري, حدثتني عن برنامج ميكانو الذي يعملون به مع أطفال المدارس، وحدثتها عن مركزنا الثقافي وافتقارنا إلى أي اهتمام من جهات خارج المخيم, تمنيت عليها لو نطبق هذا البرنامج في مخيمنا, وافقت على الفور, بل رحبت بنقل التجربة إلى المخيم, وحملتني مجموعة من الحقائب تحتوي الأدوات التي يستخدمها التلاميذ في تلك الدروس.

تواصلت من هناك مع الآنسة هيام عقيل معلمة الفيزياء, شرحت لها الفكرة, وجعلتها تتواصل مع الأستاذة فادية, شكلت ورشة عمل تتألف من الأستاذ محمد حمرين مديراً للمشروع, والأستاذ إبراهيم الإسماعيل أستاذ مادة الفيزياء والأستاذ محمد حديدي المختص بهندسة الطيران ومعلمين ومشرفين.

كانوا يشرحون الدرس للتلاميذ بشكل نظري, كانت في البداية عن البكرات والرافعات وآلية عملها, ثم يوزعون عليهم أوراقاً مرسومة, ويطلبون تجسيد الرسوم بشكل عملي, كانت الأدوات عبارة عن المسامير والبراغي والقطع المعدنية والبلاستيكية, صنع الأطفال منها أشياء كثيرة, منها على سبيل المثال: أرجوحة ثم رافعه ثم عربة وهكذا.. تطورت صناعتهم فصمموا الكثير, بعض الطلاب المميزين قاموا بصنع طائرة بتجميعها من قطع بلاستيكية تتوفر لديهم مع إضافة محرك صغير من ألعابهم القديمة, تلك الطائرة كانت تمشي ثم تطير مرتفعة قليلاً عن سطح الأرض, وبعضهم صنع سيارة بمحرك وبعضهم صنع مروحة ورافعة, أحدهم صنع جسراً متحركاً بالاعتماد على نظام البكرات, وصنعوا نظام التلفريك بخيوط وعربات, كانت الدورة على ثلاث مستويات, في المستوى الثالث صنع الأطفال مدحلة وبلدوزراً, كان البلدوزر يمشي ومجرفته تعلو تسكب محتواها ثم تنزل, مثل أي آلة حقيقية.

حين زار القائم قام المركز ليطلع على دورة الميكانو أدهشه ما رأى, وراح يسأل التلاميذ عن كل تصميم وكل حركة, وكان ذلك أمام كاميرات إحدى قنوات التلفزيون التركية.

في نهاية الدورة جمع مدير التعليم في المخيم كل تلك النماذج, أخذها, ووعدهم بإقامة معرض لها واصطحابهم إلى المعرض ليشرحوا للقائمين عليه حول كل نموذج منها, فرح التلاميذ كثيراً بذلك الوعد, لكنه لم ينفذ وعده ولا أعاد لهم ما أخذه منهم.

قصص فساد عائلة الأسد

أمّا ما أعتبره الأهم في مشروع المركز الثقافي, فهو الشعار الذي طرحتُه عند افتتاح ذلك المركز، إذا لم نقم بثورة فكرية في موازاة الثورة على الأرض, فما حققنا هدفنا، وضاعت دماء شهدائنا هدراًـ نريد مسح الخوف والرعب الذي زرعه نظام الأسد من النفوس، نريد أن يعرف الناس ما حصل في الماضي وما هو واقعنا الآن، وما المستقبل الذي نطمح إليه، من أجل ذلك استضفنا أساتذة الجامعات ليعطوا محاضرات في السياسة والجغرافية والتاريخ والاقتصاد، لم نكتف بذلك بل طلبنا من عجائز المخيم أن يحكوا لنا عن مشاهداتهم وما عاشوه وما سمعوه من آبائهم من قصص الفساد في ظل حكم البعث والأسد.. ما كنا نسمي ما يتحدثون به محاضرة حتى لا يرتبك المتحدث ويعتذر، بل سهرة ودردشة.

أبو سعد كان يعمل سائقاً في مديرة الزراعة باللاذقية. طلبنا منه أن يحدثنا عن ذكرياته، قال إنه يعلم الكثير عن حرائق الغابات التي تقام دائماً بأمر من المتنفذين والمقربين من دوائر القرار، ومن الأسرة الحاكمة، تحرق الغابة ثم يقلع ما تبقى من أشجارها، ثم يجري (تطويبها) في الدوائر العقارية بأسماء من أمروا بحرقها، لتنتقل ملكيتها من (أملاك الدولة) إلى أسمائهم تحت مسمى الاستصلاح.

وقال أيضاً إن هنالك محمية للغزلان, تمنّى مدير الزراعة يوماً أن يولم لبعض خاصته بلحم الغزال, طلب من أبي سعد اصطياد الغزال بإطلاق النار, أبو سعد رفض بشدة, لأنه يعلم العاقبة، مدير الزراعة يكرهه ويحقد عليه ويسعى للخلاص منه، سوف يُلبسه جريمة حيازة سلاح ناري غير مرخص، واصطياد حيوان هو تحت الحماية، أبو سعد كان من أول المشاركين بالثورة، له من الشهداء أخ وولدان، ولا أعرف كم من أبناء إخوته.

تمنيت لو كان معنا العمّ عدنان أصلان, هو الوحيد الذي لجأ إلى المحاكم لاسترداد أرض أبيه التي أخذها الفلاحون بموجب قانون الإصلاح الزراعي, قال له القاضي يوماً إن قضيتك سقطت بالتقادم, فأجابه إن قضية فلسطين أقدم من قضيتي لماذا تدافعون عنها ولم تعتبروها سقطت بالتقادم؟؟ لكني أعرفكم أكثر منكم, لن يتحرر شبر من فلسطين قبل أن تتحرر أرض أبي, كلاهما محتل ومغتصب بنفس الطريقة، ضحك القاضي يومها ولم يجب بكلمة، وقال لمن حوله: هذا رجل مجنون.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات