(ذئاب مانجو) لمحمد خليل: الكرد وجيش هولاكو والخوف الذي ينتج التسميات السرية

أورينت نت - دلال إسحق 2022-05-29 06:46:02

ذئاب مانجو.. وتاريخ الخوف في حياة الأكراد

"يقال: بجيش كبير على رأسه (مونكو خان) -موفد شقيقه (هولاكو)- سارَ المغول إلى قتال الشعوب في أراضيها، انقضت به الخلافة العباسية، قُهِرَت القرى والمدن ببطش جنود تزيّنوا بجلود وفراء الذئاب وصفاتها. وآنَ توغلهم في منطقة كردستان، أطلق الأكراد على هؤلاء العسكر اسم: الذئاب، وشكّلوا صياغة اسم (مانكو خان) بالكردية وأصبح: (مانجو)، فتحولت التسمية الباطنية لجيش هولاكو ومونكو والمغول -إثر ذلك- لدى الكرد إلى: "ذئاب مانجو".فيما بعد، ولجَ هذا الاسم سياقاً نفسيّاً لدى معظم النساء الكرد، فصرن يؤلّفن ويقصصن حكايا عن تلك الذئاب على فلذات أكبادهنّ الرافضين النوم والموالين للمسامرة. مرّت العقود والقرون الكثيرة على تلك الأرض وقد كبر أطفالها على جمل من هذا القبيل: "نَم قبل أن تخطفك ذئاب مانجو وتلتهمك. لا تخرج من البيت ليلاً كي لا تخطفك ذئاب مانجو، تناول طعامك وإلّا جاءتك ذئاب مانجو". 

بهذه المقدمة يعرّف الكاتب والروائي السوري محمد خليل عن موضوع كتابه "ذئاب مانجو" الصادر مؤخرًا عن دار موزاييك للدراسات والنشر، والذي صنّفه تحت اسم نصوص، وربما يرجع هذا التصنيف لمنحه الكاتب مساحةً من الحرية للعمل على الثيمة بشكل أفضل. 

فوضى الأرقام

يفتتح "محمد خليل" نصوصه بالمقطع رقم (19) ثم (8) فــ(33)، ثم ما يلبث القارئ أن يدخل في فوضى الأرقام التي ميّز بها الكاتب نصوصه، ويرجَّح سبب الفوضى في اختيار عنونة النصوص بهذه الطريقة إلى مضمون الكتاب، الذي وظّف الخوف ثيمة للارتكاز عليها منذ البداية، فالخائف قطعاً لا يملك القدرة على الإحاطة بالتراتبية.  

على جدران البيوت، يغفو الليل

تنبح الكلاب في ذلك البعد الغائب عنا.

من العراء، يهب القلق

يُسدل الستائر على نوافذ العتمة،

والخوف يبلل فراش المذعورين، تقطر من سقف البيت حبات اليقظة، يستودعها خلسة قعور أطباقنا.

هل تأبطت العراء وحيدًا، أيها الذّئب؟

ذاكرة الألم والخوف

قد يُعتبر استخدام الكاتب للمجاز والرمزية أحياناً تكتيكاً لإخفاء عيوب أو ضعف في تشكيل بنية النص إلّا أنّ "خليل" استطاع بحِرَفية اللعب على سبك الجملة وتكثيفها لتقاربَ الشعر المنثور أكثر من قربها من النص السردي العادي. كما اعتمد على الموروث الثقافي من خلال استحضاره للطفولة وحكايا الكبار، وكأنه يعبّر عن حنينه للمكان والزمان بلغة غير مباشرة. ولم تغب مفردات أخرى قام باستجلابها من الحاضر أو ما عايشه، كالحرب، اللجوء، الدمار… 

ذاكرة طويلة من الألم والخوف اتكأ عليها الكاتب لتؤسس لدرب وعرة مفروشة بالقلق، ذاك القلق الذي لا يمكن تجاهله لا في الحاضر ولا مستقبلًا حتى. هذا وقد ألهبت الحرب وما تبعها من مآسٍ كاللجوء، قريحة الكاتب ليفجّر مشاهدها ضمن عباراته على هيئة صرخات تارة، ولإيصال المشَاهد إلى الآخر أحياناً. 

ألهمَني الأمسُ فكرة الانتحار بقُصاصة من دفتر العائلة،

تذكرت، قبل ميلادي، سقف البيت؛

أين يخبئ الغبار ذكرياتنا،

حين تنهار الجدران؟

وتظهر أيضاً فوضى المشاعر إلى جانب الفوضى التي تقصّد الكاتب افتعالها "في عنونة النصوص"، فالقلق والحزن واضحان بجمل عديدة إلى جانب الأمل: " تتعثر الأرواح بخذلان أجسادها."، أنا شقيقك بالصداع أيها الحجر"، تمسح التراب عن وجهك". 

بعدَ الانفجار،

أنتَ مُجرَّدُ قطعةِ لحمٍ

تتخاصمُ عليها الأُمّهات

في حين لم تغب ملامح البيئة التي خرج منها الكاتب والتي صقلت ذكرياته وأفكاره ورؤيته للحياة والأحداث، فالريف والطبيعة المفتوحة حضرت بكثافة: "جدران بيوتنا الطينية"، "صوت مضخّة الماء على نهر الخابور"، "درج بيت جدي الريفي"...

ومما لا يغيب عن الذكر؛ استخدام الكاتب ضمائر عدة في مخاطبة قارئه، فحمل على عاتقه منذ البداية تقريب النص لروح القارئ وفرض حالة من التاريخ والمصير المشتركين بينه وبين من سيتتبع الكلمات. أما عن حضور الأسطورة فقد كرّس لها "خليل" مساحة شاسعة في كتابه، فهي أخذت في الأصل مساحتها في الذاكرة، ومن منا لا يحتفظ بمخزون من حكايا الأمهات والجدات وأساطير الليل التي اتخذها الكبار وسيلة للترهيب والتربية في زمن مضى. 

أعلم 

أنّ هذا العالم

ليس إلّا ظلًا لعابرٍ فقَدَ الثقة بالطريق 

ولكنه يسلكه،

سنقول لنفسينا:

"الضياع بداية ولادة جديدة"

وأخيرًا، وظّف "محمد خليل" الذئب ككائن في توظيفات وأماكن عديدة، فلم يُلبسه معاني القوة والتوحش فقط، بل أحاله في مواضع إلى رصاصة، وأب، ثم أراده نقيضاً للنوم أي "الأرق" وهكذا... ونستطيع القول أنّ "ذئاب مانجو" نص مشبع بالحالة السورية، ابتداءً بالذاكرة الجمعية والموروث وانتهاءً بالمأساة التي أصابت كل من يحمل اللعنة السورية. 

من أجواء الكتاب:

بصوتك المبحوح،

تتلو تعويذة نعمة الله، أسمعك

أرى، يديك المزدحمتين بالأماكن والدعوات

أنظر خلف رأسك، 

عصا لفتاة عمياء

تاهت في جسدك المتعفن،

ثلاثة مواسم على ظهر حصان أعرج

ترتعش حوافره ما إن نظرت إليه

إنّه قدرك.

عن الكتاب والكاتب:

ذئاب مانجو: صدر عن دار موزاييك للدراسات والنشر، وقد جاء في 74 صفحة من القطع المتوسط، وتضمن ما يقارب الخمسين نصّاً، تنتمي معظمها للنصوص القصيرة، وأحياناً تأخذ شكل الومضات.

محمد خليل: كاتب كردي من المنطقة الشمالية السورية (الحسكة) 1989، مقيم في فيينا-النمسا.

صدر له: 

- "سفر الماء"، مجموعة شعرية، عن دار مسعى للنشر – البحرين 2014.

- "القتل إهانة للموت"، مجموعة شعرية، عن دار فضاءات – الأردن 2018.

- "لاجئ في بلاد العجائب"، مسرحية باللغتين العربية والألمانية 2018.

- "السماء تمطر بشراً"، رواية، عن دار موزاييك للدراسات والنشر – تركيا 2020.

- "القتل إهانة للموت" مترجم للغة الألمانية عن دار United P. C. Verlag – النمسا 2021.

- "ذئاب مانجو"، نصوص، عن دار موزاييك للدراسات والنشر – تركيا 2022.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات